روبن هود والصعاليك… لا تُغسَل المظالم بالصدقات
لا تُغسل المظالم بالصدقات، ولا يصير الحرام حلالًا لأن صاحبه أنفق بعضه على الفقراء. فسرقة الأغنياء، والغش، والربا، وأكل الميراث، وحبس الأجور لا تبررها نية الإحسان. إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وحقوق العباد لا تسقط بالتبرعات. والتوبة الصادقة تبدأ بترك الحرام ورد الحقوق إلى أصحابها؛ فبركة المال في حِلِّ مصدره، لا في كثرته. اتق الله فيما تكسب، وأحسن من مالك الحلال، ولا تجعل الصدقة ستارًا لظلم الناس.

ما أعظم هذا الدين حين يضبط نوازع النفس، فلا يسمح لها أن تُلبس الظلم ثوب الرحمة، ولا أن تجعل حاجة الفقير ذريعةً للاعتداء على حقوق الناس. ففي ميزان الإسلام، يُسأل الإنسان عن مصدر ماله كما يُسأل عن مصرفه؛ ولا يكفي أن تبدو النهاية جميلةً حتى تصبح الطريق إليها مباحة.
تستميل بعضَ الناس الصورةُ الشائعة لروبن هود: رجل يأخذ من الأغنياء ليعطي الفقراء. ويُروى نحو ذلك عن بعض صعاليك العرب، مع اختلاف أحوالهم ودوافعهم. غير أن التعاطف مع المحتاج لا يمنح أحدًا حق استباحة أموال الآخرين؛ فغنى الإنسان ليس جريمةً تُسقط حرمة ماله، وفقر غيره ليس تفويضًا مفتوحًا بالسرقة. ولو جعل كل إنسان تقديره الشخصي للعدالة إذنًا بالنهب، لتحولت المجتمعات إلى ساحة يتنازعها الأقوى والأجرأ على العدوان. [1]
وقد شرع الإسلام الزكاة حقًّا واجبًا للفقراء، وحث على الصدقات والتكافل، وأوجب رد المظالم. والزكاة ليست تبرعًا اختياريًّا؛ فلولي الأمر أخذها ممن امتنع عن أدائها وفق أحكامها. لكن هذا الحق المنظم لا يبيح للأفراد اقتحام أموال الناس وتوزيعها بحسب أهوائهم. إن نصرة المظلوم مسؤولية، والاعتداء على بريء مظلمة جديدة. [2]
ثم جاءت القاعدة النبوية قاطعةً لكل تبرير: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا»، رواه مسلم (1015). وجاء في صحيح مسلم (224): «لا تُقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول». فلا تتحول الخيانة إلى طاعة حين يُقتطع من حصيلتها شيء للفقراء، ولا يصبح المال المغصوب ملكًا للغاصب بمجرد أنه أحسن توزيعه. [3]
ومن أخطر ما يخدع به الإنسان نفسه أن يواصل الكسب المحرم، ثم يجعل الصدقة تسويةً دوريةً مع ضميره: يغش في تجارته، ويأكل الربا، ويقبض الرشوة، ويستولي على الميراث، ويحبس أجور العاملين؛ ثم يطعم مسكينًا أو يساهم في مشروع خيري، ويظن أنه بذلك قد أغلق الحساب! حقوق العباد لا تسقط بإيصالات التبرع، والمظلوم لا يفقد حقه لأن ظالمه تصدق على غيره.
