دستورُ "البطيخات".. حين يغرقُ المكثرُ من الوعودِ في بحرِ التسويف
مقال "دستور البطيخات" ينتقد ظاهرة عدم الالتزام بالمواعيد في المجتمعات العربية، مستخدماً مثل حمل بطيخات أكثر من الطاقة للتعبير عن قبول أعمال فوق القدرة. يربط ذلك بالنفاق لتعارضه مع تعاليم الدين التي تأمر بالوفاء بالعهد. يدعو إلى الاعتذار المسبق عند العجز، ونبذ المخالفين وتشريع قوانين ضد التسويف، مؤكداً أن احترام الوقت أساس النهضة.

توقّفوا عن ترديد أكذوبة "الظروف" و"المشاغل" و"سأحاول". إنها ليست ظروفاً، إنها بطيخات. بطيخاتٌ كثيرة، ملساء ثقيلة، يحملها أحدهم في يدٍ واحدة، متباهياً بقدرته الخارقة على الإمساك بها جميعاً، بينما الحقيقة أنه يسير متعثراً، تتدحرج من يده الواحدة تلو الأخرى، فيسحقها على الأرض، ويسحق معها مواعيد الناس ووعودهم.
لقد حوّلنا الموعد من عقدٍ اجتماعي مقدس، إلى "اقتراحٍ ودي" غير ملزم. حوّلنا الكلمة من سندٍ قانوني، إلى همهمةٍ عابرةٍ في الهواء. إذا قال لك أحدهم في بلادنا: "سأرسل لك التقرير غداً"، فترجمها فوراً في قاموسك الشخصي إلى: "لقد حملت خمس بطيخاتٍ أخرى غير بطيختك، وسأسقطها جميعاً، ثم أعتذر بابتسامةٍ صفراء".
نحن محترفون في التلاعب بالألفاظ وفي تكديس الالتزامات. لدينا قاموس كامل للمراوغة: "إن شاء الله" أصبحت شمّاعةً للتهرب، و"بكرة" أصبحت أفقاً مفتوحاً لا نهاية له، و"أنا في الطريق" تعني أنني أحاول جاهداً أن أوازن بين عشر بطيخاتٍ في يدي، وأنتظر سقوطها لأقرر أيها أعتذر عنه. نحن نجيد لعبة شد الحبل مع أعصاب الآخرين، نستمتع بتركهم ينتظرون، وكأن تعذيبهم بالانتظار يمنحنا إحساساً زائفاً بالأهمية، بينما نحن في الحقيقة مجرد مهرجين سقطت بطيخاتهم على رؤوسهم.
ثم نأتي ونبكي على الأطلال، ونتساءل ببلاهة: لماذا تقدم الغرب وتأخرنا؟
يا سادة، التقدم ليس صواريخ وغواصات فقط. التقدم يبدأ من معرفة حدود طاقتك. إنه يبدأ من أن تعرف كم بطيخة تستطيع أن تحمل، ثم تحملها، وتفي بوعدك. أنظروا إلى تلك الوزيرة اليابانية التي اعتذرت للشعب كله بحرقة وهي تذرف الدموع لتأخرها خمس دقائق عن اجتماع. خمس دقائق فقط! لم تحمل أكثر من طاقتها، وعندما تعثرت، اعتذرت بصدق.
أما في مجتمعاتنا، فالتأخر لساعاتٍ طويلة يُقابل بابتسامةٍ عريضة وكأن شيئاً لم يكن، بل ربما يتحول المنتظر إلى "غير متفهم" إذا أبدى انزعاجه. إنها ليست "روح دعابة"، إنها استخفافٌ مقيتٌ بكرامة البشر.
