همةٌ حتى القمّة
تأمل تحفيزي في استثمار العقل والصحة والوقت، والجمع بين السعي والرضا، حتى يصبح الطموح بناءً متزنًا لا جوعًا لا ينتهي.

ليس الإنسان كائناً ضعيفاً كما يتوهّم، ولا خُلِق عاجزاً كما يُقنع نفسه حين يفشل. لقد خلقه الله تعالى مهيّأً للحياة، مزوّداً بكل ما يحتاجه ليعبرها بقوةٍ واتزان: عقلاً يميّز، وفطرةً تهدي، وقدراتٍ تتكيّف، ووقتاً وصحةً هما رأس مال كل إنجاز.
الحقيقة التي لا نحب الاعتراف بها هي هذه: ما يُسقط الإنسان ليس نقص القدرات، بل سوء استخدامها.
الله سبحانه وتعالى لم يخلق الإنسان فارغاً، بل أودع فيه من الذكاء الفطري ما يجعله يتجاوز أعقد الصعاب، ومن المرونة ما يمكّنه من التعلّم والنهوض بعد كل تعثّر. لكن الذي يُقعِده عن السير ليس قلة الرزق ولا ضيق الفرص، وإنما الكسل، والإحباط، والجهل، واتباع الهوى.
كم من إنسان يملك عقلاً راجحاً لكنه عطّله! وكم من شخص أُعطي صحةً وعافية فبدّدها بإسراف أو إهمال! وكم من وقتٍ أُهدر في اللهو والانتظار والمقارنات، ثم شُكيت الدنيا لأنها لم تُعطِ!
لو أن الإنسان آمن حقاً بما وهبه الله، واستثمر نعمة العقل والصحة والوقت، لارتفع إلى القمّة بلا ضجيج. ليس بالاندفاع الأعمى، بل بمنطقٍ، وتخطيط، وذكاء، وعقلٍ راجح. وليس بالغرور، بل بثقةٍ واعية بالله أولاً، ثم بالقدرات التي أودعها الله فيه.
نحن نعمل، ونجتهد، ونسعى، ولا نشك لحظةً أن الله يعطي بقدر ما يُحسن الإنسان العمل ويصدق في السعي. لكن أعظم ما يهبنا الله بعد السعي ليس المال ولا المنصب، بل الرضا. الرضا الصادق بما قُسِم لنا، والشكر على النعم الظاهرة والخفية، دون أن نُعلّق قلوبنا بما في أيدي الناس.
فكم من نعمةٍ نراها عند غيرنا ولا نعلم حقيقتها؟ لا نعلم: أَراضون هم أم ساخطون؟ مطمئنون أم قلقون؟ فالنعمة ليست في كثرتها، بل في الرضا بها.
وقد قال النبي ﷺ قولاً يضع الإنسان أمام مسؤوليته بوضوح: من رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط.
فالقضية ليست فيما أُعطيت، بل في موقفك مما أُعطيت. إن رضيت، عشت مطمئناً، متزناً، شاكراً. وإن سخطت، عشت متكدّراً، لا تشبع، ولا تهنأ، مهما كَثُر ما في يدك.
ومن أُعطي نعمةً فلم يشكرها، وراح يطارد المزيد بلا رضا، فمن حقه أن يجتهد ليبلغ ما يريد، لكن من دون رضا يتحوّل السعي إلى عذاب، والطموح إلى جوعٍ لا ينتهي. وهنا يقع الإنسان في الفخّ الذي حذّرنا الله منه: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ • حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾
ينشغل بالمزيد، وينسى المعنى، يجمع ولا يطمئن، يصل ولا يرتاح.
نعمة العقل ليست للجدل العقيم ولا لتبرير الفشل، بل لتوجيه القدرات، وتعلّم النافع، وإدارة الحياة بحكمة. ونعمة الصحة ليست للإسراف ولا للتقصير، بل للتوازن الذي يحفظ الجسد ليخدم الهدف. والوقت… ذلك الكنز الذي لا يعود، إما أن يكون سلّماً نرتقي به، أو عبئاً نندم عليه.
القمّة لا تُحجز لقلةٍ من الناس، بل تُفتح لمن جمع بين السعي والرضا، بين الأخذ بالأسباب، وشكر المنعم، بين الطموح، والقناعة.
لسنا بحاجة إلى قدرات جديدة، ولا إلى ظروف مثالية، نحتاج فقط أن نتوقف عن خيانة ما نعلم أنه حق، وأن نُحسن توجيه ما أعطانا الله.
فإن أردت القمّة، فارفع همّتك، وأحسن سعيك، وارضَ بما قسم الله لك… فبالسعي تُبنى الحياة، وبالرضا تُحفظ.
مقالات ذات صلة
في الطريق إلى جدة تحاورت مع ChatGPT… عن الكتابة، والإحباط، ولماذا سأستمر
في الطريق إلى جدة دار بيني وبين ChatGPT حوار طويل عن مشروعي ForgeVM وكتاباتي العربية التي لا تجد إلا عددًا قليلًا من القراء. سألته: هل أتوقف وأتفرغ للمشروع؟ فأجابني أن الكتابة ما دامت تمنحني الراحة والشعور بالفائدة فلا تجعل الأرقام تحكمها. قررت أن أستمر، فربما لا تُقرأ اليوم، لكن قد يأتي قارئها بعد سنوات؛ فالقراءة العميقة لا تختصر دائمًا في سطر.
علّمني الرجل الصالح
المقال يستلهم مقولة «علّمني الرجل الصالح» ليؤكد أن المجتمعات تحتاج إلى الحزم والمحاسبة والضمير، لا إلى المجاملة وترك الأخطاء تتفاقم. من الطريق إلى المال، ومن الجيرة إلى الوظيفة والتعليم والطب، يوضح أن الردع العادل والنصيحة الصادقة قد ينقذان الإنسان قبل الندم. فالرجل الصالح اليوم قد يكون قانونًا، أو أبًا، أو معلمًا، أو طبيبًا أمينًا، أو ضميرًا يوقظ صاحبه قبل السقوط.
احذر أن تُغلق باب التوفيق بكسر قلب والديك
قد يعرف الإنسان تفاصيل زمانه وتخصصه أكثر من والديه، لكنه قد يجهل ما يرونه بخبرة العمر وصدق المحبة. ليست المشكلة في اختلاف الرأي، بل في أن يتحول الاستقلال إلى قسوة والطموح إلى عقوق. استمع قبل أن تجادل، ووازن نصيحتهما بالعقل والواقع، وخالفهما بأدب إن لزم. لا تجعل نجاحك مبنيًا على حزن أب أو دمعة أم؛ فبر الوالدين لا يلغي شخصيتك، بل يفتح أبواب السكينة والبركة والتوفيق.