سر سعادة المرأة مع القهوة... ولماذا أدفع عشرين ريالًا لكوب لا يساوي ريالين؟
مقال ساخر يربط بين القهوة والسعادة الزوجية، انطلاقًا من تجربة شخصية مع لحظات هدوء الزوجة أثناء شربها القهوة، مقابل دهشة الزوج من أسعار المقاهي. وبين الفكاهة يشرح المقال أثر الكافيين والطقوس الاجتماعية في تحسين المزاج، ليخلص إلى أن قيمة القهوة قد لا تكون في المشروب نفسه، بل في لحظة الهدوء والحديث والمكان المريح الذي تصنعه.

هناك اكتشافات يصل إليها الإنسان بعد سنوات طويلة من الدراسة والبحث والتجارب المخبرية، وهناك اكتشافات أخرى يصل إليها الرجل بعد سنوات من الزواج.
وأحد أهم اكتشافاتي الشخصية هو:
إذا أردت أن تتحدث مع زوجتك في لحظة مناسبة، فراقب فنجان القهوة.
أنا لا أملك دراسة منشورة في مجلة علمية مرموقة، ولا مختبرًا لقياس النشاط العصبي، لكن لدي سنوات من الملاحظة الميدانية تجعلني أقول إن من أجمل اللحظات وأكثرها هدوءًا تلك التي تجلس فيها زوجتي أمام فنجان القهوة.
ولهذا تعلمت شيئًا مهمًا في الحياة الزوجية:
حين تأتي القهوة... أحضر أنا أيضًا!
ليس لأنني عاشق للقهوة بالضرورة، وإنما لأنني اكتشفت أن فنجان القهوة قد يفتح نافذة صغيرة من السلام النفسي، ومن الحكمة الزوجية أن تدخل من هذه النافذة قبل أن تُغلق.
القهوة ليست شرابًا... إنها حالة نفسية
راقب شخصًا يحب القهوة عندما تصل إليه.
قبل وصولها قد يكون منشغلًا بالهاتف، أو العمل، أو الأولاد، أو قائمة طويلة من الأشياء التي لم تنتهِ.
ثم يأتي الفنجان.
يمسكه.
يشم الرائحة.
يأخذ الرشفة الأولى.
وفجأة يبدو العالم أقل سوءًا بقليل.
الفواتير موجودة، والأعمال لم تنتهِ، والزحام ما زال في الشوارع، ودرجة الحرارة في الخارج قد تكون كافية لشواء الإنسان دون فرن...
لكن هناك قهوة.
وهذا وحده يبدو أحيانًا إنجازًا حضاريًا.
وأنا أدفع الثمن... حرفيًا
المشكلة تبدأ عندما نخرج إلى أحد المقاهي.
أنا من المدرسة الاقتصادية التي تنظر إلى كوب القهوة وتقول:
حبوب قهوة + ماء + حليب أحيانًا + كوب ورقي = ربما ريالان أو ثلاثة.
ثم أنظر إلى الفاتورة:
22 ريالًا.
فأعود إلى الحساب مرة ثانية.
ربما أخطأت.
حبوب + ماء + كهرباء + كوب...
لا.
ما زلنا بعيدين جدًا عن 22 ريالًا.
ثم أكتشف أنني لم أشترِ قهوة فقط.
لقد اشتريت:
- موقعًا.
- وكرسيًا.
- وتكييفًا.
- وديكورًا.
- وإنترنت.
- وموظفين.
- وإيجارًا.
- واسمًا إيطاليًا للمشروب يجعلني أشعر أنني أجهل شيئًا مهمًا في الحياة.
فلو قلت للبائع:
قهوة بالحليب، من فضلك.
قد تبدو المسألة بسيطة.
لكن عندما يصبح اسمها:
Iced Caramel Something Macchiato Special Edition
أشعر أن عشرين ريالًا أصبحت فجأة منطقية، لأنني لا أريد أن أعترف أنني لا أعرف أصلًا ماذا طلبنا.
اقتصاد القهوة الحديث
أحيانًا أشعر أن شركات القهوة لم تعد تبيع البن.
إنها تبيع لنا الأسماء.
كلما طال اسم المشروب ارتفع سعره.
القهوة السوداء المسكينة لا تستطيع الدفاع عن نفسها اقتصاديًا لأن اسمها قصير جدًا.
أما إذا أضفنا:
Vanilla، Caramel، Spanish، Cold Brew، V60، Signature، Premium...
فقد انتقلنا من مشروب إلى مشروع استثماري.
وقد يأتي يوم تدخل فيه المقهى فيقول الموظف:
هل ترغب في القهوة العادية أم القهوة ذات التجربة الحسية متعددة الطبقات؟
فتسأله:
وما الفرق؟
فيقول:
ثمانية عشر ريالًا.
