الأخلاق والعلاقات

لن أعيش بجلباب أبي ولكن سأخلع أبي وجلبابه نهائياً وأعيش كما أريد

يتناول المقال ظاهرة انسلاخ بعض الأبناء عن قيم أبائهم بتأثير من وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تحول الأب في نظرهم إلى عائق بدلاً من القدوة، واستُبدل بالمؤثرين. وتستعرض السطور مظاهر هذه الفجوة كامتناع الابن عن مشاركة محتوى والده أو مسح تعليقاته، محللة الأسباب بين التقديس الافتراضي وانفصام الهوية. ويختتم بالدعوة لاستعادة جسور الثقة بالحوار، والصبر، وتقديم القدوات الصالحة بدلاً من الجفاف الرقمي.

6 أغسطس 2026 · 4 دقائق قراءة · 5 قراءة
لن أعيش بجلباب أبي ولكن سأخلع أبي وجلبابه نهائياً وأعيش كما أريد

جملة قد يرددها بعض الأبناء في لحظة غضب أو رغبة في إثبات الذات، لكنها في حقيقتها تعكس فجوة عميقة بدأت تتسع داخل بيوتنا. لم يعد الأمر مجرد اختلاف طبيعي بين الأجيال، بل تحول لدى البعض إلى رغبة في الانسلاخ الكامل عن صورة الأب وقيمه، ليس بحثاً عن هوية مستقلة، بل تقليداً لنماذج جديدة صارت تنافس الأسرة على تربية أبنائنا.

لقد كبرنا ونحن نرى في آبائنا القدوة والنبراس، نستمع لهم ونفخر بهم. أما اليوم، فنلاحظ تحولاً في نظرة بعض الأبناء، حتى لآباء مثقفين ومتعلمين ويواكبون تطور العصر. لم يعد الأب عندهم هو الحكيم، بل قد يُنظر إليه أحياناً وكأنه عائق يقف في وجه "طموحاتهم" ورغباتهم التي تشكلت عبر وسائل التواصل الاجتماعي. أصبح المؤثرون وصنّاع المحتوى التافه هم القدوة الجديدة، يقدمون نماذج حياة برّاقة وسطحية، تدفع الأبناء للشعور بأن آراء أهلهم وتوجيهاتهم لم تعد تصلح لهذا الزمن، وأن الاستقلال التام عن الأسرة هو الطريق الوحيد ليعيشوا "كما يريدون".

إنه تحدٍ حقيقي أن ترى جيلاً يتربى على يد خوارزميات تيك توك وفيسبوك قبل أن يتربى على قيم المنزل. جيل يرى في وجوده بين أهله مجرد ضرورة مؤقتة، ولا يفخر بهم كما كنا نفعل. هذا ليس حكماً على كل الشباب، فما زال الخير موجوداً، لكن الظاهرة تستحق التأمل. لقد تحول بعض "المشاهير" الذين يجنون ثرواتهم من متابعة أبنائنا إلى أرباب للفكر والسلوك، يقدمون محتوى يجذب الملايين لكنه يفرّغ العقول من جوهرها، ويُضعف الصلة بين الابن وأسرته.

قصة تعكس عمق المأساة

من القصص التي تجسد هذا التحول المؤلم، قصة ذلك الأب الذي يملك محتوى علمياً قوياً وثرياً، أفنى سنوات في بنائه ليقدم الفائدة. في يوم من الأيام، طلب من ابنه أمراً بسيطاً: أن يعيد نشر أحد مقالاته القيّمة ليستفيد منها متابعو الابن. لكن المفاجأة كانت في ردّة فعل الابن؛ إذ تغيّر وجهه فجأة وكأنه طُلب منه أمراً معيباً! لم تكن المشكلة في المقال، بل في أن متابعيه "سيعرفون أنه والده". لقد تحول الأب المثقف في نظر ابنه إلى "عار" يخشى أن ينكشف في عالمه الافتراضي المصقول.

