هذا من فضل ربي - حين تصبح النعمة اختبارًا لا سببًا للغرور
يعلّمنا موقف سليمان عليه السلام عند إحضار عرش ملكة سبأ أن أعظم النعم لا ينبغي أن تقود إلى الغرور، بل إلى الشكر والتواضع. فقد قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾. فالمال والعلم والقوة والجاه اختبارات، والمؤمن الحق ينسب الفضل لله، ويزداد بالنعم ورعًا وإحسانًا وتواضعًا، ولا يجعل نجاحه سببًا لنسيان المنعم.

من أعظم ما يحتاج إليه المؤمن في زمن القوة والنجاح والمال والجاه أن يتذكر حقيقة قد تغيب عن القلب حين تتكاثر النعم:
أن كل ما في يده إنما هو من فضل الله.
قد يظن الإنسان وهو ضعيف أنه سيكون شاكرًا إن أغناه الله، ومتواضعًا إن رفعه، وذاكرًا لله إن فتح عليه أبواب النجاح. لكن الامتحان الحقيقي يبدأ أحيانًا بعد وصول النعمة، لا قبلها.
فالمال امتحان، والعلم امتحان، والذكاء امتحان، والجاه امتحان، والسلطان امتحان، والصحة امتحان، والنجاح امتحان.
وقد ضرب الله لنا في نبيه سليمان عليه السلام واحدًا من أعظم الأمثلة على ذلك.
ملك لا ينبغي لأحد من بعده
دعا سليمان عليه السلام ربه فقال:
﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾
سورة ص: 35
فوهبه الله ملكًا عظيمًا استثنائيًا، وسخّر له من خلقه ما لم يكن للملوك على الصورة التي كانت له.
ومع هذا الملك الهائل، والقوة والسلطان، لم يكن قلب سليمان متعلقًا بذاته، ولم ينظر إلى ما حوله قائلاً: هذا بسبب عبقريتي، أو قدرتي، أو سلطاني.
وهنا تظهر التربية الإيمانية في أروع صورها.
عرش ملكة سبأ... لحظة تكشف حقيقة القلب
في قصة ملكة سبأ طلب سليمان عليه السلام أن يؤتى بعرشها.
فقال الذي عنده علم من الكتاب:
﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾
أي قبل أن يعود إليه طرفه بعد النظر، في زمن بالغ القصر.
ثم يقول الله تعالى:
﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾
سورة النمل: 40
توقف عند أول كلمة قالها هذا النبي الملك:
﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾
لم يقل: هذا من قوة ملكي.
ولم يقل: هذا بسبب جنودي.
ولم يقل: أنا الذي وصلت إلى هذه المكانة.
ولم يتحدث عن قدرته أو هيبته أو ما سُخّر له.
كان أول ما تحرك في قلبه ولسانه هو: فضل ربي.
وهنا يظهر الفرق الهائل بين قلب المؤمن وقلب المغرور.
النعمة قد تكون أخطر امتحانات الإنسان
ثم قال سليمان عليه السلام شيئًا أعظم:
﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾
فلم يرَ القوة مجرد تكريم، بل رآها اختبارًا.
ولم يرَ المال مجرد متعة، بل أمانة.
ولم يرَ السلطان دليلًا على أنه أفضل من الناس، بل سؤالًا سيحاسب عليه.
وهذه نظرة لو استقرت في قلب الإنسان لتغيرت حياته كلها.
عندما يفتح الله عليك في تجارتك، فقل في قلبك: ليبلوني أأشكر أم أكفر.
عندما يرزقك علمًا أو ذكاءً أو قدرة لا يملكها كثير من الناس: ليبلوني أأشكر أم أكفر.
عندما يجعل لك كلمة مسموعة أو مكانة أو سلطة: ليبلوني أأشكر أم أكفر.
وعندما تنجح فيما فشل فيه غيرك، لا تجعل أول فكرة تمر بقلبك: أنا أذكى منهم.
بل ليكن قلبك أقرب إلى قول سليمان: هذا من فضل ربي.
الشيطان يحب كلمة: أنا
إن من أخطر أبواب الشيطان على الإنسان أن يحول نعم الله في قلبه إلى أسباب للكبر.
فبدل أن يقول العبد: رزقني الله، يهمس له الشيطان: أنت صنعت نفسك.
وبدل أن يقول: وفقني الله، يقول: أنا فعلت ذلك بذكائي.
وبدل: علمني الله، تصبح: أنا أعلم من غيري.
وبدل: مكنني الله، تصبح: أنا قوي ولا أحتاج إلى أحد.
وهنا تبدأ النعمة التي كان ينبغي أن تقرّب الإنسان من ربه في التحول إلى حجاب بينه وبين الله.
وأصل بلاء إبليس نفسه كان الكبر.
﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾
فكانت كلمة "أنا" حين امتزجت بالكبر والاعتراض سببًا في هلاكه.
أما سليمان عليه السلام، ومع ما أوتي من الملك، فقال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾
فشتان بين "أنا خير منه" وبين "هذا من فضل ربي".
الأولى تنفخ النفس حتى تهلكها، والثانية تكسر الكبر وتحفظ النعمة.
التواضع الحقيقي يظهر عند القدرة
ليس التواضع أن يكون الإنسان ضعيفًا فلا يجد ما يتكبر به.
وإنما التواضع العظيم أن تكون قادرًا على التكبر ثم تعرف ربك.
- أن يكون لديك المال ثم لا ترى نفسك أفضل من الفقير.
- أن يكون لديك العلم ثم لا تحتقر من يعلم أقل منك.
- أن يكون لديك منصب ثم لا تذل من تحت يدك.
- أن يكون لك أتباع ومحبة بين الناس ثم لا تنسى أنك عبد لله.
- أن تحقق إنجازًا ضخمًا ثم تقول من أعماق قلبك: لولا فضل الله ما وصلت.
لهذا تبدو كلمات سليمان عليه السلام بهذه العظمة.
ملكٌ له سلطان عظيم، ومع ذلك حين رأى العرش أمامه لم يسكره المشهد ولم يزد قلبه تعلقًا بنفسه، بل زاده تعلقًا بالله.
ومن شكر فإنما يشكر لنفسه
﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾
فالله سبحانه لا يحتاج إلى شكرنا.
نحن الذين نحتاج إلى الشكر.
نحتاجه لكي تبقى قلوبنا سليمة.
نحتاجه لكي لا تفسدنا النعم.
نحتاجه حتى لا نتحول من عباد لله إلى عباد لأنفسنا وإنجازاتنا وأموالنا.
ونحتاجه لأن الشاكر يعيش وهو يرى يد الله في حياته.
- يرى فضل الله في رزقه.
- وفي أهله.
- وفي صحته.
- وفي عقله.
- وفي نجاحه.
- وفي علمه.
- وفي الناس الذين سخرهم الله لمساعدته.
- بل حتى في الفكرة التي خطرت في ذهنه وأدت إلى نجاحه.
فمن الذي خلق العقل الذي فكر؟
ومن الذي أعطى الصحة حتى عمل؟
ومن الذي مدّ في العمر حتى وصل؟
ومن الذي فتح الباب في الوقت المناسب؟
ومن الذي دفع عنه من البلاء ما لو أصابه لما استطاع مواصلة الطريق؟
كل الطرق تعود في النهاية إلى: هذا من فضل ربي.
المؤمن يخاف من النعمة كما يرجوها
الورع ليس أن تخاف من الفقر فقط، بل أن تخاف أيضًا مما قد يفعله الغنى بقلبك.
ليس أن تخاف من الضعف وحده، بل أن تخاف مما قد تفعله القوة بنفسك.
قد يحفظ الله عبدًا وهو فقير، فإذا أغناه نسي.
وقد يكون الإنسان متواضعًا وهو مجهول، فإذا عرفه الناس تغير.
وقد يكون قريبًا من الله وهو محتاج، فإذا استغنى قال في نفسه: لم أعد بحاجة لأحد.
وهذه لحظة خطيرة.
المؤمن الصادق كلما زادت نعمته زاد خوفه من التقصير في شكرها.
وكلما ارتفعت مكانته ازداد تواضعه.
وكلما كثر علمه ازداد إدراكه لجهله.
وكلما قويت يده ازداد حرصه على ألا يظلم بها أحدًا.
لا تنسب لنفسك ما وهبك الله
اجتهد. اعمل. تعلم. خطط. أتقن. ابنِ.
واستخدم كل ما وهبك الله من عقل وقدرة.
فالإسلام لا يدعو إلى الكسل ولا إلى إلغاء الأسباب.
لكن بعد أن تأخذ بكل الأسباب لا تجعل الأسباب آلهة في قلبك.
لا تقل: نجحت لأنني عبقري فقط.
بل قل: وفقني الله، وأعانني، ثم بذلت ما استطعت.
لا تقل: كوّنت هذه الثروة بقوتي وحدي.
بل تذكر كم من إنسان قوي العقل والجسد خسر كل شيء في لحظة.
وكم من عالم مرض فتوقف.
وكم من صاحب سلطان زال سلطانه.
وكم من غني أصبح فقيرًا.
إن الأسباب مأمورون بها، لكنها لا تعمل مستقلة عن إرادة الله.
