أين ينبغي أن يكون الإنسان العاقل؟ حكمة المكان والزمان في حياة الإنسان
خلق الله الإنسان بالعقل والاختيار، ومن الحكمة أن يعرف أين يكون ومتى يكون ومع من يجلس. فالبيئة والصحبة والزمان تؤثر في السلوك كما تؤثر البيئة في سائر المخلوقات. والعاقل لا يضع نفسه في مواطن الفتن والخطر بلا ضرورة، بل يأخذ بأسباب الخير، فيعطي البيت والعمل والمسجد والعلم حقوقها. فالحكمة ليست معرفة الطريق الصحيح فقط، بل أن تضع نفسك فيه، في المكان والوقت والغاية المناسبة.

خلق الله الإنسان وميّزه بالعقل والقدرة على التفكير والاختيار، وجعل فيه غرائز وحاجات، ثم هداه إلى طريق الخير وحذّره من طريق الشر، فقال تعالى:
﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾
ومن مظاهر العقل أن يعرف الإنسان ليس فقط ماذا يفعل، بل أيضًا أين يكون ومتى يكون.
فالخير له أماكن وأسباب، والشر كذلك له أبواب وبيئات. وكثير مما يصيب الإنسان في حياته يبدأ من اختياره للمكان والزمان والصحبة.
لكل مخلوق بيئته
إذا تأملنا الطبيعة وجدنا أن الحيوانات تتحرك غالبًا بغريزتها نحو البيئات المناسبة لها.
فالأسود والنمور والذئاب توجد حيث تستطيع الصيد والعيش، والجرذان تكثر بالقرب من النفايات والمصارف حيث تجد غذاءها.
لكن الحيوان المفترس إذا خرج من بيئته ودخل القرى وبين الناس أصبح خطرًا عليهم وعلى نفسه.
الحيوان نفسه لم يتغير، وإنما تغير المكان.
والإنسان أولى من الحيوان بفهم هذه الحكمة، لأنه لا يتحرك بالغريزة وحدها، بل بالعقل والإرادة والمسؤولية.
لا تضع نفسك في موضع الخطر
كما أن الإنسان العاقل لا يدخل غابة مليئة بالحيوانات المفترسة بلا ضرورة، فمن الحكمة أيضًا ألا يضع نفسه باستمرار في أماكن الفتن والمعاصي ثم يثق بأنه لن يتأثر.
فالإنسان يتأثر بما يرى ويسمع ويكرر.
قد يستنكر المنكر أول مرة، ثم يعتاده، ثم يصبح وجوده أمامه أمرًا طبيعيًا، وربما انتقل بعد ذلك من المشاهدة إلى المشاركة.
ولهذا جاء التحذير من خطوات الشيطان؛ لأن كثيرًا من الانحراف لا يبدأ بقفزة كبيرة، وإنما بخطوات صغيرة.
والعاقل لا يقول: سأدخل الفتنة ثم أقاومها.
بل يقول أحيانًا:
لماذا أدخل إليها أصلًا ما دمت في غنى عنها؟
فالابتعاد عن أسباب الشر ليس ضعفًا، وإنما حكمة.
لكل مكان حقه
للبيت مكانه في حياة الإنسان؛ فيه السكينة والأسرة والتربية والراحة.
وللعمل زمانه؛ فيه السعي والإنتاج وطلب الرزق.
وللمسجد مكانه؛ فيه الصلاة والطمأنينة وتذكير النفس بعلاقتها بالله.
وللعلم مجالسه، وللأهل حقوقهم، وللراحة وقتها.
ومن الخطأ أن يطغى جانب على بقية الحياة.
فقد يكون الإنسان في مكان مباح، لكنه في الوقت الخطأ.
الجلوس مع الأصدقاء أمر حسن، لكنه يصبح تقصيرًا إذا كان على حساب الأسرة أو العمل.
والترفيه مباح، لكنه يصبح خسارة عندما يستهلك الوقت الذي يحتاج إليه الإنسان لدينه أو علمه أو رزقه.
لذلك لا يكفي أن يسأل المرء:
هل هذا المكان مباح؟
بل عليه أن يسأل أيضًا:
هل ينبغي أن أكون هنا الآن؟
الإنسان يتشكل بمن حوله
البيئة والصحبة تؤثران في الإنسان أكثر مما يظن.
من يجالس أهل العلم يتعلم، ومن يجالس أهل الخير يقوى على الخير، ومن يصاحب الكسالى يعتاد الكسل.
ومن يكثر الجلوس في مجالس الغيبة قد يجد نفسه يتحدث مثل أهلها، ومن يعيش طويلًا في بيئة تستخف بالمعصية قد تتغير معاييره دون أن يشعر.