وفي واقعة أخرى لا تقل مرارة، علّق أب على منشور لابنه بكلمات فخر واعتزاز بإنجاز حققه، فإذا بالابن يبادر بمسح التعليق فوراً، وكأن صوت أبيه يشوه صورته أمام جمهوره. إنها ليست مجرد تصرفات مراهقة عابرة، بل إشارات إلى مرض أعمق: انقلاب في سلم القيم حيث صارت "الصورة الاجتماعية" أمام الغرباء أهم من مشاعر أقرب الناس.

دراسة الأسباب: لماذا وصلنا إلى هنا؟

لا يمكن فهم هذه السلوكيات بمعزل عن البيئة الرقمية التي غرست في الأبناء مفاهيم مغلوطة:

  • عبادة "الصورة المثالية": المنصات الاجتماعية تدفع المراهقين لبناء شخصية افتراضية منفصلة عن الواقع، يخشى فيها أي عنصر قد يبدو "تقليدياً" كوجود الأب أو الأم، لأنه قد يقلل من "كولنس" (روعة) الحساب.
  • قدوة المشاهير السطحية: حين يكون قدوة الشاب مؤثراً يرقص أو يستهزئ بكل ما هو جاد، يصبح الأب المتعلم والمتخصص "ثقيلاً" و"قديماً"، حتى لو كان يواكب التطور. المعيار هنا ليس العلم، بل عدد المتابعين والإعجابات.
  • انفصام الهوية: يعيش الابن هويتين: واحدة في المنزل قد يحترم فيها والده بشكل خافت، وأخرى على الشبكة يتبنى فيها قيم العزلة عن الأسرة واستقلالية مبالغ فيها، فيحدث الصراع داخله فينتصر للهوية الرقمية الأكثر إغراءً.

محاولة للعلاج: خطوة نحو استعادة الجسور

ليس المطلوب أن نحارب التكنولوجيا، بل أن نتعلم كيف نروض تأثيرها:

  • بناء الثقة قبل النشر: قبل أن نطلب من الأبناء مشاركة محتوانا، علينا أن نبني معهم حواراً حقيقياً حول قيمة ما نقدمه، ونفهم عالمهم أولاً ليشعروا أننا جزء منه لا دخيل عليه.
  • تعزيز فخر الانتماء بلطف: يمكن تشجيع الأبناء على الفخر بأسرهم من خلال قصص عائلية إيجابية تُروى بحب، لا بفرض أو توبيخ، وحين نعلّق على إنجازاتهم، نختار كلمات تليق بعالمهم وتضيف لهم قيمة أمام متابعيهم، لا أن نبدو كمن يتطفل على نجاحهم.
  • توجيه البوصلة نحو قدوات حقيقية: لا يكفي أن ننتقد قدواتهم السيئة، بل نقدم لهم بدائل ملهمة من العلماء والمفكرين، ونربط بين اهتماماتهم الرقمية وبين النماذج الناجحة التي تحترم العلم والعائلة.
  • الصبر والدعاء: حين نصل إلى شعور "فقدان السيطرة"، يبقى السلاح الأقوى هو الدعاء الصادق بأن يهدي الله الأبناء، ثم الصبر على تربيتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، فاستعادة القلوب تحتاج إلى وقت وجهد متواصلين.

لقد كنا قبل ثلاثين أو أربعين عاماً نتمنى لو أن كلمة تشجيع واحدة تصدر من آبائنا، كانت تلك الكلمة ترفع معنوياتنا لأيام. أما اليوم، فأصبحت كلمات الآباء تُمسح من على الشاشات! إنه انقلاب عجيب في المشاعر والأولويات، يدعونا للوقوف طويلاً لنعيد ترتيب علاقتنا بأبنائنا وعلاقتهم بالعالم الافتراضي.

فأي تحدٍ يواجهه جيلنا هذا من الآباء؟ إن المشكلة ليست في التطور نفسه، بل في الفراغ الذي تركناه ليملأه غيرنا، وفي غياب الحوار الهادئ الذي يبني جسور الثقة بدلاً من جدران الصدام. فلله الأمر من قبل ومن بعد، وهو وحده القادر على إصلاح ذات البين.

اللهم رحمتك بأبنائنا، واهدهم بعد ضلال، وأنت على كل شيء قدير. اللهم ردّهم إليك رداً جميلاً، وألهمنا وإياهم رشدهم، وقوّم سلوكهم برحمتك يا أرحم الراحمين.