المجتمع والحياة

الزفة على الطريقة الكويتية

مقال ساخر ينتقد ظاهرة تحول بعض الزوجات بعد الزواج إلى "زفّة" يومية من الصراخ والتوبيخ، بسبب تربية الأمهات لهن على الغلظة. هذا السلوك يقتل الحب ويدفع الأزواج للطلاق أو الزواج الثاني، ويدمر البيوت. الرسالة موجهة للزوجات والأمهات بضرورة التحلي بالأنوثة والرقة، وإلا فلا يلمن إلا أنفسهن.

4 سبتمبر 2026 · 5 دقائق قراءة · 25 قراءة
الزفة على الطريقة الكويتية

حين يُقبل الشاب على الزواج، يكون في قمة نشوته العاطفية، يرى الحياة وردية، ويسمع كلمات الحب تملأ أذنيه، ويحلم ببيتٍ هادئ يجد فيه سكينته بعد عناء العمل وضجيج الشارع ووجوه الغرباء. ينتظر "زفته" كما يقولون، تلك اللحظة التي يدخل فيها إلى عش الزوجية حاملًا زوجته على كفوف الراحة، وهي تنظر إليه بنظرات الخجل والودّ، فيشعر أنه ملك الدنيا وما فيها.

لكن... يا للهول!

بعد شهر العسل، وبعد أن يتبخر "البصل" ويذوب سكر البدايات، تبدأ المواهب الصوتية الخفية عند الزوجة في الظهور. تتحول الهمسات إلى صرخات، والنظرات الحالمة إلى نظرات محاسبة، والابتسامة الدائمة إلى عبوسٍ مقيم. وتكتشف أيها المسكين أنك لم تتزوج أنثى، بل تزوجت "قارئةَ أخبارٍ صوتية" تصدح بصوتها في كل صباح ومساء.

إنها "الزفة على الطريقة الكويتية"!

لا أتحدث هنا عن الزفة التراثية الكويتية المعروفة في الأعراس، تلك التي تحمل الفرح والبهجة، بل أتحدث عن زفةٍ من نوعٍ آخر: زفة التوبيخ اليومي، والصراخ المستمر، والبهدلة الدائمة. زفةٌ تبدأ مع أول خطأ — وقد لا يكون خطأً أصلًا — وتنتهي بمأساةٍ زوجية كاملة.

الزوجة المسكينة — أو فلنقل الزوج المسكين! — تجد نفسها أمام مذيعةٍ عربية فصيحة، تجيد فنون التحقيق والاستجواب، وتتقن استخدام طبقات الصوت العالية والمتوسطة والمنخفضة، وتُبدع في تقطيع الكلمات وتقطيع الأعصاب معًا. فإذا تأخر الزوج عن المنزل ساعةً واحدة، أُقيمت عليه "زفة" عاجلة. وإذا نسي شراء غرضٍ من السوق، أُقيمت عليه "زفة" موسعة. وإذا أبدى رأيًا يخالف مزاجها، أُقيمت عليه "زفة" استثنائية بمشاركة الجيران والأهل.

ولا تظنوا أن الأمر يتعلق بالضروريات فقط، فالزفة عند بعض النساء تُفتح لأتفه الأسباب: لماذا لم ترد على الهاتف فورًا؟ لماذا جلست مع أصدقائك؟ لماذا تكلمت بصوتٍ منخفض؟ لماذا تنفست بطريقة غريبة؟!

المشكلة الحقيقية أن هذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة، بل هي إرثٌ اجتماعي ثقيل. الفتاة التي تربّت في بيتٍ اعتادت فيه أن ترى أمها "تزف" أباها صباح مساء، وتسمع نبرة الصراخ والتحقير والتعالي، تختزن هذه الصورة في لاوعيها، ثم تُخرجها فور زواجها. تظن المسكينة أن "الرجال لا يفهمون إلا بالصوت العالي"، وأن "الزوج يحتاج إلى من تردعه"، وأن "المرأة القوية هي التي ترفع صوتها". في حين أن القوة الحقيقية في الأنوثة، والرقة، وحسن التبعل، لا في الصراخ والغلظة.

وهكذا تتحول أنثى من المفترض أن تكون سكنًا لزوجها، إلى غولٍ أسطوري لا يهدأ ولا ينام. وتتحول بيوتٌ كان يفترض أن تمتلئ بالمودة والرحمة، إلى ساحات معارك يومية. والنتيجة؟ نسب طلاق مرتفعة، وأطفالٌ مشتتون، ورجالٌ يبحثون عن أي مهربٍ من الجحيم الذي يعيشون فيه.

