في الطريق إلى جدة تحاورت مع ChatGPT… عن الكتابة، والإحباط، ولماذا سأستمر
في الطريق إلى جدة دار بيني وبين ChatGPT حوار طويل عن مشروعي ForgeVM وكتاباتي العربية التي لا تجد إلا عددًا قليلًا من القراء. سألته: هل أتوقف وأتفرغ للمشروع؟ فأجابني أن الكتابة ما دامت تمنحني الراحة والشعور بالفائدة فلا تجعل الأرقام تحكمها. قررت أن أستمر، فربما لا تُقرأ اليوم، لكن قد يأتي قارئها بعد سنوات؛ فالقراءة العميقة لا تختصر دائمًا في سطر.

في الطريق إلى جدة، كان لدي متسع طويل من الوقت، فدخلت في حوار امتد لأكثر من ساعة مع ChatGPT.
لم يكن الحوار سؤالًا تقنيًا عابرًا، ولا طلبًا لكتابة كود أو حل مشكلة برمجية، بل كان حديثًا طويلًا عن العمل، والعمر، والمشاريع، والوقت، وما الذي يستحق أن أنفق عليه ما بقي من الجهد.
تحدثت معه كثيرًا عن مشروعي الأساسي ForgeVM، وهو المشروع الذي أحاول من خلاله بناء بنية تحتية منخفضة المستوى للغات البرمجة وأدواتها، وهو مشروع يحتاج إلى تركيز هائل ووقت طويل، خصوصًا عندما يعمل الإنسان عليه بنفسه ويحمل معظم تفاصيله فوق كتفيه.
وبعد حديث طويل عن المشروع وخططه وما ينبغي أن أركز عليه، انتقلت معه إلى موضوع آخر يبدو أصغر من الناحية التقنية، لكنه بالنسبة لي يحمل معنى مختلفًا تمامًا.
قلت له:
أنا أكتب بالعربية.
أكتب مقالات، وأحيانًا كتيبات إرشادية وتجارب حياتية.
وقد قاربت على الستين من العمر، ومررت خلال هذه السنوات بتجارب كثيرة في العمل، والحياة، والتقنية، والتعامل مع الناس، والنجاح، والفشل، والمشروعات، والعلاقات، والتحولات التي مرت بها مجتمعاتنا.
وأقول لنفسي دائمًا:
لماذا لا أكتب شيئًا مما تعلمته؟
ربما يقع المقال في يد شاب فيوفر عليه خطأ وقعت فيه.
وربما يقرأ أحدهم تجربة عشتها فيرى منها زاوية لم يكن يراها.
وربما تكون كلمة كتبتها في لحظة ما سببًا في أن يعيد إنسان التفكير في قرار أو موقف.
هذه هي الفكرة ببساطة.
أنا لا أكتب هذه المقالات بحثًا عن دخل، ولا أبيع هذه الكتيبات، ولا أنتظر منها مردودًا ماديًا.
أشعر فقط بالراحة عندما أفرغ الفكرة التي في ذهني إلى كلمات مرتبة، ثم أضعها على الموقع وأقول:
لقد تركت شيئًا قد يكون نافعًا لإنسان ما.
ولكن المشكلة تبدأ بعد ذلك.
عندما تنظر إلى عدد القراء
قد تنتهي من مقال أمضيت فيه وقتًا طويلًا.
تراجعه.
وتعدله.
وتنشره.
ثم تنتظر.
تمر الساعات.
ثم الأيام.
وتنظر إلى عدد القراءات فتجد الرقم لا يكاد يتجاوز أصابع اليد الواحدة.
وأحيانًا أشعر أنني لا أملك قارئًا عربيًا يتابع ما أكتب فعلًا إلا أخًا مغربيًا كريمًا يتابعني منذ فترة، أسأل الله أن يبارك فيه ويجزيه خيرًا.
أما البقية، فأحيانًا أرسل المقال عبر WhatsApp إلى بعض الأقارب أو الأصدقاء.
يدخل أحدهم مجاملة.