لذلك فإن اختيار الأصدقاء والمجالس ليس أمرًا اجتماعيًا بسيطًا، بل هو جزء من إدارة الإنسان لعقله وقلبه وأخلاقه.
الحكمة ليست عزلة
هذا لا يعني أن يهرب الإنسان من الحياة أو يعتزل المجتمع.
فالطبيب يدخل مكان المرض ليعالج، والمصلح قد يذهب إلى مواضع الخلل ليصلح، والإنسان يسافر ويعمل ويواجه المشكلات ويخوض تجارب الحياة.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين من يدخل مكانًا لحاجة وغاية نافعة وهو واعٍ بمخاطره، وبين من يضع نفسه في كل موضع بلا هدف ثم ينتظر السلامة.
الشجاعة ليست تهورًا.
والانفتاح على الحياة لا يعني إلغاء الحدود.
السؤال الذي يستحق أن نسأله
من المفيد أن يسأل الإنسان نفسه من حين إلى آخر:
هل أنا الآن في المكان الذي ينبغي أن أكون فيه؟
ربما يكون المكان الصحيح في هذه اللحظة:
- بيتك مع أسرتك.
- أو عملك تؤدي واجبك.
- أو المسجد.
- أو عند والديك.
- أو مع أبنائك.
- أو أمام كتاب تتعلم منه.
- أو في فراشك تستريح استعدادًا ليوم جديد.
وربما يكون القرار الأكثر حكمة أحيانًا هو:
ألا تذهب إلى المكان الذي كنت تنوي الذهاب إليه.
الخلاصة
خلق الله الإنسان عاقلًا مختارًا، ولم يجعل حياته سلسلة من المصادفات.
وطريق الخير لا يكفي أن نحبه؛ بل يجب أن نأخذ بأسبابه.
فمن أراد العلم اقترب من أهله، ومن أراد الطاعة اختار بيئتها، ومن أراد العفة ابتعد عن مواطن الفتنة، ومن أراد أسرة مستقرة أعطاها من وقته، ومن أراد النجاح احترم مكان العمل وزمانه.
وقد تتغير حياة الإنسان بسبب قرارات تبدو صغيرة:
أين يذهب، ومع من يجلس، ومتى يبقى، ومتى يغادر.
فالعاقل ليس من يعرف الخير والشر فقط، بل من يحسن وضع نفسه في البيئة التي تعينه على الخير وتبعده عن الشر.
ومن أعظم صور الحكمة أن تكون في المكان الصحيح، في الوقت الصحيح، وللغاية الصحيحة.
مقالات ذات صلة
سر سعادة المرأة مع القهوة... ولماذا أدفع عشرين ريالًا لكوب لا يساوي ريالين؟
مقال ساخر يربط بين القهوة والسعادة الزوجية، انطلاقًا من تجربة شخصية مع لحظات هدوء الزوجة أثناء شربها القهوة، مقابل دهشة الزوج من أسعار المقاهي. وبين الفكاهة يشرح المقال أثر الكافيين والطقوس الاجتماعية في تحسين المزاج، ليخلص إلى أن قيمة القهوة قد لا تكون في المشروب نفسه، بل في لحظة الهدوء والحديث والمكان المريح الذي تصنعه.
أنا عارف نفسي... لو بقى معايا فلوس حابقى نمرود!
تستحضر المسرحية الكوميدية «إلا خمسة» معنى عميقًا حين يقول بطلها، بحسب ما بقي في الذاكرة: «أنا عارف نفسي، لو بقى معايا فلوس حابقى نمرود». فالمال قد يكون نعمة أو فتنة، والله يقدّر الأرزاق بعلمه وحكمته، ويعلم ما يصلح عباده. وليس الرضا تركًا للسعي، بل عملٌ بلا حسد ولا اعتراض، مع يقين أن الإيمان والصحة والسكينة وحسن الخلق من أعظم الأرزاق، وأن بعض المنع أو التأخير قد يكون رحمةً وحمايةً من شر لا نراه.
هذاك أول… والأوّل تحوّل
تحكي القصة عن أطفال آثروا زميلتهم الفقيرة «وفاء» على أنفسهم، فكتبوا جميعًا اسمها في قرعة جائزة الحذاء، مما دفع زوج المعلمة إلى شراء أحذية للجميع. ومن هذه الحكاية ينطلق المقال ليتحسر على تراجع الوفاء والتراحم بين الناس، ويدعو إلى إحياء هذه القيم بالمواقف الصغيرة: تفقد المحتاج، ومساندة القريب، وجبر الخاطر، والتنازل عن بعض الرغبات لإسعاد الآخرين؛ فالوفاء لم يمت، لكنه ينتظر من يوقظه.
