خير الناس أنفعهم للناس - حين تصبح خدمة الخلق بابًا إلى خير الدنيا والآخرة
خير الناس أنفعهم للناس؛ فمساعدة المحتاج نعمة وأمانة، يعود خيرها على صاحبها في الدنيا والآخرة. وتعلمنا قصة موسى عليه السلام أن النجدة تحتاج رحمةً وحكمة؛ فقد سقى للمرأتين وهو غريب محتاج، فساق الله إليه الأمن والعمل والأسرة. وفي زماننا لا ينبغي أن يمنعنا الخوف من مساعدة المنقطعين، بل نعينهم بحذر واتصال بالجهات المختصة. فالخير لا يضيع، وأبقى ما يتركه الإنسان أثر نافع في حياة الآخرين ورحمة مسؤولة.

ليست أعظم النعم ما يملكه الإنسان لنفسه، بل ما يستطيع أن ينفع به غيره. فقد يهب الله عبدًا مالًا، أو علمًا، أو قوةً، أو خبرةً، أو قلبًا رحيمًا، ثم يفتح له أبواب المحتاجين؛ ليكون سببًا في تفريج كربة، أو إنقاذ مضطر، أو تعليم جاهل، أو إطعام جائع.
والتوفيق لمساعدة الناس نعمة عظيمة؛ لأن الله لا يجعل قضاء حوائج عباده على يد كل أحد. ومن وجد نفسه قادرًا على النفع، فليحمد الله، وليعلم أن هذه النعمة أمانة واختبار، وأن الخير الذي يصنعه قد يعود إليه طمأنينةً في الدنيا وأجرًا في الآخرة.
موسى عليه السلام بين الحماسة والحكمة
من أبلغ الأمثلة على ذلك قصة موسى عليه السلام. فقد استغاث به رجل من قومه على رجل من قوم فرعون، فتدخل موسى لنصرته، لكنه وكز الرجل الآخر فقضى عليه من غير قصد، فاستغفر ربه وخرج من مصر خائفًا يترقب.
وتعلمنا هذه الحادثة أن نصرة المظلوم لا تعني التسرع، وأن النية الطيبة تحتاج إلى الحكمة والعدل وحسن تقدير العواقب؛ فقد يريد الإنسان الخير، لكن اندفاعه غير المحسوب قد يؤدي إلى نتائج لم يقصدها.
خير يُقدَّم في أشد أوقات الحاجة
وصل موسى عليه السلام إلى مدين وحيدًا غريبًا متعبًا، لا يملك مالًا ولا مأوى. وهناك رأى امرأتين تنتظران بعيدًا عن الرعاة؛ لأن أباهما شيخ كبير، فسألهما عن حالهما، ثم سقى لهما من غير أن يطلب أجرًا أو ينتظر شكرًا.
وبعد أن أتم مساعدتهما تولى إلى الظل وقال:
﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
فساق الله إليه بعد ذلك الأمان بعد الخوف، والمأوى بعد التشرد، والعمل بعد الحاجة، والزوجة والأسرة بعد الوحدة. ثم عاد بعد سنوات بأهله، وكلّمه الله واصطفاه بالرسالة.
ولا يعني ذلك أن النبوة كانت أجرًا مباشرًا على سقي المرأتين، ولكن القصة تكشف خُلُقًا أصيلًا في موسى عليه السلام؛ فقد كان يسارع إلى نجدة المحتاج حتى وهو نفسه في أشد الحاجة.
نماذج من تاريخ الإحسان
تكرر هذا الخُلُق في تاريخ الصالحين؛ فقد استقبل الأنصار المهاجرين، وقاسموهم أموالهم ومساكنهم، وآثروهم على أنفسهم مع حاجتهم، حتى أثنى الله عليهم بقوله:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
كما اشترى عثمان بن عفان رضي الله عنه بئر رومة وجعل ماءها للمسلمين، فتحولت نعمة المال من ملك شخصي إلى نفع عام باقٍ. وهكذا يبقى في ذاكرة الناس من بنى، وعلّم، وعالج، وأطعم، وحمى، وترك أثرًا يتجاوز حياته.
المساعدة في زمن الخوف والاحتيال
في زماننا أصبح كثير من الناس يترددون في مساعدة المنقطعين على الطرق؛ فقد وقعت حوادث استُغلت فيها شهامة بعض المساعدين، وسقط بعضهم في فخاخ المحتالين والعصابات.
