أنا عارف نفسي... لو بقى معايا فلوس حابقى نمرود!
تستحضر المسرحية الكوميدية «إلا خمسة» معنى عميقًا حين يقول بطلها، بحسب ما بقي في الذاكرة: «أنا عارف نفسي، لو بقى معايا فلوس حابقى نمرود». فالمال قد يكون نعمة أو فتنة، والله يقدّر الأرزاق بعلمه وحكمته، ويعلم ما يصلح عباده. وليس الرضا تركًا للسعي، بل عملٌ بلا حسد ولا اعتراض، مع يقين أن الإيمان والصحة والسكينة وحسن الخلق من أعظم الأرزاق، وأن بعض المنع أو التأخير قد يكون رحمةً وحمايةً من شر لا نراه.

حين يكون تقدير الرزق رحمة لا حرمانًا
منذ نحو خمسة وأربعين عامًا، شاهدت المسرحية المصرية الشهيرة «إلا خمسة»، للفنان عادل خيري والفنانة ماري منيب. كانت مسرحية كوميدية مليئة بالمواقف الطريفة، لكن عبارة واحدة منها تجاوزت عندي حدود الضحك، وبقي معناها راسخًا في ذاكرتي حتى اليوم.
تدور المسرحية حول سليمان الزعفراني، وهو محامٍ فقير أثقلته الديون. وبالمصادفة تقع بين يديه خريطة تشير إلى كنز ذهبي مخبأ في أحد جدران فيلا قديمة، فيذهب إلى الفيلا ويعمل فيها سائقًا حتى يتمكن من دخولها والبحث عن الكنز، فتتتابع المواقف الكوميدية.
وفي أحد المشاهد الأخيرة، كما بقي في ذاكرتي بعد هذه السنوات، لم تكن نتيجة البحث كما حلم سليمان. جلس عادل خيري متحسرًا، وقال عبارة أذكر معناها، وإن كنت لا أجزم اليوم بألفاظها الحرفية:
«يلا... كده أحسن. أنا عارف نفسي، لو بقى معايا فلوس حابقى نمرود!»
كانت العبارة قفلة كوميدية، لكنها حملت معنى عميقًا:
كم من إنسان يتمنى سعة المال، ولا يعلم ماذا ستفعل سعة المال بقلبه!
وكلما قرأت قول الله تعالى تذكرت ذلك المشهد:
﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾
[الشورى: 27]
فالآية لا تعني أن خزائن الله تضيق بأرزاق عباده؛ وإنما تبين أن الأرزاق تجري بعلم وحكمة. فالله خبير بعباده، بصير بقلوبهم، يعلم ما يصلحهم وما يفسدهم، وما يستطيعون حمله من النعم وما قد يتحول في أيديهم إلى فتنة.
قد يكون الغنى خيرًا لعبد شاكر، فينفق ماله في الصدقات، ويصل به رحمه، ويغيث المحتاج، وينفع الناس. وقد تكون السعة فتنة لآخر، فتحمله على البطر والكبر والعدوان والشر.
لكن لا يجوز لنا أن نحكم على شخص بعينه، فنقول إن الفقير مُنع لأنه سيطغى، أو إن الغني أُعطي لأنه أفضل منه؛ فالحكمة الخاصة في رزق كل إنسان لا يعلمها إلا الله. وإنما نتعلم من الآية أن العطاء والمنع كليهما يجريان بعلم الله، وإن خفيت علينا تفاصيل الحكمة.
حين يكشف المال حقيقة النفس
المال في ذاته ليس شرًا، كما أن الفقر في ذاته ليس فضيلة. المال امتحان، والفقر امتحان، والعبرة بما يفعله الإنسان في الحالين.
قد يبدو المرء متواضعًا لأنه لا يملك ما يتكبر به، ولطيفًا لأنه يحتاج إلى الناس، وزاهدًا لأن الدنيا لم تُفتح أمامه. فإذا جاء المال، وارتفع المنصب، واتسعت القدرة، ظهرت حقيقة القلب.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾
[العلق: 6–7]
فالخطر ليس في امتلاك المال، بل في أن يرى الإنسان نفسه مستغنيًا، فينسى ربه، ويتعالى على الناس، ويظن أن النعمة ثمرة قوته وحده.
ولعل أعمق ما في العبارة الكوميدية قوله:
«أنا عارف نفسي.»
معرفة الإنسان بضعفه ليست عيبًا، بل بداية النجاة. فمن عرف مواضع ضعفه حذر منها، ولم يأمن على نفسه الفتنة، وسأل الله أن يحفظ قلبه إذا أعطاه.
نحن لا نعرف حقيقة صبرنا حتى ينزل بنا البلاء، ولا حقيقة شكرنا حتى تأتينا النعمة، ولا حقيقة تواضعنا حتى نملك القوة، ولا حقيقة أمانتنا حتى تصبح الأموال بين أيدينا.
لذلك لا ينبغي أن يسأل الإنسان ربه المال وحده، بل يسأله معه البركة وصلاح القلب وحسن استعمال النعمة.
ليس كل عطاء إكرامًا ولا كل منع إهانة
قال الله تعالى:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا﴾
[الفجر: 15–17]
فكثرة المال ليست دليلًا حتميًا على رضا الله، وقلته ليست دليلًا على الإهانة. الغني ممتحن فيما أُعطي، والفقير ممتحن فيما قُدّر عليه.
قد يكون بعض المنع حماية، وبعض التأخير رحمة، وبعض الأبواب المغلقة نجاة من شر لا نراه. ومع ذلك، لا ندّعي معرفة الحكمة الكاملة من كل قدر؛ وإنما نثق بأن تدبير الله قائم على العلم والعدل والرحمة.