والأدهى والأمرّ، أننا ندّعي التدين. ألم يقرأ أحدنا قول الله تعالى: "وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا"؟ ألم يصل إلى مسامعنا حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان"؟
نحن الآن نعيش في مجتمعات تمارس النفاق الجماعي بضمير مستريح. نحن نمارس الكذب اليومي في مواعيدنا، ونخلف وعودنا كأننا نتنفس، ونخون الأمانة في أبسط صورها وهي احترام وقت الآخر وجهدِه. ثم نقف في الصف الأول في المسجد، ونلعن المنافقين في خطبنا. يا ليتنا نكفّر عن ذنوبنا بالسجود، لكن ذنب إهدار وقت إنسان وحرقه على مذبح أعذارنا الواهية، لا يغفره إلا إصلاحُ سلوكنا.
اسمعوا هذا جيداً، يا حاملي البطيخات:
إن كنتَ تعلم في قرارة نفسك أنك لن تستطيع الالتزام، وأن وقتك ممزق، وأن بطيخاتك قد سقطت أو على وشك السقوط، فلماذا لا تعتذر مسبقاً؟ لماذا لا تقول بكل وضوح وصدق: "أنا مشغول جداً هذه الأيام، وقد حملت أكثر من طاقتي، ولا أستطيع أن أعدك بدقة، فلا تنتظرني"؟ أليست هذه أفضل ألف مرة من أن تبتلع وعدك، ثم تختفي وكأن الأرض انشقت وبلعتك؟
إن هذا الاعتذار المسبق ليس ضعفاً، بل هو قمة الرجولة والاحترام. إنه يعطي الطرف الآخر فرصة ليدبر أمره، ليبحث عن بديل، ألا يحرق أعصابه في انتظارك الوهمي. أما أن تمنحه الأمل، وتسرق منه الساعات، وتتركه يتقلب على جمر الانتظار، ثم تخرج له بعد فوات الأوان بعذرٍ أهوج مثل "انشغلت" أو "حدثت ظروف" أو "البطيخات كانوا كتير"، فهذا ليس اعتذاراً، بل هو إهانةٌ ثانية بعد إهانة التأخير.
ومن كان عمله يلتهم يومه بالكامل، فلماذا يقبل أعمالاً فوق طاقته؟ لماذا يعد الناس بأشياء يعرف جيداً أنه لن يستطيع الوفاء بها؟ أهو الجشع؟ أم حب الظهور بمظهر الرجل المشغول المهم؟ أم أنه مجرد كذاب محترف يجد لذة في خداع الآخرين وتركهم ينتظرون سقوط البطيخات؟ إذا كنت لا تستطيع أن تنجز ما وعدت به في الوقت المحدد، فلا تعد. وإذا وعدت، فالوفاء واجبٌ ديني وأخلاقي قبل أن يكون مهنياً.
الاعتذار بعد فوات الأوان، بعد أن تكون قد سرقت وقت الناس وكسرت خواطرهم، هو عارٌ مقيت. إنه دليلٌ على غياب الحياء، وموت الضمير، وانعدام الإحساس بآدمية الآخرين. من يفعل ذلك ثم يبتسم وكأن شيئاً لم يكن، فليعلم أنه قد أعلن إفلاسه الأخلاقي أمام الجميع، وأنه فقد مصداقيته إلى الأبد.
إنها جريمة أخلاقية يجب أن تُسن لها القوانين، نعم، قوانين! يجب أن يُنبذ من يخلف وعده دون عذر قاهر كما يُنبذ الأبرص. يجب أن يُشهَّر به في الأحياء كما يُشهَّر بالسارق. يجب أن تُعلَّق صورته في المصالح الحكومية تحت لافتة: "حذارِ، هذا الرجل حمل بطيخات أكثر من طاقته، وسيسقطها على رأسك".