امتحن قلبك عند كل نجاح
إذا أردت أن تعرف موقع النعمة من قلبك، فاسأل نفسك:
- هل جعلتني نعم الله أكثر تواضعًا أم أكثر غرورًا؟
- هل جعلني المال أكثر إحسانًا أم أكثر تعلقًا بالدنيا؟
- هل جعلني العلم أكثر رحمة بالجاهل أم أكثر احتقارًا له؟
- هل جعلتني الشهرة أكثر شكرًا أم أكثر طلبًا للثناء؟
- هل جعلني النجاح أقرب إلى الله أم أكثر حديثًا عن نفسي؟
وهنا يظهر معنى الآية مرة أخرى:
﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾
هذه ليست جملة في قصة قديمة.
إنها ميزان يصلح لكل نعمة تمر بك اليوم.
إذا أعطاك الله... فازدد انكسارًا له
ما أجمل أن يصل الإنسان إلى مكانة كبيرة، ثم يبقى في داخله ذلك العبد الذي يعرف أنه فقير إلى الله.
- إذا مدحه الناس، عرف عيوب نفسه.
- إذا نجح، سجد لله شكرًا.
- إذا رزق، تصدق.
- إذا تعلم، علّم.
- إذا قوي، نصر الضعيف.
- إذا تولى أمرًا، عدل.
- إذا كثرت أمواله، ازداد إحسانه.
وإذا رأى أثر نعم الله حوله قال كما قال النبي الملك سليمان عليه السلام:
﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾
هكذا تحفظ النعم القلب بدل أن تفسده.
وهكذا يصبح النجاح طريقًا إلى الله بدل أن يكون طريقًا إلى الكبر.
الخاتمة: مهما بلغت... أنت عبد لله
قد يبلغ الإنسان من العلم ما يبلغ.
وقد يجمع من المال ما يجمع.
وقد يكون له من المنصب والشهرة والسلطان ما لم يكن يتخيله يومًا.
لكن يبقى السؤال الذي طرحه سليمان عليه السلام على نفسه حاضرًا:
أأشكر أم أكفر؟
فإن فتح الله عليك بابًا من أبواب الدنيا، فلا يكن أول ما تراه نفسك.
انظر أولًا إلى المنعم.
وإذا حققت نجاحًا يدهش الناس، فلا تقل في قلبك: انظروا ماذا فعلت.
بل اجعل لك نصيبًا من أدب سليمان: هذا من فضل ربي.
وإذا زادت نعم الله عليك، فلا تظن أن كثرتها شهادة لك بأنك أفضل من الآخرين.
ربما كانت النعمة امتحانك الأكبر.
فطوبى لمن عرف المنعم في النعمة.
وطوبى لمن زادته القوة تواضعًا.
وزاده المال إحسانًا.
وزاده العلم خشية.
وزاده النجاح شكرًا.
وزاده السلطان عدلًا.
ذلك هو الورع الذي يحفظ القلب من أخطر فتنة:
أن ينسى الإنسان صاحب الفضل، فينسب الفضل إلى نفسه.
فيا رب، إذا أنعمت علينا فلا تجعل نعمك سببًا لغفلتنا، واجعلنا ممن إذا رأوا آثار فضلك قالوا بقلوب صادقة:
هذا من فضل ربي.
مقالات ذات صلة
ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور
النور الحقيقي هبة من الله، يناله الإنسان بالإيمان والطاعة والتقوى واتباع هدي النبي ﷺ، لا بالمال أو الجاه أو الذكاء وحدها. فالهداية والتوفيق والسكينة والبركة كلها من الله، وقد يعيش البسيط مطمئنًا بنور ربه، بينما يضطرب من يملك الدنيا بلا هداية. فخذ بالأسباب، واعمل واجتهد، لكن اجعل قلبك متعلقًا بالله، لأن: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾.
نسعى للرزق ولا نملكه… ونحفظ الصحة ولا نملك الأجل
نسعى للرزق لأن الله أمرنا بالسعي، لكننا نوقن أن الرزق بيده وحده، كما نحافظ على صحتنا لأنها أمانة، دون أن نظن أن الصحة تملك الأجل أو تمنع الموت. فالعمل والعلاج والغذاء المعتدل أسباب نأخذ بها، أما النتائج فبقدر الله. ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت﴾. فاعمل، وتداوَ، وكل من الطيبات بلا إسراف، ولا تُهلك صحتك طلبًا للرزق، ولا راحتك خوفًا من الموت.
إنما يرحم الله من عباده الرحماء
الرحمة خُلُق عظيم وشكرٌ لنعم الله؛ فالقوي يرحم الضعيف، والغني يعين المحتاج، والعالم يرفق بالجاهل. وقد علّمنا النبي ﷺ أن «من لا يَرحم لا يُرحم»، وأن الرحمة تشمل الصغير والكبير، والمخطئ والفقير، بل حتى الحيوان. وهي لا تعني ترك العدل، بل الإصلاح بلا إذلال والعفو بلا ضعف. فارحم بما تستطيع؛ بكلمة طيبة، أو مساعدة، أو ستر، أو مواساة، رجاء رحمة الله في الدنيا والآخرة.