الدرهم والدينار… والرَّحِم
المال امتحان للنفوس؛ فقد يجمع القلوب بالعدل والإحسان والتراحم، أو يفرق الأرحام بالطمع والخصومة. وقد فصل الله المواريث ليحفظ الحقوق، وحذر من نفوس تجعل نصيبها ميزان رضاها. فالمطالبة بالحق لا تنافي السماحة، والتسامح فضل يصدر عن رضا، لا بإكراه أو استغلال. طوبى لمن أنصف وعفا، وصان مودة أهله؛ فالدرهم والدينار يفنيان، ويبقى ما قدمناه من عدل ورحمة، وما حفظناه من صلة وكرامة، يوم نلقى الله بقلوبنا وأعمالنا.

كم من بيتٍ جمعته المحبة، فرّقته قسمة مال! وكم من إخوةٍ اقتسموا ميراث أبيهم، ثم بدّدوا ما تركه بينهم من ألفة! فعند المال تُختبر النفوس، ويظهر ما فيها من إنصاف أو أثرة، ومن سماحة أو استسلام للهوى.
وحين يستولي الشحّ على القلب، يرى الإنسان كل زيادة حقًّا له، وكل إنصاف لغيره انتقاصًا منه؛ فيجمع ويخاصم، كأن المال سيدفع عنه الرحيل. وما أبلغ التحذير الإلهي: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: ٣].
وقد فصّل الله أنصبة المواريث في كتابه، وجعلها فريضةً تُراعى، فلا تخضع لأهواء المتسلطين، ولا يستأثر بها الأعلى صوتًا والأشد خصومة. والمؤمن يعظّم هذه الفريضة بأداء الحقوق إلى أصحابها، وإن خالفت رغباته.
وكشف القرآن نفوسًا جعلت نصيبها من العطاء ميزان رضاها، فقال في المنافقين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨]. وفي ذلك دعوة لمحاسبة أنفسنا؛ لئلا نُلبس الطمع ثوب الحق، ونسمّي انتصارنا لأهوائنا دفاعًا عن العدل.
والمطالبة بالحق بإنصاف لا تنافي كرم النفس، والتسامح فضيلة حين يصدر عن رضا؛ فلا يُستغل حياء المتسامح، ولا يُحرج الضعيف ليتنازل باسم القرابة. إنما تُصان الأرحام بعدلٍ يرفع الظلم، وفضلٍ يجبر الخاطر، ورحمةٍ تحفظ للمختلفين كرامتهم.
فلله درّ من أنصف وهو قادر على الاستئثار، ومن عفا ابتغاء وجه الله وهو قادر على المطالبة، ومن حفظ لوالديه وإخوته مودتهم عند الخلاف. تلك عزة النفس التي تهزم جشعها، وتأبى أن تجعل المال سيّدًا عليها.
سنترك الدرهم والدينار يومًا، ونلقى الله بما صنعناه بهما؛ فطوبى لمن خرج من قسمة المال سليم اليد من الظلم، سليم القلب من الضغينة، موصول الرَّحِم، يرجو ما عند الله.
مقالات ذات صلة
عزة النفس أم مهانة التسول؟ حين يصبح الاستجداء احترافاً والمسألة طبعاً
يحذر المقال من خطورة استسهال ذل المسألة والتسول بلا ضرورة، خاصة ممن أغناهم الله. ويؤكد الحديث النبوي أن كثرة السؤال تفتح على صاحبها باب فقر ومهانة، رابطاً بين قانون الاستحقاق النفسي والجزاء الإلهي. كما يدعو إلى التمسك بعفة النفس والترفع عن أموال الناس، مستعيراً شواهد من السيرة النبوية لبيان أن غنى النفس هو رأس مال المؤمن الحقيقي وكرامته التي لا تُقدر بثمن.
إذا فات الفوت... ما ينفع الصوت - حين يدخّن أحدهم، ويدفع أهله وجيرانه الثمن
التدخين داخل المنازل لا يضرّ المدخّن وحده؛ فدخانه يتسلّل إلى الزوجة والأطفال والجيران، وقد ينتقل بين الشقق عبر فتحات التهوية. يروي المقال تجربة وصول دخان جار إلى المنزل حتى اضطر صاحبه إلى إغلاق منافذ الحمامات، ويبيّن بالأدلة الصحية والتوجيه الديني أن الحرية الشخصية لا تبيح إيذاء الآخرين. الدعوة واضحة: اتقوا الله في أهلكم وجيرانكم، وأقلعوا عن التدخين قبل أن يفوت الأوان.
أسرى السعة والجوعى إلى العطاء: فلسفة المال حين يفضح النفوس
المال كاشف النفوس؛ فالكريم المعسر يتألم لضيق يده عن غوث الملهوفين لعظمة روحه، بينما البخيل الموسر يعيش عذاباً نفسياً عند اضطراره للدفع خشية الفقر وضيقاً من نفع غيره. الشح غريزة يقتضي الفلاح مجاهدتها بالإنفاق المقرون بالصلاة، مع مراعاة الاتزان وفقه الأولويات؛ ببدء العطاء وإكرام الأقربين من أهل البيت والإخوة قبل الغرباء. المال خادم للقلب الحي وسيد للميت.