يقرأ بضعة أسطر.
ثم يغادر.
ولست ألوم أحدًا.
لكل إنسان حياته وأشغاله واهتماماته.
لكن الكاتب، مهما حاول أن يقنع نفسه بأنه لا يهتم بالأرقام، يبقى إنسانًا.
وعندما يكتب شيئًا يراه مفيدًا ثم يكتشف أن أحدًا تقريبًا لم يقرأه، فإن شيئًا من الإحباط يتسلل إليه.
ومن هنا سألت ChatGPT سؤالًا كنت أفكر فيه منذ مدة:
هل أتوقف تمامًا عن الكتابة العربية وإصدار هذه الكتيبات الإرشادية، وأضع كل وقتي في ForgeVM؟
منطق الوقت يقول إن السؤال مشروع.
فلدي مشروع تقني ضخم، وكل ساعة أضعها في مقال عربي هي ساعة لم أضعها في المشروع.
والقارئ قليل.
والتفاعل شبه معدوم.
فلماذا أستمر؟
الإجابة التي لم أتوقعها
كنت أتوقع إجابة حسابية.
شيئًا من نوع:
ركز على المشروع الأكثر قيمة.
أوقف النشاط الذي لا يحقق نتائج.
وزع وقتك حسب العائد.
لكن الإجابة أخذت اتجاهًا آخر.
كان معناها:
ما دامت الكتابة العربية تريحك، وتشعرك بأنك قدمت شيئًا مفيدًا، فلا تجعل عدد القراء وحده هو الذي يقرر إن كنت ستستمر أم لا.
فالراحة التي تجدها أثناء الكتابة ليست وقتًا ضائعًا بالضرورة.
وقد تكون الكتابة نفسها مساحة تخرج فيها من ضغط المشروع الأساسي، وترتب أفكارك، وتستعيد هدوءك، ثم تعود إلى عملك التقني بطاقة أفضل.
وبمعنى آخر:
ليس كل ما نفعله في الحياة يجب أن يخضع لمعادلة عدد الساعات مقابل عدد المشاهدات.
أعجبتني الإجابة كثيرًا.
ربما لأنها أعادت تعريف المسألة.
كنت أتعامل معها وكأن أمامي خيارين:
إما أن أكتب ويقرأ الناس.
أو لا يقرأ الناس، إذن فالكتابة فاشلة.
لكن هناك احتمال ثالث لم أفكر فيه بما يكفي:
أن تكون الكتابة نفسها ذات قيمة حتى قبل أن يصل إليها القارئ.
الكتابة أحيانًا علاج للفكرة قبل أن تكون رسالة للقارئ
هناك أفكار تبقى داخل الإنسان وتضغط عليه.
وحين يكتبها، يضطر إلى ترتيبها.
والتمييز بين الصحيح والمبالغ فيه.
والبحث عن الكلمات المناسبة.
ورؤية الموقف من خارج نفسه.
والكاتب أحيانًا يكتشف أثناء كتابة المقال ما لم يكن قد اكتشفه وهو يفكر فيه.
ولهذا أشعر بعد كثير من المقالات العربية بشيء من الراحة.
كأن موضوعًا كان مزدحمًا داخل الرأس فأصبح بعد الكتابة موضوعًا مرتبًا فوق الورق.
إذا استفاد منه قارئ بعد ذلك فقد اكتملت الفائدة.
أما إذا لم يقرأه أحد في ذلك اليوم، فليس معنى ذلك أن الكتابة أصبحت بلا قيمة.
هذه الفكرة غيّرت شيئًا في نظرتي إلى ما أكتب.
صديق قديم قال لي: اكتب سطرًا واحدًا
قبل شهرين تقريبًا التقيت بصديق قديم، وذكرت له هذه المشكلة.
قلت له إنني أكتب، لكن عدد القراء العرب قليل جدًا.
فقال لي جملة بقيت في ذهني.
