تجارب وتأملات

علّمني الرجل الصالح

المقال يستلهم مقولة «علّمني الرجل الصالح» ليؤكد أن المجتمعات تحتاج إلى الحزم والمحاسبة والضمير، لا إلى المجاملة وترك الأخطاء تتفاقم. من الطريق إلى المال، ومن الجيرة إلى الوظيفة والتعليم والطب، يوضح أن الردع العادل والنصيحة الصادقة قد ينقذان الإنسان قبل الندم. فالرجل الصالح اليوم قد يكون قانونًا، أو أبًا، أو معلمًا، أو طبيبًا أمينًا، أو ضميرًا يوقظ صاحبه قبل السقوط.

11 أغسطس 2026 · 8 دقائق قراءة · 5 قراءة
علّمني الرجل الصالح

عندما تكون الشدة رحمة، والمحاسبة إنقاذًا قبل فوات الأوان

تُروى في أخبار السلف قصة رجل يُدعى صبيغ بن عسل التميمي، كان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكثر السؤال عن متشابه القرآن، ويتتبع مسائل قد تثير الاضطراب في عقول العامة وتفتح أبوابًا للجدل والفتنة أكثر مما تفتح أبوابًا للعلم.

بلغ أمره عمر.

وعمر لم يكن رجلًا يخشى السؤال، ولا الإسلام دينًا يخاف التفكير، ولكن الفارق كبير بين سؤال الباحث عن الحق، وبين العبث بالعقول، وبين العلم الذي يبني، والجدل الذي يثير الشك ثم يترك الناس فيه.

فرأى عمر أن الأمر تجاوز صاحبه وأصبح مما قد يؤثر في المجتمع، فأدبه وردعه حتى ترك ذلك الطريق.

ومضت السنوات.

ثم جاء من يذكّره بما كان عليه، ويدعوه إلى العودة إليه.

وتروي بعض الأخبار أنه تذكر ما جرى له، وقال بمعنى عظيم:

لقد نفعني الرجل الصالح.

وفي روايات متداولة:

«علّمني الرجل الصالح».

يا لها من كلمة!

لم يقلها وهو تحت العقوبة.

قالها بعدما مرت السنوات، وسكنت النفس، وانكشفت له الصورة التي لم يكن يراها وهو مندفع في طريقه.

فهم متأخرًا أن من منعه لم يكن عدوه.

وأن من أوقفه لم يكن يريد إذلاله.

وأن اليد التي ردعته عن الطريق ربما كانت أرحم به من أيدٍ كثيرة صفقت له وهو يسير نحو الخطأ.

ومن هنا تبدأ قصتنا نحن.

كم نحتاج اليوم إلى «الرجل الصالح»؟

ليس المقصود أن يحمل الناس السياط ويؤدب بعضهم بعضًا.

ولا أن يتحول المجتمع إلى أفراد يعاقبون الناس بأيديهم؛ فذلك باب آخر من الفوضى والظلم.

لكننا نحتاج بشدة إلى معنى الرجل الصالح.

نحتاج إلى الأب الذي يقول لابنه: لا.

وإلى الأم التي لا تعتبر كل رغبة لولدها حقًا واجب التنفيذ.

وإلى المعلم الذي لا يجامل في العلم.

وإلى المدير الذي لا يمرر الإهمال.

وإلى الطبيب الذي يخشى الله في المريض.

وإلى الموظف الذي يعرف أن راتبه مقابل أمانة.

وإلى القانون الذي لا يميز بين قوي وضعيف.

وإلى الصديق الذي يمنعك من السقوط بدل أن يصور لك سقوطك بطولة.

ونحتاج، قبل هؤلاء جميعًا، إلى رجل صالح داخل كل واحد منا اسمه الضمير.

فكم من إنسان اليوم لو وجد في الوقت المناسب من يوقفه بحزم، لشكر ذلك الإنسان بعد عشرين عامًا وقال:

علّمني الرجل الصالح.

في الشارع… نحتاج الرجل الصالح

انظر إلى بعض طرقنا.

إنسان يقود مركبة تزن أطنانًا وكأنه وحده في الأرض.

يسرع. يتجاوز. يلتصق بمن أمامه. يقطع الطريق. يستخدم هاتفه. ويعرض حياة أسر كاملة للخطر.

فإن لم يرَ كاميرا ولا رجل مرور، تصرف كأن النظام قد اختفى.