لماذا نقبل أن ندفع رواتب لموظفين يختفون ساعاتٍ تحت مسمى "معاملة"؟ لماذا نقبل أن ننتظر طبيباً أو مهندساً أو محامياً وكأننا نتسول وقته؟ لماذا نقبل أن يبيعنا التاجر وعداً ثم يختفي؟
السبب ببساطة: لأننا لم ننبذهم. لأننا نخاف من "المواجهة"، ونعتبر الصبر على الإهانة فضيلة. لقد خلطنا بين "حسن الخلق" و"الخنوع". إن ترك من يسرق وقتك دون عقاب ليس تواضعاً، إنه تواطؤٌ على قتل مجتمعك.
فلنقلها صراحةً، وبكل قوة:
- من يتأخر عن موعده دون عذر قاهر، هو لصّ وقت.
- من يقول "سأفعل" ولا يفعل، هو كاذب محترف.
- من يجعلك تنتظر، هو يمارس عليك عنجهية المتخلف.
- من يحمل بطيخات أكثر من طاقته ثم يسقطها عليك، هو مخادعٌ مستهتر.
- من لا يعتذر مسبقاً عن عدم قدرته على الالتزام، هو جبانٌ لا يحترم الآخرين.
إما أن نستيقظ من غفلتنا، وننتفض لكرامتنا، ونستعيد ثقافة "الكلمة شرف"، ونعامل الموعد كعهدٍ ديني ودنيوي لا يجوز المساس به، أو نبقى نلهث خلف سراب التقدم بينما نحن غارقون حتى آذاننا في مستنقع "التسويف" و"البطيخات المتساقطة".
كفانا بطيخاً. كفانا نفاقاً. فلنبدأ الثورة من عقارب الساعة، ومن عدد البطيخات التي نعد بحملها. فمن لا يحترم دقيقة، لن يحترم وطناً.
الموعد هو الميعاد. والوعد هو العهد. ومن يحمل فوق طاقته، يسقط الجميع. ومن لا عهد له، لا دين له ولا حضارة.
مقالات ذات صلة
بين ومضة القرار ورقيب السماء: قيادة المركبات اختبارٌ للعقل والروح
قيادة المركبة ليست مهارةً ميكانيكية فحسب، بل اختبارٌ دائم للعقل والضمير والأخلاق. فكل قرار خلف المقود قد يمس حياة الآخرين، لذلك تقوم القيادة الرشيدة على الصبر والعدل واحترام الطريق وحقوق الناس، وكبح الغضب والغرور، وتجنب الأذى بالدخان والضوضاء والتهور. واستشعار رقابة الله يجعل السائق أكثر مسؤولية، فيحوّل المركبة من أداة خطر إلى وسيلة حياة وأمان، ويجعل الطريق مدرسةً يوميةً للرحمة والانضباط وحفظ الأرواح.
أصابته السماء يا رسول الله
«أصابته السماء يا رسول الله» جملة اعتذر بها بائع أخفى عيب طعامه، فجاء الرد النبوي: «من غشنا فليس منا». واليوم تتعدد أساليب الغش: إخفاء عيوب السيارات والمساكن والمنتجات، وتزوير الصلاحية، والغش بالصور، وأخطرها السكوت عن العيب. ذلك خيانة للأمانة، يهدم الثقة، ويمحق البركة، ويمزق المجتمع. فمن غشّ أو كتم عيبًا فليس من أخلاق الإسلام، وتوبته ببيان الحقيقة وردّ الحقوق.
الوقوف عند حدود الله في العلاقات الزوجية
يتناول المقال خطورة تحويل الزواج الثاني والخلافات الزوجية إلى باب للظلم والانتقام، مؤكدا أن التعدد مقيد بالعدل، وأن الزواج ميثاق غليظ لا يبيح إهانة الزوجة أو استغلال ضعفها المالي أو الاجتماعي أو القانوني، خصوصا بعد طول العشرة أو في الغربة. فالمروءة أن يبقى الإنسان سندا عند الخلاف، وأن يحفظ الحقوق والأبناء والكرامة، ملتزما بقاعدة: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، لأن القدرة على الإيذاء لا تعني الحق فيه.