الأخلاق والعلاقات

أين أنتِ يا سفّانة من هذا الزمان؟

يستحضر المقال حكاية سفّانة بنت حاتم، مع التنبيه إلى ضعف روايتها، ليبرز اعتزاز الأبناء بمكارم آبائهم، وبقاء أثر المعروف بعد رحيل أصحابه. وينتقد كرم المظاهر حين يقترن بأكل الحقوق وقطع الأرحام، وغلبة حب المال وتبرير الظلم. ويؤكد أن التقوى تظهر في العدل وأداء الأمانات، وأن التسامح اختيار لصاحب الحق، لا وسيلة لإسكات المظلوم، داعيًا إلى رد المظالم وصون الكرامة، فخير ما يورثه الإنسان سيرة طيبة وذكر كريم.

4 نوفمبر 2026 · 4 دقائق قراءة · 16 قراءة
أين أنتِ يا سفّانة من هذا الزمان؟

أين أنتِ يا سفّانة من هذا الزمان؟

تنبيه: تُذكر الحكاية الآتية للاستئناس بمعناها الأخلاقي، وروايتها لا تثبت؛ فقد ضعّف العراقي إسنادها، وحكم الألباني على بعض ألفاظها بالوضع.

يُروى أن سفّانة بنت حاتم الطائي، حين وقعت في الأسر وجيء بها إلى رسول الله ﷺ، استعطفته مستندةً إلى مكانة أبيها ومكارم أخلاقه، وسألته ألّا يجعلها موضع شماتة، وقالت، فيما يُنقل عنها: «لا تُشمت بي أحياء العرب؛ فإنّي بنت سيّد قومي».

ثم أخذت تعدّد مآثر أبيها؛ فذكرت حمايته للحرمات، وسعيه في تخليص الأسرى، وإطعامه الجائع، وإحسانه إلى أصحاب الحاجات، وختمت تعريفها بنفسها بقولها: «أنا ابنة حاتم الطائي». ويُنسب في هذا الخبر إلى النبي ﷺ قوله: «خلّوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق».

والمعنى الذي يستوقفنا في هذه الحكاية أن ابنة حاتم استندت إلى سيرة أبيها في البذل وحفظ الكرامة؛ وجدت في إحسانه إلى الناس ما تعتز به وتسترحم القلوب بذكره. فالمال ينفد، أما المعروف فيبقى في الذاكرة، ويجد الأبناء في طيب سيرة آبائهم عزًّا لا تمنحه خزائن الذهب.

ما أجمل أن يترك الأب لأبنائه اسمًا إذا ذُكر تذكّر الناس يدًا أعانت، وجائعًا شبع، ومكروبًا وجد عنده الفرج! وما أقسى أن يترك أموالًا كثيرة، وتبقى وراء اسمه حقوق محتبسة، وقلوب مكسورة، وأرحام قطعتها الخصومة على الدنيا!

أين أنتِ يا سفّانة من هذا الزمان؟ أين أنتِ من أناس يبسطون الموائد ليقال كرماء، ثم تضيق صدورهم عن ردّ حقّ، أو أداء أمانة، أو إنصاف قريب؟ يطيب لهم الثناء في المجالس، ويثقل عليهم صوت صاحب حق يطالب بما له!

كم يؤلم أن ترى إنسانًا واسع العطاء أمام الناس، شديد الشحّ إذا خلا بأموال إخوته أو حقوق شركائه! وكم يؤلم أن يفتح بابه للوجاهة، ثم يغلق قلبه دون رحم مقطوعة، أو أخت مظلومة، أو ضعيف لا يحسن الخصومة!

والكرم يبدأ من مال تملكه بحق، ومن نفس تؤدي ما عليها قبل أن تتزين بما تتفضل به. فمن احتبس حقوق الناس، ثم أنفق مما استولى عليه طلبًا للمحمدة، فقد أبقى المظلمة وزاد عليها زينة تخدع الناظرين.

لقد وصف القرآن هذا الداء وصفًا ترتجف له القلوب: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا ۝ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: 19–20]. فكم من ميراث بعثر أسرة، وكم من شراكة كشفت خبيئة نفس، وكم من مال قليل أظهر طمعًا كثيرًا!

وأشد ما يخيف أن يتحول الهوى إلى مفتٍ في ضمير صاحبه؛ يقرر أولًا ما يريد الاستيلاء عليه، ثم يبحث عما يسوّغ له ذلك. يتذكر من الوقائع ما يخدمه، ويطوي ما يدينه، ويلوي الكلام حتى يوافق رغبته، ثم يطمئن إلى تبرير صنعه لنفسه.

غير أن الحجة المصنوعة لا تبدّل حقيقة الحق. وقد حذّر النبي ﷺ من أن ينال المرء بحسن خصومته حق أخيه، فقال: «فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا بقوله، فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها»؛ رواه البخاري. فإذا كان الحكم المبني على ظاهر الحجة لا يبيح لصاحبه ما يعلم أنه لغيره، فكيف بتبرير يختلقه الطمع، ويشهد له الهوى؟

يا من تتحدث عن الإيمان، اجعل لحق غيرك حرمة حين تستطيع أخذه، ولضعفه حرمة حين تعجزه المطالبة، وللقرابة حرمة حين يشتد الخلاف. إن صدق التقوى يظهر حين يكون العدل مكلفًا، وحين تقدر على الظلم ثم يمنعك خوف الله.

وقد أمر الله المؤمنين بالعدل ﴿وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135]. فالمروءة أن تقرّ بما عليك كما تطالب بما لك، وأن ترضى لغيرك بالميزان الذي ترضاه لنفسك.

والتسامح فضل يختاره صاحب الحق بطيب نفس؛ فلا يجوز أن نجعل الدعوة إليه وسيلة لإسكات المظلوم، أو إحراج الضعيف ليتنازل. على من أخذ أن يردّ، وعلى من ظلم أن ينصف، ثم يبقى العفو بابًا كريمًا يفتحه صاحبه مختارًا.

ولا يزال في الناس خير، وفي البيوت قلوب تحفظ العهد، وتصل الرحم، وتؤثر العدل على المنفعة. وإنما يوجعنا أن يخفت صوت هؤلاء، ويعلو صوت من جعل المال مقياس القيمة، حتى صار بعض الناس يخسر أخاه ليزيد حسابه، ويقطع رحمه ليحفظ لنفسه زيادة لن تصحبه إلى قبره.

أين أنتِ يا سفّانة من قوم يتغنون بمكارم الأخلاق، فإذا حضرت القسمة غاب الإنصاف، وإذا تنازعت المصالح ضاقت المروءة، وإذا طالب القريب بحقه صار ثقيلًا على القلوب؟

اللهم طهّر نفوسنا من الشح، وأيدينا من المظالم، وألسنتنا من تزيين الباطل، وارزقنا شجاعة ردّ الحقوق، وكرم العفو عند المقدرة، وصدق الخشية منك في السر والعلن.

فلله الأمر من قبل ومن بعد، وإليه يرجع المال وأهله، وعنده تجتمع الخصوم.

المصادر