وإذا خالفه النظام غضب!

وقد يعتبر بعضهم الإفلات من المخالفة ذكاءً، والقيادة المتهورة شجاعة، والاستهانة بحقوق الطريق مهارة.

هذا لا يحتاج محاضرة طويلة عن الأخلاق بقدر ما يحتاج إلى نظام عادل حازم يقول له: لن تجعل حياة الناس ميدانًا لنزواتك.

فإذا نجا يومًا من حادث كان سيقتل فيه نفسه أو غيره، ربما أدرك أن المخالفة التي أغضبته بالأمس كانت رحمة به.

وعندها سيفهم معنى:

علّمني الرجل الصالح.

وفي المال… نحتاج الرجل الصالح

هناك من يكسب في شهر ما لا يكسبه آخر في عام، ثم ينتهي الشهر ولا يبقى في يده شيء.

ليس لأنه أطعم جائعًا.

ولا لأنه بنى مستقبلًا.

ولا لأنه علّم أبناءه.

ولا لأنه استثمر.

بل لأن الاستهلاك أصبح عنده إثباتًا للوجود.

جهاز جديد لأن جهازًا جديدًا صدر.

سيارة أكبر لأن فلانًا اشترى سيارة.

رحلة لا يطيق تكلفتها.

حفلة لا يحتاجها.

ماركة لا تزيد قيمته شيئًا.

وأقساط تلتهم مستقبله من أجل ساعات من الانبهار.

ثم إذا جاءت أزمة، لم يجد شيئًا.

هنا نحتاج إلى الرجل الصالح الذي يقول:

قف.

ليس كل ما تستطيع شراءه ينبغي أن تشتريه.

وليس كل ما في جيبك ملكًا للحظة الحاضرة.

في مالك حق لمستقبلك.

وحق لأبنائك.

وحق للطوارئ.

وحق للخير.

والاعتدال ليس بخلًا، كما أن التبذير ليس كرمًا.

كم من شاب كان سيشكر أبًا منعه من دين استهلاكي كبير بدل أن يساعده عليه!

وكم من أسرة ستتمنى بعد سنوات لو أن أحدًا قال لها يوم الرخاء:

كفى.

وفي الجيرة… أين الرجل الصالح؟

من أبسط المقاييس التي تكشف أخلاق الإنسان: كيف يعامل جاره؟

قد يبتسم للناس خارج المنزل، ثم يجعل حياة جاره عذابًا.

ضجيج. إغلاق للمداخل. استيلاء على المواقف. إيذاء. مخلفات. اعتداء على الخصوصية.

ثم إذا اشتكى الجار، أصبحت المشكلة في الجار!

أي تدين يبقى إذا ضاعت حقوق أقرب الناس إلى بابك؟

وأي أخلاق تلك التي تحتاج إلى وجود شرطي لكي تحترم حق إنسان يعيش إلى جوارك؟

نحتاج هنا إلى تربية وقانون ومجتمع يقول للمسيء بوضوح:

حريتك تنتهي عندما يبدأ أذى الآخرين.

وفي الوظيفة العامة… المال أمانة

وأشد ما يؤلم أن يكون الإنسان موظفًا في مكان أُنشئ لخدمة الناس، ثم يتحول هو نفسه إلى عقبة أمامهم.

المراجع يأتي بحاجة.

وربما قطع مسافة.

وربما ترك عمله.

وربما معه مريض أو كبير سن.

ثم يجد موظفًا يتعامل مع حاجته وكأنها منّة شخصية يقدمها إليه.

تأخير بلا سبب. تسويف. إغلاق للمعاملة. هاتف شخصي. غياب. وتعقيد لما يمكن إنجازه في دقائق.

ثم في نهاية الشهر يأخذ راتبه كاملًا.

هنا السؤال ليس إداريًا فقط.

إنه سؤال أخلاقي:

مقابل ماذا أخذت هذا المال؟

إن كان راتبك مقابل خدمة لم تؤدها، فليست المسألة مجرد ضعف إنتاجية.

هناك أمانة ينبغي أن يخاف الإنسان من خيانتها.

وهنا نحتاج إلى مدير صالح، ونظام صالح، ورقابة صالحة، لا إلى مدير يوقع أوراق الحضور ثم يختفي.

وفي التعليم… نحتاج الرجل الصالح أكثر

المعلم لا يشرح كتابًا فقط.

