المجتمع والحياة

حين تتحول المعونة إلى اتكال: بين فضيلة العطاء ومسؤولية السعي

يدعو المقال إلى التوازن بين فضيلة العطاء ومسؤولية السعي، فالمعونة تحفظ كرامة المحتاج، لكنها قد تضر بالقادر إذا اتخذها بديلًا دائمًا عن العمل. ويوضح أن العفو والإحسان لا يعنيان تشجيع البطالة، ويحذر من ضياع المهارات والفرص مع طول الاتكال. ويعرض تجربة بعض اللاجئين في أوروبا دون تعميم، مع تقدير الكثيرين الذين عملوا وأفادوا واستفادوا، والتأكيد على حماية العاجزين ومساعدة القادرين على التعلم والعمل والاستقلال بكرامة وأمان.

15 أكتوبر 2026 · 6 دقائق قراءة · 32 قراءة
حين تتحول المعونة إلى اتكال: بين فضيلة العطاء ومسؤولية السعي

العطاء من أنبل ما يصل بين الناس؛ يجبر ضعفًا، ويحفظ بيتًا، ويعين إنسانًا على تجاوز محنته. لكن المعونة قد تفقد بعض غايتها حين يتعامل معها القادر على السعي باعتبارها بديلًا دائمًا عن العمل، فتتحول من وسيلة للنهوض إلى سبب للاستقرار في العجز.

ومن هنا تُفهم العبارة المتداولة: «الفضل إذا تحول إلى راتب انقلب إلى واجب». فهي تصف ما قد يحدث في نفس بعض المتلقين: يبدأ العطاء معروفًا يُشكر، ثم يصبح أمرًا معتادًا، ثم يُنظر إلى نقصه أو توقفه باعتباره إساءة. غير أن هذه الملاحظة لا تصلح قاعدة للحكم على جميع المحتاجين، ولا ذريعة لقطع الإحسان؛ فهناك من تستمر حاجته، ويكون انتظام مساعدته رحمة وعدلًا.

والميزان الذي نحتاج إليه يجمع بين الحث على العمل، وحفظ كرامة المحتاج، والتحذير من الاتكال، دون قسوة على من ضاقت به الأسباب.

العفو عن الإساءة لا يعني تشجيع البطالة

قد يتساءل بعض الناس: هل التحذير من الاعتماد على العطاء يتعارض مع قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: 22]، في الآية التي نزلت حين حلف أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن يوقف نفقته على قريبه مسطح، بعد خوضه في حادثة الإفك؟

الجواب أن لكل قضية موضعها. فقد كان أبو بكر ينفق على مسطح لقرابته وفقره، ثم أراد قطع النفقة بسبب إساءته. فجاء التوجيه القرآني إلى العفو والصفح، وعاد أبو بكر إلى الإحسان إليه. فالسياق يتعلق بالتسامح مع إساءة المحتاج، ولا يقرر أن مسطحًا كان يرفض العمل اتكالًا على نفقة قريبه. [1]

إنها تربية للمحسن على ألا يجعل عطاءه ثمنًا للولاء، وألا يحوّل حاجة الناس إلى أداة لمعاقبتهم عند الخصومة. وفي الوقت نفسه، لا تمنح القادر مبررًا لتعطيل نفسه أو تحميل الآخرين مسؤولية معيشته مع قدرته على السعي.

ومن الخطأ أن نستخدم الحث على العمل لإغلاق أبواب الرحمة، كما نخطئ إذا استخدمنا الحث على الرحمة لتبرير الاستسلام للاتكال.

الكرامة في السعي، ولا يزيلها الاحتياج

حث الإسلام على الكسب والتعفف؛ ففي صحيح البخاري يبين النبي ﷺ أن احتطاب الإنسان وبيعه ما جمعه ليستغني خير له من سؤال الناس. وفي ذلك توجيه إلى احترام العمل، ولو كان بسيطًا أو شاقًا، وإلى تقديم بذل الجهد على انتظار العطاء. [2]

لكنه لم يجعل قبول المال المشروع عارًا؛ فقد وجّه النبي ﷺ عمر رضي الله عنه إلى قبول العطاء الذي يأتيه دون سؤال أو تطلع إليه. فالعفة لا تعني رفض كل مساعدة، ولا تكليف النفس ما لا تطيق. [3]

والفارق الأخلاقي هنا بين إنسان يحتاج ويسعى بحسب استطاعته، وآخر يستطيع اتخاذ خطوات جادة لتحسين حاله، لكنه يختار تركها لأن غيره يتكفل بمعيشته.

