المجتمع والحياة

رباط استيقافنا

ينطلق المقال من عبارة «رباط استيقافنا» للتأمل في اللهجات وعلاقتها بالهوية والانتماء، ويفصل بين جمالها في الذوق وقرب أصواتها من الفصحى. ويناقش تأثير الاختلاط والهجرة، وتقليد لهجات المدن طلبا للاندماج أو هروبا من التمييز، مع التمييز بين التكيف والتنكر للأصل. ويرفض احتقار أهل الريف أو المدن، مستعينا بابن خلدون لفهم أثر المكانة الاجتماعية في التقليد، وداعيا إلى الاعتزاز بالجذور واحترام اختلاف الآخرين.

31 أكتوبر 2026 · 2 دقائق قراءة · 13 قراءة
رباط استيقافنا

منذ مدة أسمع أخًا عراقيًا يروي قصة أو موقفًا، ثم يختم بقوله: «رباط استيقافنا»، قاصدًا العبرة التي نستخلصها. أحببت العبارة، كما أحب اللهجة العراقية لما أسمعه في كثير من تنوعاتها من وضوح الحروف وقوة الوقع.

وربما يرجع بعض هذا الحب إلى أنني من جنوب سورية، حيث تتقارب لهجات كثيرة مع لهجات الأردن وفلسطين، وإلى دراستي التجويد ومخارج الحروف. لكن تفضيل لهجة يظل ذائقة شخصية؛ فلا توجد لهجة أجمل عند الجميع، ولا تدل خشونة النبرة أو رقتها على أخلاق أصحابها.

أما القرب من الفصحى فيحتاج إلى معيار محدد. فلهجات عراقية وشامية وبدوية تحتفظ بالثاء والذال مثلًا، لكنها قد تغير أصواتًا أخرى. لذلك يمكن وصف لهجة بأنها أقرب إلى الفصحى في خصائص معينة، دون إعلان تفوقها المطلق في الأصوات والنحو والمفردات. والعراق نفسه متعدد اللهجات، وكذلك سورية والأردن وفلسطين.

وتتكون اللهجات عبر قرون من التطور والهجرة والاختلاط والتجارة والتعليم. ولهجات المدن والأرياف جميعًا تأثرت بمحيطها بدرجات مختلفة. أما تفسير نبرات المدن السورية بالتأثير الفرنسي، فيبقى فرضية تحتاج إلى أدلة، ولا يكفي لإثباتها مجرد وقوع الانتداب. وكذلك القول المنسوب إلى طه حسين عن قرب لهجة أهل برقة من العربية؛ فله رواية منشورة، لكنني لم أتحقق من مصدره الإذاعي الأصلي.

ويستوقفني تقليد بعض أبناء الأرياف لهجات المدن الكبرى، وانتسابهم إليها. غير أن الإنصاف يمنع تفسير ذلك كله بالخجل من الأصل؛ فقد تتغير اللهجة تلقائيًا بالمعاشرة، أو طلبًا للفهم والاندماج، أو خوفًا من السخرية والتمييز. وقد يقصد القائل «أنا من دمشق» أو «من القاهرة» مكان إقامته ونشأته، لا أصل أسرته.

أما التنصل المتعمد من الأهل، واحتقار البيئة الأولى، واختلاق أصل أكثر وجاهة، فمشكلة أخلاقية. ويقابله تعصب آخر يجعل خشونة الريف دليلًا على الرجولة، ويحتقر أهل المدن. كلا الطرفين يحاكم الناس بأماكنهم وأصواتهم، ويستبدل معرفة الإنسان بصورة جاهزة عن جماعته.

وهذه الظاهرة عالمية؛ فقد درست بحوث في بريطانيا وأميركا والصين علاقة اللهجات بالمكانة الاجتماعية والقبول وفرص العمل. فالناس قد يغيرون كلامهم لأن المجتمع يمنح بعض الأصوات وجاهة، ويلصق بأخرى أحكامًا مسبقة.

وهنا تحضر عبارة ابن خلدون في «المقدمة»:

«المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب».

ويمكن الاستعانة بها لفهم تقليد الجماعة الأعلى مكانة، دون اعتبار كل تغير للهجة هزيمة نفسية. كما رأى أن اللغة ملكة تترسخ بالممارسة، وأقر باستقلال كلام أهل الأمصار وقدرته على التعبير. والعصبية عنده رابطة تناصر أوسع من معنى العنصرية المتداول اليوم.

ورباط استيقافنا أن نحب لهجاتنا دون تعصب، ونتعلم من غيرنا دون خجل، ونعتني بالفصحى دون احتقار الكلام اليومي. يستطيع الإنسان أن يعتز بقريته ويحب مدينته، وأن يغير لهجته دون أن يتنكر لأهله؛ فقيمته فيما يقوله ويفعله، لا في الطريقة التي ينطق بها القاف.