والواقع المرّ أشد قسوة مما يبدو. فحين تُفتح أبواب المحاكم، تجد أمامك طوابير من رجالٍ يطلبون الخلاص بالطلاق بعد سنين من الصبر المرير، لا لخيانةٍ أو تقصيرٍ مالي أو سببٍ جوهري، بل لأنهم ببساطة لم يعودوا قادرين على تحمّل "زفةٍ" يومية تحرق أعصابهم وتقتل فيهم كل مشاعر الحب. وحين تسأل أحدهم عن سبب طلبه الطلاق، يقول لك بصوتٍ مبحوح: "لم أعد أطيق الصراخ، ولا التحقير، ولا التعامل معي كأني عدو". وحين تسمع قصص أطفالٍ يعيشون بين أبوين مفترقين، تدرك أن "الزفة الكويتية" لم تهدم بيتًا واحدًا، بل هدمت أجيالًا كاملة.

بعض الأزواج يطلّق فورًا، وبعضهم يصبر على مضض، وبعضهم — يا للأسف — يبحث عن زوجةٍ أخرى ليجد فيها ما فقده في الأولى: الرجل يحتاج إلى الحنان، والرقة، والأنوثة، وحسن المعاملة. نعم، هو يحتاج إلى ذلك بشدة، لأنه طوال يومه خارج المنزل يعاني من ضغوط العمل، وجفاء الغرباء، وصراع الحياة. فإذا عاد إلى بيته ليجد زوجةً "تزفه" على الطريقة الكويتية، فإنه يشعر أنه لم يغادر ساحة الحرب أصلًا.

وإذا كانت المرأة جميلة الصورة، لكنها بهذا التعامل الخشن، فإنها تصبح أبشع النساء في نظر زوجها. فالجمال الحقيقي ليس في تقاسيم الوجه، بل في رقة الروح، ولطف المعشر، وحلاوة المنطق. وإن أجمل ما في المرأة أنوثتها التي تجعل الرجل يشعر بأنه رجل، لا أنها منافِسةٌ له في الرجولة والغلظة.

ولست أقول أبدًا إن المرأة يجب أن تُظلم أو تُكبت أو يُعتدى عليها، حاشا لله. فالمرأة شريكة الرجل، ولها كرامتها وحقوقها. لكن في الوقت نفسه، لا أرضى لنفسي ولا لأي رجل أن يكون "زفّةً" دائمة، وبهدلةً لا تنتهي، لمجرد أن زوجته ورثت هذه الطباع من بيئتها.

وهنا أوجه رسالتي الصريحة إلى كل امرأةٍ تجعل من بيتها ساحة صراخ، وإلى كل أمٍّ ربّت ابنتها على الغلظة والتحكم:

اعلمن أنكنَّ إذا فوجئتنَّ يومًا بطلب الطلاق، أو إذا رأيتنَّ زوجكنَّ يفكر في الزواج بأخرى، أو إذا انهار البيت الذي ظننتنَّ أنكنَّ تحافظنَّ عليه بحدّة الصوت وعلوّ النبرة، فلا تلومنَّ إلا أنفسكنَّ. نعم، أنفسكنَّ التي أغرقت الرجل في بحرٍ من الإهانات اليومية حتى لم يجد متنفسًا سوى الهروب. ولا تلومنَّ أمهاتكنَّ اللاتي ربينكنَّ على أن "الرجل لا يُفهم إلا بالصراخ"، و"الزوج لا يحترم إلا المرأة القاسية"، فغرست فيكنَّ هذه البذور السامة التي أفسدت بيوتكنَّ من حيث ظننتم أنكنَّ تبنينها.

والأشد مرارةً أن بعضكنَّ إذا طُلّقت أو هُجرت خرجت إلى الفضائيات تشكو ظلم الأزواج، وتتحدث عن "الرجال الذين لا يقدرون المرأة"، في حين أن الحقيقة المرة أنكنَّ من دفعنَّ هؤلاء الرجال إلى حافة الهاوية، فما كان منهم إلا أن قفزوا طلبًا للنجاة.

فاتقين الله أيتها الأمهات في تربية بناتكن. علّموهنّ الرقة قبل القسوة، والاحتواء قبل الصراخ، والأدب قبل الزفّة. فالبيت الذي يُدار بالصراخ يُهدم، والزوج الذي يُعامل بالغلظة يتمرد، والمودة التي أمر الله بها لا تُبنى إلا بالرفق. وقولوا لهنّ إن الأنوثة قوة، وإن الصوت الخفيض أبلغ من الصراخ، وإن الكلمة الطيبة صدقة تدخل البيت من أوسع أبوابه.

وفي النهاية، أرجو من الله تعالى أن لا أكون من هؤلاء الذين "يُزفّون على الطريقة الكويتية". وإن كنتُ من أهل البلاء الصابرين، فأسأل الله أن يجعل صبري طريقًا إلى الجنة، وأن يعينني على ما أسمع من "فنون الزفّة" دون أن أفقد أعصابي أو أتصرف بشيء لا تحمد عقباه على الأسرة.