الأخلاق والعلاقات

عزة النفس أم مهانة التسول؟ حين يصبح الاستجداء احترافاً والمسألة طبعاً

يحذر المقال من خطورة استسهال ذل المسألة والتسول بلا ضرورة، خاصة ممن أغناهم الله. ويؤكد الحديث النبوي أن كثرة السؤال تفتح على صاحبها باب فقر ومهانة، رابطاً بين قانون الاستحقاق النفسي والجزاء الإلهي. كما يدعو إلى التمسك بعفة النفس والترفع عن أموال الناس، مستعيراً شواهد من السيرة النبوية لبيان أن غنى النفس هو رأس مال المؤمن الحقيقي وكرامته التي لا تُقدر بثمن.

29 أكتوبر 2026 · 4 دقائق قراءة · 20 قراءة
عزة النفس أم مهانة التسول؟ حين يصبح الاستجداء احترافاً والمسألة طبعاً

عزة النفس أم مهانة التسول؟ حين يصبح الاستجداء احترافاً والمسألة طبعاً

مقدمة: حين يختار الغني ذل المسألة

إن من أشد أمراض النفوس وأعظمها إيقاعاً لصاحبها في مهاوي الهوان، أن يرتضي الإنسان لنفسه ذل السؤال والتمسكن وهو في عافية وغنى، فيستمرئ مدّ يده للناس لا لحاجة مُلحة، بل طمعاً واستسهالاً لما في أيديهم، ناسياً أن الله سبحانه وتعالى قد جعل عزة المؤمن في استغنائه عن الخلق.

وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المسلك المشين الذي يُورث صاحبه الفقر الحقيقي؛ ففي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد وغيره عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

«ثلاثٌ، والَّذي نفسي بيدِه، إن كنتُ لحالفًا عليهِنَّ: ما نقص مالٌ من صدقةٍ فتصدَّقوا، ولا عفو عبدٌ عن مظلمةٍ إلَّا زاده الله بها عزًّا يوم القيامة، ولا فتح عبدٌ بابَ مسألةٍ إلَّا فتح الله عليه باب فقرٍ».

إن المتأمل في هذا التوجيه النبوي العظيم يرى كيف جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين مكارم الأخلاق وأصول توازن المجتمع، مبتدئاً بـ الصدقة والعطاء لمن يستحق، ومثنياً بـ العفو والصفح عن المظالم، ومختتماً بالتحذير الشديد من ابتغاء أموال الناس بالمسألة بلا اضطرار، لتتكامل أركان المجتمع الفاضل القائم على العفة، والتعاون، ورفض التذلل لما بأيدي الناس.

أولاً: خطورة استسهال المسألة لمن أغناه الله

إن الظاهرة المؤلمة التي نراها اليوم تتمثل في أناس أنعم الله عليهم بالأموال والعقارات، ومع ذلك تجدهم يشتكون دائماً التقتير والفقر، ويحترفون الشكوى وابتزاز عواطف الناس لسلب أموالهم بغير حق، متناسين أن غنى النفس هو رأس مال الإنسان الحقيقي.

الوعيد النبوي الصارم في السؤال بغير حاجة:

لقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من عاقبة من يسأل الناس تكثراً؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«ما يَزالُ الرَّجلُ يسأَلُ النَّاس حتَّى يأتيَ يومَ القيامةِ ليس في وجهِه مُضعةُ لحمٍ» (رواه البخاري ومسلم).

وفي حديث آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

«من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جفراً، فليستقل أو يستكثر» (رواه مسلم). والجفر هو الجمر.

إن من يريق ماء وجهه بلا ضرورة، ويبيع كرامته من أجل دراهم لا يستحقها، إنما يفتح على نفسه أبواباً من الذل، ويُسلط عليه فقراً داخلياً لا ينقضي، حتى ولو ملك الدنيا بأسرها.

