الأخلاق والعلاقات

الدرهم والدينار… والرَّحِم

المال امتحان للنفوس؛ فقد يجمع القلوب بالعدل والإحسان والتراحم، أو يفرق الأرحام بالطمع والخصومة. وقد فصل الله المواريث ليحفظ الحقوق، وحذر من نفوس تجعل نصيبها ميزان رضاها. فالمطالبة بالحق لا تنافي السماحة، والتسامح فضل يصدر عن رضا، لا بإكراه أو استغلال. طوبى لمن أنصف وعفا، وصان مودة أهله؛ فالدرهم والدينار يفنيان، ويبقى ما قدمناه من عدل ورحمة، وما حفظناه من صلة وكرامة، يوم نلقى الله بقلوبنا وأعمالنا.

1 نوفمبر 2026 · 2 دقائق قراءة · 14 قراءة
الدرهم والدينار… والرَّحِم

كم من بيتٍ جمعته المحبة، فرّقته قسمة مال! وكم من إخوةٍ اقتسموا ميراث أبيهم، ثم بدّدوا ما تركه بينهم من ألفة! فعند المال تُختبر النفوس، ويظهر ما فيها من إنصاف أو أثرة، ومن سماحة أو استسلام للهوى.

وحين يستولي الشحّ على القلب، يرى الإنسان كل زيادة حقًّا له، وكل إنصاف لغيره انتقاصًا منه؛ فيجمع ويخاصم، كأن المال سيدفع عنه الرحيل. وما أبلغ التحذير الإلهي: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: ٣].

وقد فصّل الله أنصبة المواريث في كتابه، وجعلها فريضةً تُراعى، فلا تخضع لأهواء المتسلطين، ولا يستأثر بها الأعلى صوتًا والأشد خصومة. والمؤمن يعظّم هذه الفريضة بأداء الحقوق إلى أصحابها، وإن خالفت رغباته.

وكشف القرآن نفوسًا جعلت نصيبها من العطاء ميزان رضاها، فقال في المنافقين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨]. وفي ذلك دعوة لمحاسبة أنفسنا؛ لئلا نُلبس الطمع ثوب الحق، ونسمّي انتصارنا لأهوائنا دفاعًا عن العدل.

والمطالبة بالحق بإنصاف لا تنافي كرم النفس، والتسامح فضيلة حين يصدر عن رضا؛ فلا يُستغل حياء المتسامح، ولا يُحرج الضعيف ليتنازل باسم القرابة. إنما تُصان الأرحام بعدلٍ يرفع الظلم، وفضلٍ يجبر الخاطر، ورحمةٍ تحفظ للمختلفين كرامتهم.

فلله درّ من أنصف وهو قادر على الاستئثار، ومن عفا ابتغاء وجه الله وهو قادر على المطالبة، ومن حفظ لوالديه وإخوته مودتهم عند الخلاف. تلك عزة النفس التي تهزم جشعها، وتأبى أن تجعل المال سيّدًا عليها.

سنترك الدرهم والدينار يومًا، ونلقى الله بما صنعناه بهما؛ فطوبى لمن خرج من قسمة المال سليم اليد من الظلم، سليم القلب من الضغينة، موصول الرَّحِم، يرجو ما عند الله.