بين وحشية الانعزال ونُبل القطيع: من أين يرتوي الوجع السوري؟
تتفاوت الكائنات في غريزة البقاء بين تكاتف اجتماعي يُطعم فيه القويُّ الضعيف، وبين استئثار أناني يمنع القوت عن الجائع. والمؤلم أن الحرب السورية أيقظت لدى البعض غريزة الانعزال، فتجلى الجشع في احتكار الأقوات وإرهاق المحتاجين في السكن والعيش. إن الإيثار ليس رفاهية بل ضرورة، والأخلاق الرفيعة تنبع من الكرام لا من تقليد المخطئين. بالتعاون والتراحم وحدهما تتشافى سوريا، أما الأنانية فخنجرٌ يمزق الوطن.

بين وحشية الانعزال ونُبل القطيع: من أين يرتوي الوجع السوري؟
حين تُطيل النَظَرَ في سنن الطبيعة، تكتشف أن البقاء ليس مجرد صراع بيولوجي عابر، بل هو مرآة لانقسام غريزي عتيق: فإما أن يُدرك الكائن أن حياته متصلة بحياة جماعته تكاتفاً وإيثاراً، وإما أن ينكفئ على ذاته أنانيةً واستئثاراً.
في عالم الحيوان، تنبئنا مشاهد البرية بنقيضين صارخين؛ فالذئاب والكلاب البرية لا تعرف للصيد طعماً إلا مَشاعاً، يتقاسمون الفريسة، ويُطعم السبع الجائعُ مريضَ القطيع وضريرَه، إدراكاً فطرياً بأن قوة المجموعة من تماسك أوهن حلقاتها. وفي المقابل، تقف الضباع والنمور الانعزالية على تخوم الغابة، ذواتٌ لا تفقه من لغة الوجود سوى الانفراد بالفريسة، تقصي الضعيف، وتنهب القوت، وتستبد بالمورد دون التفات لصرخة جائع أو أنّةِ سقيم.
لكن المفجع حقاً، حين ترفع بصرك عن الطبيعة لتملأه بمرآة واقعنا السوري بعد سنواتٍ عجاف أنهكت الجسد والروح؛ فترى هذا الانقسام الحيواني وقد تسلل إلى باطن الإنسان، ليضعنا أمام سؤالٍ جارح: أيّ الفريقين يمثلنا اليوم؟
الرماد الذي أيقظ الغريزة
لقد ضربت الحرب السورية نسيج المجتمع بزلزال طويل، فما كادت ديار الناس تخرب حتى تهدم معها كثيرٌ من سياج الأخلاق والأعراف التي كانت تحميهم. وتحت سياط الخوف وشحّة العيش، استيقظت في نفوس البعض غريزة "البقاء الفردي" البدائية؛ فصار الفرد لا يرى إلا نفسه، ولا يحسب إلا ربحه، محولاً شظايا الأزمة إلى مغنم شخصي.
إن هذه الأنانية المستفحلة لم تعد سلوكاً فردياً عابراً، بل أصبحت خنجراً مسموماً في خاصرة الوطن الجريح:
- في أسواق العقار ومنازل الإيجار: حيث يُستغل تهجير الأخ وشرود العائلة بأقساط خيالية وأسعار لا ترحم عوزاً ولا تجبر كسراً، وكأن ألم المكلوم قد صار سلعة في سوق المزايدات.
- في ميزان التجارة والاقتصاد: حين تُحتكر الأقوات، وتتضاعف الأسعار، ويُمعن التاجر في قهر ضيق ذات اليد، غافلاً عن أن لقمة العيش المجبورة بدموع الفقراء لا تزيد المال إلا محقاً.
- في العلاقات المجتمعية والروابط الأخوية: حيث تراجع التضامن العفوي، وتقوقع كل امرئ في شرنقة مصالحه الضيقة، سائرين على شفا مبدأ مدمر: "إذا هلك أخي، فليُكتب لي النجاة وحدي".
الأنانية.. سقطة اختيار لا ضرورة حيوانية
إن أعظم خطيئة نرتكبها اليوم، هي أننا نمنح لأنفسنا مبررات حيوانية. فالوحش الذي يحتكر طعامه يفعل ذلك بـ"غريزة عمياء" لا عقل لها ولا تكليف. أما الإنسان —ولا سيما الإنسان السوري، ابن الحضارات العريقة، ووارث المروءة والكرم— فحين يتجرد من إيثاره، فإنه لا ينجو، بل يسقط سقوطاً أخلاقياً مدوياً.
جميع الشرائع السماوية، وحكمة التاريخ الإنساني، تجمع على حقيقة لا تقبل التشكيك: الأوطان لا تقوم إلا على أكتاف التضامن. وحين يتحول المجتمع إلى أفراد متناحرين يأكل بعضهم بعضاً، فإن الحرب الحقيقية لم تضع أوزارها بعد، بل انتقلت من ساحات السلاح إلى قلوب الناس وعقولهم.
