المجتمع والحياة

هذاك أول… والأوّل تحوّل

تحكي القصة عن أطفال آثروا زميلتهم الفقيرة «وفاء» على أنفسهم، فكتبوا جميعًا اسمها في قرعة جائزة الحذاء، مما دفع زوج المعلمة إلى شراء أحذية للجميع. ومن هذه الحكاية ينطلق المقال ليتحسر على تراجع الوفاء والتراحم بين الناس، ويدعو إلى إحياء هذه القيم بالمواقف الصغيرة: تفقد المحتاج، ومساندة القريب، وجبر الخاطر، والتنازل عن بعض الرغبات لإسعاد الآخرين؛ فالوفاء لم يمت، لكنه ينتظر من يوقظه.

31 يوليو 2026 · 3 دقائق قراءة · 4 قراءة
هذاك أول… والأوّل تحوّل

تروي قصة متداولة أن معلمةً في قرية يمنية وعدت طلابها بحذاء جديد لمن يحصل على العلامة الكاملة. وحين نجح الجميع، اقترح الأطفال إجراء قرعة بينهم، فخرج اسم الطفلة «وفاء عبد الكريم»، وهي أشدهم حاجةً إلى الحذاء.

لكن المفاجأة ظهرت لاحقًا، عندما فتحت المعلمة أوراق القرعة، فوجدت أن جميع الأطفال قد كتبوا اسم وفاء بدلًا من أسمائهم؛ فقد أراد كل واحد منهم الحذاء، لكنهم رأوا أن حاجتها إليه أكبر من حاجتهم. وتأثر زوج المعلمة بموقفهم، فباع ساعته واشترى أحذيةً لجميع الأطفال، ثم امتد الخير إلى بقية طلاب المدرسة.

قصة جميلة ومؤثرة، وإن كنا لا نعلم مدى صحتها، وقد تكون من القصص التي صيغت لتوقظ في الناس مشاعر الرحمة والإيثار. لكنني حين قرأتها دمعت عيناي، لا من شدة التأثر بأحداثها وحدها، بل لأن مثل هذا الموقف أصبح في زماننا أقرب إلى الأسطورة.

يا وفاء عبد الكريم… لقد انعدم الوفاء!

انعدم بين الأخ وأخيه، وضعف بين الأصدقاء، وتراجع بين الجيران. أصبح كل إنسان مشغولًا بنفسه، لا يدري عن غيره، وربما لا يريد أن يدري. وإن ظهر شيء من الوفاء لصديق أو جار أو قريب، فكثيرًا ما يكون مرتبطًا بمصلحة، وينتهي بانتهائها.

وكما يقول أهل الكويت بلهجتهم المحببة إلى قلبي:

«هذاك أول… والأوّل تحوّل».

نعم، هذاك أول، عندما كان الجار يعرف حاجة جاره قبل أن يطلب، وكان الأخ يحمل هم أخيه، وكان الصديق يقف مع صديقه في الضيق قبل الفرح. أما اليوم، فقد اتسعت البيوت وضاقت القلوب، وكثرت وسائل التواصل وقلّ التواصل الحقيقي، وأصبح الإنسان قادرًا على معرفة أخبار العالم كله، لكنه لا يعرف ما إذا كان جاره قد نام جائعًا.

وأحيانًا أتأمل ما نراه من انشغال كل إنسان بنفسه، فأجد فيه صورة مؤلمة تذكّر بمعنى قول الله تعالى:

﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ۝ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ۝ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ۝ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾

تلك الآيات تصف هول يوم القيامة، ولا يجوز أن نساوي بين الدنيا والآخرة، لكننا نرى في بعض أحوال الناس اليوم شيئًا من الانشغال القاسي بالنفس: كل امرئ له شأنه، وكل إنسان يقول: نفسي نفسي، حتى في مواطن يستطيع فيها أن يمد يده إلى أخيه من غير أن يخسر شيئًا.

وقد لا تكون قصة «يوم القلوب البيضاء» حقيقية بتفاصيلها، لكن الفضائل التي تصورها حقيقية وممكنة. الإيثار ليس خيالًا، والوفاء ليس حكاية من الماضي، والرحمة ليست ضعفًا. إنها قيم تحتاج إلى من يحييها بالفعل، لا إلى من يكتفي بتداول القصص عنها.

ليس المطلوب أن يبيع كل إنسان ساعته، ولا أن يتنازل دائمًا عن كل ما يملك، بل أن ينظر حوله بقلب حي:

  • هل بين جيرانه محتاج يستحيي أن يطلب؟
  • هل له أخ أثقلته الحياة وهو يتظاهر بالقوة؟
  • هل له صديق غاب طويلًا ولم يسأل عنه؟
  • هل يستطيع أن يتنازل مرةً عن رغبة صغيرة ليصنع فرحة كبيرة في قلب إنسان؟

المجتمع لا تعيده إلى الرحمة الخطب وحدها، بل المواقف الصغيرة: زيارة، وسؤال، وستر، ومساعدة، وتغافل عن زلة، ووقوف مع مظلوم، ومواساة لمن انكسر قلبه.

فلنكن صادقين: ربما أصبحت هذه القصة أسطورية لأن واقعنا ابتعد كثيرًا عن معناها، لكن الأشد حزنًا أن نقرأها، ونتأثر بها دقائق، ثم نعود كما كنا.

إن كنا نتمنى وجود أطفال يكتب كل واحد منهم اسم «وفاء» في ورقته، فلنبدأ نحن أولًا بكتابة أسماء المحتاجين والمتعبين والمنسيين في قلوبنا.

تفقدوا إخوانكم وجيرانكم وأصدقاءكم؛ فالبركة في جبر الخواطر، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له.

ولعل الوفاء لم يمت تمامًا، لكنه ينتظر من يوقظه.

فلا تقولوا فقط: «هذاك أول… والأوّل تحوّل»، بل حاولوا أن تعيدوا شيئًا من ذلك الأول الجميل.