يا من تحبس أجر العامل ثم تتفاخر بإطعام الفقراء: أدِّ إلى العامل حقه. ويا من تستولي على نصيب أختك من الميراث ثم تنفق على الغرباء: رُدَّ إليها ميراثها. ويا من تغش المشترين ثم تطلب الثناء على سخائك: كُفَّ عن الغش وردَّ الحقوق. كيف ترضى أن تكون سببًا في حاجة إنسان، ثم تطلب منزلة المحسن بإعانة إنسان آخر من ماله؟
ولا تخدعنك كثرة المال؛ فالبركة لا تُقاس بضخامة الرصيد. قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276]. وربط النبي ﷺ بركة البيع بالصدق والبيان، وحذّر من ذهابها بالكذب والكتمان. فليخشَ آكل الحرام أن يجمع أرقامًا ويخسر بركةً، وأن يفرح بربح عاجل يحمل معه تبعةً يوم الحساب. [4]
وباب التوبة مفتوح، ولكنه يتطلب صدقًا: إقلاعًا عن الحرام، وندمًا عليه، وعزمًا على عدم العودة، وردًّا لحقوق الناس. فمن سرق أو غصب مالًا وجب عليه إيصاله إلى صاحبه أو ورثته، ولا يجزئه أن يتصدق به مع قدرته على رده. فإن تعذر الوصول إليهم بعد بذل الوسع، صُرف عنهم إلى الفقراء أو المصالح العامة وفق الحكم الشرعي. والتخلص الواجب من المال الحرام عند التوبة يختلف عن مواصلة جمعه بحجة فعل الخير؛ فلا يُتخذ التبرع رخصةً للاستمرار في المعصية. [5]
وما أشد حاجتنا إلى أن نتوقف عن الانبهار بحجم العطاء حين تكون المظالم معلومة! لا ينبغي أن تُخرسنا مائدة عامرة عن أجر محبوس، ولا تبرعات معلنة عن حقوق مسلوبة. ومن عرف ظلمًا فليطالب برفعه بالطرق المشروعة، ومن جهل أحوال الناس فليلزم العدل، فلا يتهمهم بغير بينة.
اتقِ الله في المال الذي يدخل بيتك قبل أن تتباهى بالمال الذي يخرج من يدك. وأحسن إلى الفقير من حلالك، ورُدَّ إلى المظلوم حقه؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا.
المراجع
مقالات ذات صلة
أين أنتِ يا سفّانة من هذا الزمان؟
يستحضر المقال حكاية سفّانة بنت حاتم، مع التنبيه إلى ضعف روايتها، ليبرز اعتزاز الأبناء بمكارم آبائهم، وبقاء أثر المعروف بعد رحيل أصحابه. وينتقد كرم المظاهر حين يقترن بأكل الحقوق وقطع الأرحام، وغلبة حب المال وتبرير الظلم. ويؤكد أن التقوى تظهر في العدل وأداء الأمانات، وأن التسامح اختيار لصاحب الحق، لا وسيلة لإسكات المظلوم، داعيًا إلى رد المظالم وصون الكرامة، فخير ما يورثه الإنسان سيرة طيبة وذكر كريم.
فمن يباري أبا حفص وسيرته
يستلهم المقال من سيرة الفاروق عمر بن الخطاب معنى الستر والرحمة والتواضع للحق، عبر حكاية تُروى عنه في رعاية طفل وصون سرّ أمّه، دون الجزم بثبوتها. ويؤكد أن عظمة الإنسان تظهر في رجوعه حين يُذكَّر، وحفظه كرامة من أخطأ، وإعانته على التوبة. فالستر فضيلة ما دام يحقق الإصلاح، لكنه لا يبرر حماية المعتدي أو إسكات المظلوم أو تضييع الحقوق؛ إذ تجتمع الرحمة والعدالة في صيانة الكرامة ودفع الأذى، والوقوف مع الحق.
الدرهم والدينار… والرَّحِم
المال امتحان للنفوس؛ فقد يجمع القلوب بالعدل والإحسان والتراحم، أو يفرق الأرحام بالطمع والخصومة. وقد فصل الله المواريث ليحفظ الحقوق، وحذر من نفوس تجعل نصيبها ميزان رضاها. فالمطالبة بالحق لا تنافي السماحة، والتسامح فضل يصدر عن رضا، لا بإكراه أو استغلال. طوبى لمن أنصف وعفا، وصان مودة أهله؛ فالدرهم والدينار يفنيان، ويبقى ما قدمناه من عدل ورحمة، وما حفظناه من صلة وكرامة، يوم نلقى الله بقلوبنا وأعمالنا.