ولكن... ربما نحن نظلم المقهى
بعد سنوات بدأت أنظر إلى الأمر بطريقة مختلفة.
في بلد حار مثل السعودية، قد لا يكون المبلغ كله ثمنًا للقهوة.
أنت تدفع أحيانًا مقابل مكان تستطيع أن تجلس فيه مرتاحًا.
تخرج من البيت، تغير الجو، تجلس في مكان مكيف، تتحدث، تقرأ، تعمل، تقابل صديقًا، أو تقضي ساعة هادئة مع زوجتك.
وهنا يصبح جزء كبير من المبلغ أقرب إلى:
إيجار كرسي لمدة ساعة... والقهوة تأتي معه.
وعندما أنظر إلى المسألة بهذه الطريقة يهدأ الاقتصادي الموجود بداخلي قليلًا.
ليس كثيرًا...
لكن قليلًا.
وهل القهوة تجعل الإنسان سعيدًا فعلًا؟
هنا المفاجأة: خلف المشهد الكوميدي جزء علمي حقيقي.
الكافيين يعمل أساسًا على تعطيل تأثير مستقبلات الأدينوسين في الدماغ. والأدينوسين مادة يرتبط تراكمها بالشعور بالنعاس والإرهاق؛ لذلك يمكن للكافيين أن يزيد اليقظة والشعور بالطاقة والانتباه.
وتشير الدراسات إلى أن للكافيين تفاعلات غير مباشرة أيضًا مع أنظمة عصبية مرتبطة بالدوبامين والنورأدرينالين، وهي من الأنظمة التي تؤثر في الدافعية والانتباه والمزاج.
وقد وجدت تجارب أن تناول الكافيين يمكن أن يزيد اليقظة ويحسن بعض جوانب الأداء والمزاج، وإن كان التأثير يختلف من شخص إلى آخر بحسب الاعتياد والجرعة والنوم والحالة النفسية.
وبعض الدراسات تشير أيضًا إلى أن جزءًا مما نشعر به قد يأتي من توقع تأثير القهوة نفسه؛ أي أن العقل يعرف أن «القهوة وصلت»، فيبدأ الاستعداد للنشاط حتى قبل أن يقوم الكافيين بكل عمله.
وهذا يفسر شيئًا مهمًا:
ربما السعادة ليست كلها داخل الكافيين.
جزء منها موجود في الطقس نفسه.
- الفنجان المفضل.
- الرائحة.
- المكان.
- الوقت الخاص.
- الجلسة.
- والشخص الذي يجلس معك.
حتى رائحة القهوة نفسها دُرست لمعرفة علاقتها بالمزاج والوظائف الإدراكية، ما يوضح أن تجربتنا مع القهوة ليست مجرد عملية كيميائية بسيطة:
كافيين دخل الدم = إنسان سعيد.
ربما السر الحقيقي ليس القهوة
وهنا أصل إلى نتيجة أكثر أهمية.
عندما أقول إنني أحب الجلوس مع زوجتي أثناء شربها القهوة، ربما لا تكون القهوة هي بطلة القصة أصلًا.
ربما القهوة مجرد ذريعة جميلة للتوقف.
لأن الحياة الحديثة جعلتنا نعيش بجوار بعضنا أكثر مما نجلس مع بعضنا.
كل شخص لديه هاتف.
ومواعيد.
وأخبار.
وأعمال.
ومشكلات.
لكن فنجان القهوة يقول لنا بطريقة غير مباشرة:
اجلسوا عشرين دقيقة.
وهذه الدقائق ربما تكون أغلى من القهوة نفسها.
تشير الأبحاث النفسية المتعلقة بالعلاقات الاجتماعية والرفقة عمومًا إلى ارتباط جودة التواصل والتفاعل الاجتماعي بالرفاه النفسي والسعادة.
إذن عندما تخرج زوجتك سعيدة من المقهى، لا تتسرع في منح الفضل كله لحبوب البن الكولومبية.
ربما لأن أحدًا جلس معها.
واستمع إليها.
وتحدث معها.
ولم يكن مستعجلًا.
وكان أمامهما فنجانان من القهوة.
وهل المرأة تحب القهوة أكثر من الرجل؟
هنا يجب أن نتوقف علميًا عن المبالغة.
لا يوجد سبب يجعلنا نقول ببساطة إن «المرأة تكون أسعد لحظاتها بيولوجيًا عند شرب القهوة».
هذه عبارة كوميدية جميلة تصلح عنوانًا للمقال، لكنها ليست قانونًا في علم الأعصاب.
هناك نساء لا يحببن القهوة أصلًا، ورجال يمكن أن تدخل عليهم قبل القهوة فتجدهم كائنات مختلفة تمامًا عن الذين تراهم بعدها.
لذلك فالقصة في حقيقتها أوسع:
القهوة تمنح كثيرًا من الناس لحظة شخصية صغيرة يحبونها.