ومعناها أن نمط القراءة تغير كثيرًا، وأن شريحة واسعة من الناس اليوم أصبحت تجد صعوبة في متابعة النصوص الطويلة، بعد أن اعتادت الفيديو القصير والمحتوى السريع ومنصات التواصل الحديثة.
ثم قال لي مازحًا أو جادًا:
إن استطعت أن تكتب فكرتك في سطر واحد وتنشرها، فربما تنجح!
ضحكت.
ثم رجعت إلى كتاباتي.
ونظرت إليها.
فوجدت المشكلة.
أنا أصلًا لا أعرف كيف أكتب بعض هذه الأفكار في سطر.
ولا أريد ذلك.
هناك فكرة تحتاج صفحة.
وهناك تجربة تحتاج عشر صفحات.
وهناك موضوع يحتاج كتيبًا كاملًا.
قد أستطيع أن أكتب عنوانًا جذابًا في سطر.
لكنني لا أستطيع أن أختصر تجربة ثلاثين سنة في عبارة تصلح للتمرير بالإصبع خلال ثلاث ثوان.
وهنا وصلت إلى قرار آخر.
لست مضطرًا أن أكتب وفق سرعة إصبع القارئ
لا مشكلة لدي مع الفيديو القصير.
ولا مع وسائل التواصل.
ولا مع من يريد معلومة في عشر ثوان.
لكل نوع من المحتوى مكانه.
لكن المشكلة تبدأ عندما نحاول إجبار كل المعرفة البشرية على أن تتحول إلى مقطع مدته ثلاثون ثانية أو منشور من سطرين.
بعض المعرفة لا تقبل هذا الاختصار.
الخبرة تحتاج سياقًا.
والتاريخ يحتاج سردًا.
والفكرة المركبة تحتاج بناءً تدريجيًا.
والتجربة الإنسانية لا يمكن اختزالها دائمًا إلى جملة تحفيزية جميلة.
ولهذا قلت لنفسي:
عسى ألا يقرأ أحد.
سأكتبها على كل حال.
ليس تحديًا للقارئ.
ولا غضبًا منه.
بل لأن هناك أشياء أريد أن أتركها مكتوبة كما أراها، لا كما تفرضها خوارزمية منصة اجتماعية.
ربما لا أكتب لهذا الزمن وحده
وهنا خطرت لي فكرة أخرى.
من قال إن كل ما يُكتب اليوم يجب أن يُقرأ اليوم؟
كم كتابًا نقرأه الآن وقد مات صاحبه منذ عشرات أو مئات السنين؟
وكم رسالة أو مخطوطة أو مذكرات لم يعرف الناس قيمتها إلا بعد زمن طويل؟
أنا لا أقول إن ما أكتبه سيصبح شيئًا عظيمًا بعد مائة سنة.
لا أدعي ذلك.
لكنني أقول إن الكتابة بطبيعتها تختلف عن المحتوى اللحظي.
المقال يمكن أن يبقى.
والكتاب يمكن أن يبقى.
والكتيب يمكن أن يبقى.
وقد يقع شيء مما كتبناه في يد شخص لم يولد بعد.
ربما بعد خمسين عامًا.
أو مائة عام.
أو مائتين.
وربما يقرأ أحد أحفادنا يومًا ما كيف كان إنسان يعيش في هذه المرحلة من التاريخ يفكر، ويعمل، ويخطئ، ويتعلم، ويرى التحولات التقنية والاجتماعية حوله.
وهذه وحدها فكرة جميلة.
«اقرأ»
وربما كان أكثر ما يؤلمني في موضوع القراءة أننا أمة كانت أول كلمة نزلت في كتاب ربها:
﴿اقْرَأْ﴾
ليست «شاهد».
وليست «مرر الشاشة».
وليست «اختصر».
بل:
اقرأ.
والقراءة ليست مجرد وسيلة للحصول على معلومة.
إنها تدريب على الصبر.
وعلى التركيز.
وعلى متابعة الفكرة.
وعلى الدخول إلى عقل إنسان آخر لبعض الوقت.
قد تتغير الوسائل.