قد يكون المحتاج مريضًا، أو مسنًا، أو صاحب إعاقة، أو مسؤولًا عن رعاية من لا يجد من يرعاه. وقد يكون قادرًا على العمل من حيث الصحة، لكنه لا يجد فرصة فعلية، أو يحتاج إلى لغة وتأهيل وتصريح قبل أن يبدأ. هؤلاء لا يصح اختزال ظروفهم في الكسل، ولا جرحهم بعبارات تجعل الفقر نقصًا في المروءة.

المروءة أن تبذل ما تستطيع، وأن تصدق في بيان حاجتك، وأن تحرص على الاستغناء متى تيسرت أسبابه. أما من عجز بعد بذل وسعه، فحقه المساندة والاحترام.

كيف يصبح الاتكال عبئًا على صاحبه؟

الخطر لا يظهر دائمًا في البداية. فقد يقول الإنسان: أستريح قليلًا حتى تتحسن الظروف. ثم يؤجل تعلم اللغة، أو تحديث مهارته، أو البحث عن عمل. وتمر الأشهر والسنوات، بينما تتغير المهن وتتسع الفجوة بينه وبين سوق العمل.

وعند بعض الناس، يصير الحفاظ على المعونة هو المشروع الذي تُرتب عليه الحياة، وتتراجع الرغبة في بناء مورد مستقل. وقد يرفض المرء بداية متواضعة لأنها لا تمنحه فرقًا ماليًا كبيرًا فورًا، دون أن ينظر إلى ما يمكن أن تبنيه من خبرة وعلاقات وفرص.

وهنا تظهر تكلفة لا تُقاس بما يدخل الحساب كل شهر: وقت مضى دون تعلم، وثقة ضعفت، ومهارة لم تتطور، وخيارات أصبحت أضيق.

وليست كل فترة بلا وظيفة وقتًا ضائعًا؛ فالعلاج، والتأهيل، ورعاية الأسرة أعمال ذات قيمة. إنما موضع التحذير هو مرور الزمن مع القدرة على التقدم، دون سعي أو خطة أو سبب معتبر.

التجربة الأوروبية: عبرة من بعض الحالات، لا حكم على الجميع

في تجربة اللجوء السوري إلى أوروبا أمثلة متعددة ينبغي عرضها بإنصاف. فقد عمل كثير من السوريين، وتعلموا اللغات، وتجاوزوا صعوبات الاعتراف بالمؤهلات، ودخلوا ميادين الطب والهندسة والصناعة والخدمات والتجارة. أفادوا المجتمعات التي استقبلتهم، واستفادوا من فرصها، وبنوا حياة تقوم على المشاركة والإنتاج. وتوثق تقارير سوق العمل مساهمة السوريين، كما ترصد الصعوبات التي يواجهها بعضهم في العمل ضمن مستوى مؤهلاتهم. [4]

وفي المقابل، فإن من اختار الاعتماد الطويل على المعونات مع وجود قدرة وفرصة واقعية للسعي يوضح جانبًا يستحق التحذير. المشكلة في هذا السلوك ليست جنسية صاحبه ولا كونه لاجئًا، بل اختياره راحة آنية قد تُضعف استقلاله مستقبلًا.

ومع ذلك، لا يجوز أن نستنتج من تلقي المعونة وحده أن صاحبها متّكل؛ فقد يكون باحثًا عن عمل، أو عاملًا بدخل لا يكفي أسرته، أو متعثرًا بسبب اللغة أو الصحة أو مسؤوليات الرعاية. وتؤكد دراسات الاندماج أهمية هذه العوائق في فرص اللاجئين المهنية. [5]

كما أن عدم العودة إلى بلد المنشأ لا يدل بذاته على حب المعونة؛ فالعودة ترتبط بالأمان والسكن والتعليم والعمل وأحوال الأسرة. النقد العادل يتناول الاختيار المتعمد لتعطيل القدرة، ولا يحاكم الناس لمجرد بقائهم في بلد أو استفادتهم من نظام اجتماعي.