والنساء لسن استثناء.
لكن بحكم تجربتي الشخصية...
أنا أراقب زوجتي، لا البشرية كلها.
والنتائج الميدانية عندي واضحة جدًا!
نظرية الزوج الذكي اقتصاديًا
وبعد هذه السنوات توصلت إلى معادلة جديدة.
قديمًا كنت أرى:
كوب قهوة = 22 ريالًا!
وأقول:
هذا ابتزاز.
اليوم أصبحت أرى:
قهوة + خروج من المنزل + تغيير جو + جلسة هادئة + حديث جميل مع الزوجة + تكييف ينقذك من صيف السعودية = 22 ريالًا.
وهنا تبدأ المعادلة بالتحسن.
بل إنني أصبحت أعتقد أن بعض المشكلات الزوجية ربما تكون أكثر تكلفة بكثير من كوبين من القهوة.
ومن هذا المنظور، قد يتحول الكوفي شوب من جهة تستنزف الميزانية إلى مؤسسة غير رسمية لصيانة العلاقات الاجتماعية.
وهذه بالطبع ليست نصيحة معتمدة من خبراء الاقتصاد.
ولا من مستشاري الزواج.
إنها فقط نتيجة أبحاثي الشخصية التي أجريتها على عينة مكونة من:
زوجة واحدة.
وزوج واحد.
وعدد كبير جدًا من فناجين القهوة.
الخلاصة: لا تسأل عن سعر القهوة فقط
في النهاية اكتشفت أن الإنسان كثيرًا ما يشتري أشياء غير مكتوبة على الفاتورة.
نحن لا نشتري الطعام دائمًا لأننا جائعون فقط.
ولا نسافر لمجرد الانتقال بين مدينتين.
ولا نذهب إلى المقهى لأن الجسم يعاني نقصًا حادًا في الإسبريسو.
أحيانًا نحن ندفع مقابل:
لحظة.
وهدوء.
وحديث.
وتغيير مكان.
وذكرى صغيرة.
ولهذا، عندما تطلب زوجتي القهوة التي تحمل اسمًا أطول من بعض أسماء البرامج التي كتبتها في حياتي، ثم أرى السعر وأشعر بأنني أتعرض لعملية سطو قانونية...
أنظر إليها وهي سعيدة بالفنجان.
ثم أخرج البطاقة.
وأدفع.
وأجلس معها.
لكنني أظل متمسكًا بحقي الدستوري الكامل في أن أقول:
«معقول هذه القهوة بعشرين ريالًا؟!»
فالسعادة الزوجية شيء...
والاستسلام الكامل لأسعار المقاهي شيء آخر.
مقالات ذات صلة
أين ينبغي أن يكون الإنسان العاقل؟ حكمة المكان والزمان في حياة الإنسان
خلق الله الإنسان بالعقل والاختيار، ومن الحكمة أن يعرف أين يكون ومتى يكون ومع من يجلس. فالبيئة والصحبة والزمان تؤثر في السلوك كما تؤثر البيئة في سائر المخلوقات. والعاقل لا يضع نفسه في مواطن الفتن والخطر بلا ضرورة، بل يأخذ بأسباب الخير، فيعطي البيت والعمل والمسجد والعلم حقوقها. فالحكمة ليست معرفة الطريق الصحيح فقط، بل أن تضع نفسك فيه، في المكان والوقت والغاية المناسبة.
أنا عارف نفسي... لو بقى معايا فلوس حابقى نمرود!
تستحضر المسرحية الكوميدية «إلا خمسة» معنى عميقًا حين يقول بطلها، بحسب ما بقي في الذاكرة: «أنا عارف نفسي، لو بقى معايا فلوس حابقى نمرود». فالمال قد يكون نعمة أو فتنة، والله يقدّر الأرزاق بعلمه وحكمته، ويعلم ما يصلح عباده. وليس الرضا تركًا للسعي، بل عملٌ بلا حسد ولا اعتراض، مع يقين أن الإيمان والصحة والسكينة وحسن الخلق من أعظم الأرزاق، وأن بعض المنع أو التأخير قد يكون رحمةً وحمايةً من شر لا نراه.
هذاك أول… والأوّل تحوّل
تحكي القصة عن أطفال آثروا زميلتهم الفقيرة «وفاء» على أنفسهم، فكتبوا جميعًا اسمها في قرعة جائزة الحذاء، مما دفع زوج المعلمة إلى شراء أحذية للجميع. ومن هذه الحكاية ينطلق المقال ليتحسر على تراجع الوفاء والتراحم بين الناس، ويدعو إلى إحياء هذه القيم بالمواقف الصغيرة: تفقد المحتاج، ومساندة القريب، وجبر الخاطر، والتنازل عن بعض الرغبات لإسعاد الآخرين؛ فالوفاء لم يمت، لكنه ينتظر من يوقظه.