هو قد يصنع علاقة إنسان بالعلم لبقية حياته.

معلم واحد يستطيع أن يجعل طفلًا يحب الرياضيات.

ومعلم آخر يستطيع أن يجعله يكرهها ثلاثين سنة.

معلم يستطيع أن يجعل طالبًا يحب القراءة.

وآخر يجعل الكتاب في ذهنه مرادفًا للعقوبة.

ولهذا فإن أخطر ما في التعليم ليس طالبًا حصل على درجة منخفضة.

بل جيل خرج من المدرسة وهو يكره التعلم.

إذا تحول التعليم إلى:

احفظ. اكتب. اختبر. انسَ.

فقد نكون منحنا الشهادات، لكننا لم نبنِ العقول.

المعلم الصالح لا يحشو الرأس بالمعلومات فقط.

بل يشعل فيه السؤال.

ويزرع الفضول.

ويعلم الإنسان كيف يبحث، وكيف يشك علميًا، وكيف يتحقق، وكيف يعترف بأنه لا يعرف.

الأمم لا تتقدم بكثرة حملة الشهادات.

بل بكثرة من بقيت فيهم رغبة التعلم بعد الحصول عليها.

وأطباؤنا… ما أحوج المهنة إلى الضمير

أما الطب، فالأمر أخطر؛ لأن الخطأ هنا لا يقع على ورقة أو معاملة.

إنه يقع على جسد إنسان وحياته.

والإنصاف واجب: بين أطبائنا نماذج عظيمة من العلم والأمانة والرحمة والتفاني.

لكن وجود المخلصين لا يمنعنا من نقد الخلل حيث يوجد.

لا نريد طبيبًا يحفظ بروتوكولًا ثم يطبقه على كل إنسان كما لو أن البشر نسخ متطابقة.

ولا طبيبًا يعتبر كل عرض دواءً.

ثم دواءً لأثر الدواء.

ثم دواءً ثالثًا لأثر الثاني.

نريد طبيبًا يفكر.

يسأل.

يفحص.

يقارن الفائدة بالضرر.

ويراجع الدليل العلمي.

ويعرف متى يصف الدواء، ومتى يكون عدم وصفه هو القرار الطبي الأفضل.

فالطب علم، لكنه أيضًا حكم سريري وضمير وأمانة.

وعظمة أطباء الحضارة الإسلامية لم تكن في رفض علوم غيرهم، بل في أنهم قرأوا ما وصل إليهم، ونقدوه، وأضافوا إليه، وجربوا، وراقبوا، وكتبوا ما وجدوه.

لم يكونوا آلات لحفظ النصوص.

كانوا عقولًا.

وهذا ما نحتاجه من طبيب اليوم.

ثم تأتي مشكلة التأمين

وهنا يصبح الأمر أشد حساسية.

إذا دخل المال بين الطبيب والمريض، وجب أن يكون الضمير حاضرًا أكثر، لا أقل.

المريض ليس «وثيقة تأمين».

وليس رقم مطالبة.

وليس فرصة لاستنفاد سقف مالي.

وليس مبررًا لفحص لا يحتاجه أو دواء لا يستفيد منه.

إن احتاج دواءً واحدًا، فأعطه واحدًا.

وإن لم يحتج شيئًا، فمن الأمانة أن تقول له:

لا تحتاج دواء.

فالمال الذي تدفعه شركة التأمين ليس مالًا بلا صاحب.

وفي النهاية سيدفع المجتمع كله ثمن الإسراف، إما بارتفاع الأسعار، أو ارتفاع أقساط التأمين، أو تدهور جودة الخدمة.

والأخطر من المال أن يدفع المريض الثمن من صحته.

وهنا نحتاج طبيبًا إذا خلا بالمريض ولم يره مدير ولا شركة ولا مراقب، رأى فوق كل ذلك أمانته أمام الله وضميره أمام نفسه.

ذلك هو الرجل الصالح.

المشكلة أننا أصبحنا نخاف من كلمة «لا»

جزء كبير من أزمتنا التربوية والاجتماعية أننا أصبحنا نعتبر كل حزم قسوة.

الأب يخشى أن يقول لا.

المعلم يخشى الطالب.

المدير يخشى الموظف.

المؤسسة تخشى الشكوى.

والصديق يخشى أن يخسر صديقه إذا نصحه.