ثانياً: ربط الآية الكريمة: قانون الاستحقاق النفسي

لقد أشرت بحق إلى بُعدٍ عميق يتعلق بصدق اليقين والجزاء من جنس العمل، وكأن الإنسان بما يُبطنه ويُظهره من حالٍ يُجازى به. ولعل في قول الله تعالى في سورة الذاريات رابطاً عجيباً ومحكماً:

{وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقِّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} [الذاريات: 22-23].

إن القسم الإلهي المؤكد هنا {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقِّ} يقرر حقيقة الرزق. ومن معاني هذا الارتباط: أن ما تصف به نفسك وتظهره وتتلبس به من صفات، سيجري عليك قضاؤها؛ فمن ادعى الفقر زوراً وبهتاناً لتحصيل ما لا يستحق، سلب الله البركة من رزقه وجعله فقيراً في نفسه ومهاناً في قومه، ومن استعفّ وأظهر الغنى بالله والرضا بما قسمه, أغناه الله بفضله وأعزّ نفسه وصان كرامته.

ثالثاً: التوازن العظيم في الحديث الشريف (العطاء، العفو، والعفة)

لقد جاء الحديث النبوي الشريف ليؤسس لبناء مجتمع قوي متماسك متراحم، لا يعرف الجشع ولا التكفف، وذلك من خلال ثلاث ركائز كبرى:

  1. الصدقة والعطاء للبناء المجتمعي: البدء بـ "ما نقص مال من صدقة" يحث الأغنياء على البذل الحقيقي لمن يستحق فعلاً، لا لمن احترف السؤال. فالمال يُبارك بالإنفاق في مواضعه الصحيحة.
  2. العفو والتسامح: "ولا عفو عبد عن مظلمة إلا زاده الله بها عزاً"، وهو إرساء لثقافة التسامح ودفع الأذى، لتطهير النفوس من الحقد والضغينة.
  3. التعفف ورفض الاستجداء: "ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر"، وهو سدٌّ منيع أمام ذل المهانة واستسهال أموال الآخرين بغير حق.

آداب أخذ العطية عند الضرورة والوفاء بها:

وإذا اضطر الإنسان يوماً لأخذ عطية من أخيه لحاجة ماسة، فعليه أن يستشعر أنها أمانة أو دين في رقبته، فيسعى لردها بأي صورة ممكنة متى أيسر الله له ذلك، فإن تعذر عليه ردها لتعثر الحال، فليتصدق عن صاحبه الذي أعطاه لعل الله يوصل ثوابها إليه، لا أن يتخذها عادة مستمرة يأكل بها أموال الناس بالباطل.

رابعاً: شواهد وأمثلة من التاريخ والسيرة

موقف الصحابي الجليل حكيم بن حزام رضي الله عنه:

كان حكيم رضي الله عنه يحفظ درس الاستعفاف بدقة بالغة؛ فقد روى البخاري ومسلم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم:

«يا حكيم، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بُورِك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يُبارَك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى».

فقال حكيم رضي الله عنه: "والذي بعثك بالحق لا أقبل من أحد بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا!". فكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يدعوانه ليقسما له الفيء فيأبى أن يقبل منه شيئاً حتى مات رضي الله عنه، تطبيقاً عملياً لرفض ذل المسألة والحرص على عزة النفس.

خاتمة: العفة تاج المؤمن

إن على أولئك الذين استمرأوا شكوى الفقر كذباً، واستسهلوا مد الأيدي وسؤال الناس وهم في غنية، أن يراجعوا أنفسهم قبل أن يحلّ عليهم وعيد النبي صلى الله عليه وسلم بفتح أبواب الفقر والذل الحقيقي في الدنيا والآخرة.

فكن عزيز النفس، قانعاً بما أعطاك الله، واعلم أن اليد المتعففة المستغناء بالله عن خلقه هي اليد العليا دائماً وأبداً، وأن عزة النفس وكرامتها لا تُقدر بثمن.