حساب اليوم قد يخفي خسارة الغد

من أسباب ضعف الحافز إلى العمل أحيانًا أن الأسرة قد تفقد جزءًا من إعاناتها عند بدء الوظيفة، وتتحمل فوق ذلك تكاليف النقل ورعاية الأطفال. فيبدو الفرق بين العمل والبقاء على المعونة قليلًا. وهذه مشكلة في تصميم أنظمة الدعم، ينبغي التعامل معها بجدية، لا تفسيرها كلها بسوء أخلاق المستفيدين. [6]

لكن على الفرد أيضًا أن ينظر إلى أبعد من دخله الفوري. فالعمل المناسب قد يرفع مهارته وأجره لاحقًا، بينما البقاء الطويل خارج سوق العمل قد يجعل العودة أصعب. وليس المطلوب الاندفاع إلى أي وظيفة على حساب الصحة أو الأسرة أو تأهيل نافع، وإنما اتخاذ قرار ينظر إلى المستقبل، بدل الاكتفاء بأيسر وضع في الحاضر.

وإذا ارتفعت الأسعار أسرع من زيادة المعونة، تراجعت قدرتها على تغطية الاحتياجات. ومن بنى حياته كلها على مبلغ لا يتحكم فيه قد يجد نفسه أمام ضيق متزايد، دون خبرة حديثة أو مورد آخر.

المعونة تستطيع أن تحمي الإنسان من السقوط، لكنها لا تضمن وحدها نمو قدرته أو تحسن مستقبله.

مسؤولية المحسن والمجتمع

كما نطالب المستفيد بالسعي، ينبغي أن نطالب القادرين والمؤسسات بحسن المساعدة. فإعطاء المال وحده ليس دائمًا كافيًا، وقطعه وحده لا يخلق فرصة عمل.

قد تكون المساعدة الأجدى تمويل تدريب مناسب، أو توفير أدوات مهنة، أو إتاحة رعاية للأطفال، أو ربط الباحث عن العمل بفرصة حقيقية. ومن المقترحات المفيدة أن يُخفض الدعم تدريجيًا مع تحسن الدخل، حتى يشعر الإنسان بأن تقدمه يزيد استقراره.

أما صاحب العجز المستمر، فقد يحتاج إلى معونة مستمرة، ولا معنى لقياس نجاح مساعدته بقدرته على الاستغناء عنها. نجاحها حينئذ في أن يعيش بكرامة وأمان.

وعلى القريب المحسن أن يوضح حدود قدرته بلطف، وأن يتجنب المنّ والإذلال والتهديد عند كل خلاف. فالحاجة لا تمنح المعطي حق التحكم في حياة المحتاج، كما أن استمرار الإحسان لا يبيح للمتلقي الجحود أو المطالبة بما يتجاوز قدرة صاحبه.

سؤال ينبغي أن يطرحه كل قادر على نفسه

إذا كنت تتلقى معونة، فلا تجعل السؤال الوحيد: كم سأحصل هذا الشهر؟ اسأل أيضًا: ماذا فعلت هذا الشهر لأصبح أقدر على تدبير حياتي؟

هل تعلمت شيئًا؟ هل بحثت بجدية؟ هل عالجت عائقًا؟ هل أصبحت أقرب إلى مورد مستقل؟ وإذا توقفت المساعدة أو نقصت، فما الخيارات التي أعددتها؟

اقبل العون حين تحتاج إليه، ولا تستحِ من حاجة صادقة. لكن احذر أن يتحول التأجيل إلى عادة، وأن تمضي سنوات قدرتك دون أن تستثمر منها شيئًا لمستقبلك. لا تحتقر بداية متواضعة تفتح لك بابًا، ولا تخدع نفسك بوعد دائم بأنك ستبدأ عندما تصبح الظروف مثالية.

وإذا كنت ممن يساعدون الناس، فاجعل في عطائك رحمة، وفي توجيهك احترامًا، وفي توقعاتك مراعاة لاختلاف القدرات والظروف.

من فضيلة العطاء أن يحفظ المحتاج، ومن مسؤولية القادر أن يسعى. وبينهما يقوم مجتمع لا يترك الضعيف، ولا يهوّن على القوي إضاعة عمره في الاتكال.

المصادر والمراجع

  1. تفسير القرطبي: سورة النور، الآية 22.
  2. الدرر السنية: حديث الاحتطاب والاستغناء عن سؤال الناس، صحيح البخاري.
  3. الدرر السنية: حديث قبول العطاء دون سؤال أو تطلع، المخرج في الصحيحين.
  4. المفوضية الأوروبية: عرض نتائج معهد أبحاث سوق العمل بشأن العمال السوريين في ألمانيا.
  5. منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: إدماج اللاجئين وغيرهم من المهاجرين المستضعفين، 2019.
  6. منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: أنظمة الإعانات وحوافز العمل، 1998.