وهذا الخوف مفهوم، لكنه لا ينبغي أن يحول الحذر إلى قسوة، ولا الاحتياط إلى ترك إنسان أو أسرة في خطر. فالمطلوب ليس تهورًا يعرض الإنسان وأسرته للخطر، ولا تجاهلًا يترك المحتاج لمصيره، بل نجدة واعية تجمع بين الرحمة والحكمة.
يمكن للإنسان أن يساعد بطريقة آمنة؛ كأن يتوقف في مكان ظاهر، ويتصل بالجهات المختصة، ويطلب مساندة أشخاص آخرين، أو يقدم الماء والوقود ووسيلة الاتصال. أما في الأماكن المعزولة أو عند ظهور علامات مريبة، فعليه أن يحتاط وألا يعرّض نفسه للخطر.
لا تنتظر المقابل
لا ينبغي أن ننظر إلى مساعدة الناس على أنها تجارة ننتظر مقابلها السريع؛ فقد يعود المعروف شكرًا، وقد يُقابل بالجحود، وقد لا يعرف المحتاج حتى اسم من أعانه، لكن الله لا يضيع الإحسان.
قال رسول الله ﷺ: «مَن نفَّس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا، نفَّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة… والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».
أما عبارة «خير الناس أنفعهم للناس»، فقد رُويت عن النبي ﷺ بصيغ متقاربة، ومنها: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس»، وقد اختلف أهل الحديث في أسانيدها، غير أن معناها تؤيده نصوص صحيحة كثيرة تحث على تفريج الكرب وقضاء الحوائج والإحسان إلى الخلق.
الخلاصة
طوبى لمن جعله الله مفتاحًا للخير، وساق إليه حاجات الناس، وأقدره على قضائها. وليتذكر أن المال يزول، والقوة تضعف، والمناصب تنتهي، أما الأثر الطيب فيبقى في القلوب، ويُرجى أن يبقى في صحائف الأعمال.
خير الناس ليس أكثرهم كلامًا عن الخير، بل أكثرهم نفعًا، وأحسنهم أثرًا، وأسرعهم إلى المحتاج بحكمة ورحمة.
مقالات ذات صلة
قبل أن تَشتم بالكلب وتخيف بالذئب - موعظة للبشر من عالمٍ ظنناه أقلَّ منّا
قبل أن تشتم بالكلب أو تخيف بالذئب، تأمل ما في حياتهما من دروس. فالذئب يعيش ضمن أسرة متعاونة، يحمي صغاره، يستفيد من خبرة كبارها، ويوزع المسؤوليات من أجل البقاء. والكلب يضرب مثالًا في الوفاء وحفظ المعروف. فإذا كانت الحيوانات تمارس بفطرتها التعاون والرعاية والثبات، فكيف بالإنسان الذي وهبه الله عقلًا وضميرًا؟ كن وفيًا لوالديك وأصدقائك، رحيمًا بالضعيف، محترمًا للكبير، قويًا بلا ظلم، وعزيزًا بلا كبر.
أنا لا أكذب… ولكني أتجمّل
صرخة أخلاقية في وجه مجتمع يقدّس المال والمظهر والمنصب، ويدفع بعض الشباب إلى إخفاء واقعهم وارتداء أقنعة زائفة طلبًا للقبول. يؤكد المقال أن الكذب لا يصبح تجمّلًا، وأن الرجولة تبدأ بالصدق، والكرامة في الرضا وعزة النفس، لا في الثروة أو النسب. ويدعو الشباب إلى الاعتزاز بأسرهم وأعمال آبائهم، والطموح بالحلال دون إنكار البدايات أو احتقار الفقراء، فجوهر الإنسان في خلقه وتقواه لا في جيبه.
تصدَّق في حياتك وإلا فإن آخرتك برادة ماءٍ تُرمى بعد سنةٍ من وفاتك
الإنسان يظن أن أولاده سيتركون صدقة جارية له بعد موته، لكن الحقيقة أنهم ينشغلون عنها فتُرمى كبرادة ماء خربة بعد سنة. الحديث الشريف يؤكد أن ما يبقى من عمل الإنسان إلا ثلاث: صدقة جارية يؤسسها بنفسه، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له. فلا ترهن آخرتك بوعد غيرك، وتصدق في حياتك بيدك لا بيد من بعدك.