فماذا حدث؟

كثر الذين يقولون لنا ما نحب.

وقل الذين يقولون لنا ما نحتاج.

والفرق هائل.

من يحبك ليس بالضرورة من يريحك دائمًا.

أحيانًا يحبك أكثر من يوقفك.

أحيانًا تكون النصيحة التي أغضبتك أثمن من مئة كلمة مدح.

وأحيانًا يكون الباب الذي أغلق أمامك هو الذي أنقذك من طريق كامل من الندم.

لا نحتاج سوطًا في يد الناس

وهنا ينبغي ألا نسيء فهم القصة.

لا أحد يملك اليوم أن يجعل نفسه عمر بن الخطاب ثم يضرب الناس ويقول: أنا أصلحهم.

هذا فساد آخر.

العقوبات من شأن الدولة والقضاء والنظام، وليست حقًا للأفراد.

والحزم الذي نحتاجه اليوم له أدوات تناسب عصرنا:

قانون عادل.

قضاء نزيه.

رقابة حقيقية.

تربية قوية.

محاسبة مهنية.

تعليم لا يجامل.

أسرة تعرف أن الحب ليس تدليلًا دائمًا.

وصديق لديه شجاعة أن يقول: أنت مخطئ.

ذلك هو «السوط» الذي نحتاجه.

سوط القانون على المستهتر.

وسوط الضمير على الخائن.

وسوط العلم على الجاهل المتكبر.

وسوط المحاسبة على المهمل.

وسوط النصيحة على النفس حين تغرها شهواتها.

أخطر مجتمع هو المجتمع الذي يصفق لكل شيء

إذا أصبح كل شيء مقبولًا، فلن يبقى شيء اسمه صواب.

إذا صار المتهور «جريئًا».

والمبذر «كريمًا».

والفوضوي «حرًا».

والمهمل «مضغوطًا».

والمسيء «صريحًا».

والجاهل «صاحب رأي».

والذي يتاجر بأمانته «شاطرًا».

فنحن لا نغير الأسماء فقط.

نحن نهدم المعايير.

والمجتمعات لا تسقط فجأة.

تسقط حين يعاد تسمية الرذائل بأسماء جميلة حتى يخجل الناس من إنكارها.

من هو الرجل الصالح اليوم؟

قد يكون أباك عندما يمنعك.

وقد تكون أمك عندما تحذرك.

وقد يكون معلمًا يخفض درجتك لأنك لم تستحقها.

وقد يكون مديرًا يحاسبك.

وقد يكون قاضيًا يعاقبك.

وقد تكون كاميرا مرور أوقفت تهورك.

وقد يكون طبيبًا يرفض أن يصف لك ما لا تحتاج.

وقد يكون صديقًا قال لك في وجهك ما لم يجرؤ الآخرون على قوله.

وقد يكون موقفًا مؤلمًا كسرك قليلًا ثم أعاد بناءك.

وقد يكون ضميرك عندما تستيقظ في منتصف الطريق وتقول لنفسك:

كفى.

سيأتي يوم تفهم

كثير من الناس لا يفهمون الحكمة ساعة المنع.

فالطفل يرى أباه ظالمًا حين يمنعه.

والطالب يرى أستاذه متشددًا حين يحاسبه.

والموظف يرى مديره قاسيًا حين يطالبه بأداء عمله.

والسائق يرى النظام مزعجًا حين يغرمه.

والإنسان يرى النصيحة اعتداءً حين يكون قلبه متعلقًا بالخطأ.

لكن الأيام معلم عظيم.

وبعض الحقائق لا نفهمها إلا بعد أن ندفع ثمنًا.

وعندها نستدير إلى الماضي، ونتذكر شخصًا لم يجاملنا، وربما غضبنا منه يومًا، ثم نقول:

كان يستطيع أن يتركني.

كان يستطيع أن يصمت.

كان يستطيع أن يقول: شأنه بنفسه.

لكنه لم يفعل.

أوقفني.

نبهني.

حاسبني.

أنقذني من نفسي.

ثم نبتسم متأخرين ونقول:

«علّمني الرجل الصالح».

فطوبى لمن وجد في حياته رجلًا صالحًا يوقفه قبل الهاوية.

وطوبى أكثر لمن امتلك من العقل والتواضع ما يجعله يفهم الدرس قبل أن يحتاج إلى السقوط كي يتعلمه.