شرف البداية: حين نرفُض سُكّة القطيع التالف
هنا تبرز القاعدة الأخلاقية الأعظم، وهي أن يتطهر الإنسان من تلك الشماعة الوضيعة التي يقول فيها قائلهم: "الكل يفعل هذا، فلِمَ لا أكون مثلهم؟"
إن مكارم الأخلاق الحقة لا تأتي من تواطؤ العامة على الخطيئة، بل ينبعث النبل من الكريم والعظيم حتى لو أخطأ الناس أجمعون. وحين تُجري مكرمةً أو معروفاً، فإنك لا تنتظر قطيع الجشعين والأنانيين، بل تفتح باباً يقلدك فيه أصحاب الضمائر الحية وأمثالك من أهل الفضل، وما أكثرهم حين تنجلي غشاوة الوهم. أما الطامعون والجشعون بطبعهم الحيواني المقيت، فلندعهم لأنفسهم، ولنكن نحن الميزان الذي لا يميل مع ريح الأنانية.
لو أن الشارع السوري استعاد شيئاً من نُبل التكافل، فترفّق القوي بالضعيف، وخفف التاجر عن المحتاج، وتنازل المؤجر عن شيء من طمعه رحمةً بجاره، لتجاوزت سوريا أزمتها وثارت من بين الرماد في زمن قياسي. فالجدران المهدومة تُبنى بالطوب والخرسانة، لكن الأوطان الممزقة لا تلتئم إلا بجسور المودة ورحمة القلوب.
نداء إلى الروح السورية الحية
إن التخلص من هذا الوباء الأخلاقي —أي طبع الانعزال والاستئثار— ليس ترفاً فكرياً، بل هو طوق النجاة الأخير. إننا في سفينة واحدة، وإذا تركنا العبث يخرق جانبها، فلن ينجو منها أحدٌ مهما علا مكانه.
فلنعد إلى أصل طينتنا النقية، وليقف كل منا مع نفسه وقفة صدق قبل أن يمد يده لبيع أو شراء أو إيجار أو مساعدة، ليسأل:
• "هل أكون اليوم غيثاً يحيي أرض أخيه، أم صقيعاً يزيد برده؟"
• "هل أنا جزء من تعاضد يبعث الحياة في جسد الأمة، أم مفترس آخر يعجل بخرابها؟"
إن الإنسان لم يُكرم بالعقل والرحمة عبثاً. وما أحوج سوريا اليوم —أكثر من أي وقت مضى— أن تُبدل أنانية الغابة بطهر الإيثار، وأن تُثبت للعالم أن الشعب الذي عجنته المحن، قادرٌ على أن يصنع من رماده كياناً يتدثر بالعدل، ويتسربل بالرحمة، ويسمو الأخلاق إلى حيث يستحق.
مقالات ذات صلة
رباط استيقافنا
ينطلق المقال من عبارة «رباط استيقافنا» للتأمل في اللهجات وعلاقتها بالهوية والانتماء، ويفصل بين جمالها في الذوق وقرب أصواتها من الفصحى. ويناقش تأثير الاختلاط والهجرة، وتقليد لهجات المدن طلبا للاندماج أو هروبا من التمييز، مع التمييز بين التكيف والتنكر للأصل. ويرفض احتقار أهل الريف أو المدن، مستعينا بابن خلدون لفهم أثر المكانة الاجتماعية في التقليد، وداعيا إلى الاعتزاز بالجذور واحترام اختلاف الآخرين.
حين تتحول المعونة إلى اتكال: بين فضيلة العطاء ومسؤولية السعي
يدعو المقال إلى التوازن بين فضيلة العطاء ومسؤولية السعي، فالمعونة تحفظ كرامة المحتاج، لكنها قد تضر بالقادر إذا اتخذها بديلًا دائمًا عن العمل. ويوضح أن العفو والإحسان لا يعنيان تشجيع البطالة، ويحذر من ضياع المهارات والفرص مع طول الاتكال. ويعرض تجربة بعض اللاجئين في أوروبا دون تعميم، مع تقدير الكثيرين الذين عملوا وأفادوا واستفادوا، والتأكيد على حماية العاجزين ومساعدة القادرين على التعلم والعمل والاستقلال بكرامة وأمان.
خطوات اختيار القرار الصحيح
اختيار القرار الصحيح عند المؤمن يبدأ بمعرفة حكمه الشرعي، وترتيب الأولويات، ودراسة المنافع والأضرار، ومراعاة حقوق النفس والآخرين. ويجمع بين الخبرة والاستشارة والاستخارة، مع تقديم ما يقربه من الله ويعينه على أداء واجباته. وطمأنينة القلب تساند الدراسة ولا تغني عنها، والتوكل يكون بعد الأخذ بالأسباب. ثم يعزم ويمضي، ويراجع قراره مع ظهور أدلة جديدة، ويصحح الخطأ، ويتعلم من النتائج دون يأس أو تضييع للحقوق.