وقد تصبح لدينا الفيديوهات والذكاء الاصطناعي والواقع الممتد وكل ما سيأتي بعد ذلك.
لكنني لا أعتقد أن الإنسان يستطيع الاستغناء عن القراءة دون أن يخسر شيئًا مهمًا من قدرته على التفكير العميق.
لذلك سأستمر
انتهى حديث الطريق إلى جدة، لكن بقيت الإجابة معي.
لن أجعل الكتابة العربية تنافس مشروعي الأساسي على كل وقتي.
ForgeVM يحتاج مني الكثير، وهو بالنسبة لي مشروع تقني رئيسي أريد أن أصل به إلى ما أطمح إليه.
لكنني في الوقت نفسه لن أقتل مساحة أحبها في حياتي لأن عداد الزيارات منخفض.
سأكتب حين تكون لدي فكرة تستحق الكتابة.
وسأخرج الكتيب عندما أرى أن لدي تجربة تستحق أن تُحفظ.
وسأحاول أن أحسن العرض والعنوان والأسلوب حتى أصل إلى القارئ قدر الإمكان.
لكنني لن أختصر كل شيء إلى سطر واحد لمجرد أن هذا هو ما تفضله خوارزميات هذا العصر.
فإن قرأ المقال عشرة، فالحمد لله.
وإن قرأه واحد واستفاد، فالحمد لله.
وإن لم يقرأه أحد الآن، فقد كتبته على الأقل، وحفظت الفكرة، وارتحت وأنا أكتبها.
وربما يأتي قارئها في زمن آخر.
وهكذا خرجت من ذلك الحوار بقاعدة بسيطة لم أكن أحتاج إلى خبير تسويق ليقولها لي، بل احتجت فقط إلى من يعيد ترتيبها أمامي:
ليس كل ما يستحق أن تفعله في حياتك يجب أن يكون جماهيريًا.
بعض الأشياء نفعلها لأنها نافعة.
وبعضها لأنها جميلة.
وبعضها لأنها تترك أثرًا.
وبعضها لأننا نشعر بعد فعلها أننا أصبحنا أفضل مما كنا قبله.
وأنا، ما دمت أجد في الكتابة هذا المعنى، فسأستمر.
ولعل قارئًا لم يولد بعد يجد يومًا ما هذه الكلمات.
ويقرأ.
مقالات ذات صلة
علّمني الرجل الصالح
المقال يستلهم مقولة «علّمني الرجل الصالح» ليؤكد أن المجتمعات تحتاج إلى الحزم والمحاسبة والضمير، لا إلى المجاملة وترك الأخطاء تتفاقم. من الطريق إلى المال، ومن الجيرة إلى الوظيفة والتعليم والطب، يوضح أن الردع العادل والنصيحة الصادقة قد ينقذان الإنسان قبل الندم. فالرجل الصالح اليوم قد يكون قانونًا، أو أبًا، أو معلمًا، أو طبيبًا أمينًا، أو ضميرًا يوقظ صاحبه قبل السقوط.
احذر أن تُغلق باب التوفيق بكسر قلب والديك
قد يعرف الإنسان تفاصيل زمانه وتخصصه أكثر من والديه، لكنه قد يجهل ما يرونه بخبرة العمر وصدق المحبة. ليست المشكلة في اختلاف الرأي، بل في أن يتحول الاستقلال إلى قسوة والطموح إلى عقوق. استمع قبل أن تجادل، ووازن نصيحتهما بالعقل والواقع، وخالفهما بأدب إن لزم. لا تجعل نجاحك مبنيًا على حزن أب أو دمعة أم؛ فبر الوالدين لا يلغي شخصيتك، بل يفتح أبواب السكينة والبركة والتوفيق.
الرياضيات… البنية الخفية التي يقوم عليها العالم التقني
فيما يلي مقال معرفي يوضح أن الرياضيات ليست مادة دراسية منفصلة عن الواقع، بل هي البنية الخفية التي تعمل فوقها معظم تقنيات العصر، مع المحافظة على الإنصاف لدور الفيزياء والهندسة والتجربة.
