الأخلاق والعلاقات

إذا فات الفوت... ما ينفع الصوت - حين يدخّن أحدهم، ويدفع أهله وجيرانه الثمن

التدخين داخل المنازل لا يضرّ المدخّن وحده؛ فدخانه يتسلّل إلى الزوجة والأطفال والجيران، وقد ينتقل بين الشقق عبر فتحات التهوية. يروي المقال تجربة وصول دخان جار إلى المنزل حتى اضطر صاحبه إلى إغلاق منافذ الحمامات، ويبيّن بالأدلة الصحية والتوجيه الديني أن الحرية الشخصية لا تبيح إيذاء الآخرين. الدعوة واضحة: اتقوا الله في أهلكم وجيرانكم، وأقلعوا عن التدخين قبل أن يفوت الأوان.

24 سبتمبر 2026 · 3 دقائق قراءة · 33 قراءة
إذا فات الفوت... ما ينفع الصوت - حين يدخّن أحدهم، ويدفع أهله وجيرانه الثمن

ما أقسى الخطأ حين يختاره إنسان، ثم يُلزم غيره بدفع الثمن. يشعل المدخّن سيجارته طلبًا للمتعة أو هربًا من ضيقٍ عابر، وتصل نواتج احتراقها إلى زوجةٍ لم تدخّن، وطفلٍ لم يُستشر، وجارٍ أغلق باب بيته ظنًّا منه أنه أغلق معه باب الأذى. فإذا ظهر المرض بعد سنوات، فلن ينفع الصياح ولا الندم: إذا فات الفوت، ما ينفع الصوت.

الأمر هنا ليس خلافًا حول رائحةٍ تُعجب شخصًا وتُزعج آخر. دخان التبغ يحتوي على أكثر من سبعة آلاف مادة كيميائية، منها نحو سبعين مادة يمكن أن تسبب السرطان. وتؤكد الجهات الصحية أنه لا يوجد مستوى آمن للتعرض للدخان غير المباشر؛ فهو يزيد خطر أمراض القلب والسكتة الدماغية وسرطان الرئة لدى غير المدخنين، ويرتبط لدى الأطفال بعدوى الجهاز التنفسي والتهابات الأذن ونوبات الربو. وليس تغيير مكان السيجارة داخل المبنى ضمانًا لاحتواء ضررها؛ فالدخان يمكن أن ينتقل بين الشقق عبر الممرات وفتحات التهوية، ولا تزيله المراوح والمرشحات تمامًا. [1][2][3]

أقول هذا أيضًا من تجربة مؤلمة. بدأت رائحة الدخان تصل إلى بيتي من منافذ الحمامات، حتى اضطررت إلى إغلاقها. وحين سألت جاري الذي تبيّن لي أنه يدخّن، سمعت أعذارًا متعددة، لكن الرائحة لم تكن عذرًا ولا رأيًا؛ كانت تصل إلينا فعلًا. لا أجزم بما نواه الرجل أو أين أراد للدخان أن يذهب. ما أعرفه يقينًا أنني وأهل بيتي اضطررنا إلى تغيير حال بيتنا لنتجنب أثر عادة لم نخترها. ومن الظلم أن يصير إغلاق منافذ بيتي هو «الحل»، بينما يظل مصدر الدخان قائمًا.

قد يقول قائل: «هذا بيتي، وأنا حرّ فيه». نعم، للإنسان مساحة يقرر فيها شؤونه، لكن الحرية لا تعطيه حق إرسال ما يؤذي الآخرين عبر الجدران وفتحات الهواء. ملكية الشقة لا تمنح أحدًا ملكية رئات جيرانه. ومن أراد أن يتحمل تبعات اختياره فلا يملك أن يوقّع باسم زوجته وأطفاله وجيرانه على قبول تلك التبعات. الحرية الشخصية تنتهي عند الضرر الذي تفرضه على غيرك، ولو بدأت السيجارة داخل بيتك.

ومن جهة الدين، ليست رعاية الجار زينةً في الكلام تُعلّق على الأبواب ثم تُنزع عند أول نزوة. قال النبي ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ»؛ رواه البخاري. و«لا ضرر ولا ضرار» قاعدة تردع من يستخف بأذى الناس. وقد ذهب علماء إلى تحريم التدخين لما فيه من ضرر على النفس؛ فكيف يهون على المرء أن يضيف إلى ضرر نفسه ضرر أقرب الناس إليه ومن يجاوره؟ [4][5]

وأخلاقيًا، ليس من المروءة أن يتنفس الأبناء دخان أبيهم لأنهم لا يستطيعون الاعتراض، أو أن تتحمل الزوجة والجيران أثره لأنهم يكرهون الخصام. الأعذار التي تُساق بعد الشكوى لا تعيد للطفل هواءه النظيف. ومن يعرف أن دخان سيجارته يدخل بيتًا آخر ثم يواصل الفعل من غير معالجة، فهو يقدّم مزاجه على سلامة أشخاص لم يختاروا مشاركته هذا المزاج. قد يكون الإقلاع صعبًا على من أدمن النيكوتين، لكن صعوبته سبب لطلب العون على تركه، وليست تصريحًا بإيذاء الآخرين. [6]

ومجتمعيًا، لا يجوز أن يتحول التدخين إلى عبءٍ خاص تتحمله الأسرة المتضررة بصمت. حماية الهواء في المنازل والمرافق المشتركة تبدأ بأن يكف المدخّن عن التدخين حيث يصل الدخان إلى غيره، وأن يعالج مصدر التسرّب، وأن يستجيب للشكوى بجدية. ولمن أصابه الضرر حق المطالبة بحل واضح عبر إدارة المبنى والجهات المختصة بحسب الأنظمة المعمول بها، بلا خصومة مفتعلة وبلا قبولٍ دائم بالأذى.

إلى كل من يدخّن في بيتٍ فيه أطفال، أو قرب منافذ يمر منها الدخان إلى الجيران: اتقِ الله فيهم. لا تنتظر سعال طفل، أو أزمة صدر، أو خبرًا لا يُردّ حتى تسأل نفسك عمّا فعلت. أطفئ السيجارة، واطلب المساعدة على الإقلاع، وكفّ أذاك عن أهلك وجيرانك. أسأل الله أن يهدي من ابتُلي بهذه العادة ويعينه على تركها، وأن يحفظ الأسر والجيران من ضررٍ لم يختاروه. فالهواء الذي يتنفسه الناس حقٌّ لهم؛ وإذا فات الفوت، ما ينفع الصوت.

المراجع

  1. مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها: التعرض للدخان غير المباشر.
  2. مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها: آثاره الصحية.
  3. وكالة حماية البيئة الأمريكية: انتقال الدخان داخل المباني.
  4. صحيح البخاري، حديث 6018 في حق الجار.
  5. موقع الشيخ ابن باز: حكم التدخين، وموسوعة الأحاديث النبوية: «لا ضرر ولا ضرار».
  6. منظمة الصحة العالمية: الإقلاع عن التبغ.