لماذا لا نرضى بقسمتنا؟
كثير من شقاء الإنسان لا يأتي من قلة ما يملك، بل من كثرة نظره إلى ما يملكه غيره.
قد يكون في صحة وستر، وله بيت يأويه وأهل يحبونه، ثم يقارن نفسه بمن هو أغنى منه، فيفقد إحساسه بكل ما في يديه.
لم ينقص رزقه، وإنما نقص رضاه.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ... وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾
[النساء: 32]
لا يمنعنا القرآن من الطموح أو العمل، بل ينهانا عن التمني الذي يملأ القلب حسدًا واعتراضًا. فاسأل الله من فضله، واسعَ إلى تحسين حياتك، لكن لا تنظر إلى رزق غيرك وكأنه انتُزع منك.
لك طريقك وله طريقه، ولك امتحانك وله امتحانه. وقد تكون النعمة التي تحسده عليها أثقل ما في حياته، وقد يكون ما فاتك بابًا صرف الله عنك به ضررًا لم تره.
الرضا لا يعني ترك السعي
الرضا بقسمة الله لا يعني الجلوس والكسل، ولا ترك طلب الرزق أو تحسين الحياة. فالرضا عمل قلبي لا يلغي سعي الجوارح.
اعمل، وتعلّم، واتجر، وابنِ، واطلب الزيادة من فضل الله، لكن لا تجعل سلام قلبك متوقفًا على نتيجة واحدة.
اسعَ دون حسد، واطلب دون اعتراض، واطمح دون أن تظلم أحدًا. فإن جاءك المال فاشكر، وإن تأخر فاصبر، وإن قل فاقنع، وإن كثر فتواضع.
فالرضا لا يعني ألا يحزن الإنسان عند فوات ما يحب، وإنما يعني ألا يتحول حزنه إلى سخط، ولا حرمانه إلى حسد، ولا طموحه إلى اعتراض على حكمة الله.
الرزق الحقيقي
نحن نضيّق معنى الرزق عندما نحصره في المال.
الإيمان رزق، والصحة رزق، والقلب المطمئن رزق، والعقل والحكمة وحسن الخلق رزق. والزوج الصالح والولد البار والصديق الوفي رزق، والتوفيق إلى الطاعة والقدرة على التوبة بعد الذنب من أعظم الأرزاق.
قد يكون الإنسان قليل المال، لكنه آمن في بيته، محبوبًا بين الناس، حاضر القلب في صلاته، قرير العين بأهله؛ فيكون أغنى من صاحب الملايين الذي لا يعرف طعم السكينة.
فالمال وسيلة من وسائل الحياة، وليس الحياة كلها. إذا بقي في اليد نفع صاحبه ونفع به الناس، وإذا استولى على القلب أفسده، ولو ملك الإنسان الدنيا بأسرها.
ربما كان عدم العثور على الكنز نجاة
ظل سليمان الزعفراني يبحث عن الكنز ويتخيل كيف ستتغير حياته إذا عثر عليه. وحين خاب أمله، جاءت العبارة التي بقيت في ذاكرتي:
«يلا... كده أحسن. أنا عارف نفسي، لو بقى معايا فلوس حابقى نمرود!»
ربما كان الكنز الحقيقي، في المعنى الكوميدي للمشهد، ألا يجد الكنز، وأن يُحفظ من ذلك «النمرود» الذي يخشى أن يستيقظ في داخله.
وهكذا قد تكون بعض أقدارنا؛ نحزن لأنها لم تأتِ كما أردنا، ثم نكتشف بعد زمن أن الله صرف عنا بها أذى لم نكن نراه.
ليس كل من مُنع قد حُرم، وليس كل من أُعطي قد أُكرم. وإنما الكرامة الحقيقية أن يرزقك الله ما يصلحك، ثم يرزقك قلبًا شاكرًا عند العطاء، صابرًا عند المنع، مستعملًا نعمته في الخير.
فلا تنظر إلى ما في أيدي الناس بعين الحسد، ولا تجعل ما فاتك يحجبك عن النعم التي تملأ حياتك. اسأل الله من فضله، واعمل بما تستطيع، وحاسب نفسك قبل أن تتمنى ما قد لا تحتمله.
اللهم ارزقنا رزقًا لا يطغينا، ونعمة لا تنسينا، وقلبًا يرى فضلك في العطاء والمنع، ويحسن الظن بك في السعة والتقدير.
فأعظم الغنى ليس أن تملك كل ما تريد، بل أن يرزقك الله ما يصلحك، ثم يرزقك الرضا به ويحفظ قلبك من الطغيان.
```مقالات ذات صلة
هذاك أول… والأوّل تحوّل
تحكي القصة عن أطفال آثروا زميلتهم الفقيرة «وفاء» على أنفسهم، فكتبوا جميعًا اسمها في قرعة جائزة الحذاء، مما دفع زوج المعلمة إلى شراء أحذية للجميع. ومن هذه الحكاية ينطلق المقال ليتحسر على تراجع الوفاء والتراحم بين الناس، ويدعو إلى إحياء هذه القيم بالمواقف الصغيرة: تفقد المحتاج، ومساندة القريب، وجبر الخاطر، والتنازل عن بعض الرغبات لإسعاد الآخرين؛ فالوفاء لم يمت، لكنه ينتظر من يوقظه.
حقُّ الجار: خطٌّ أحمر في الإسلام… وخطٌّ أحمر أيضًا في القوانين الحديثة
مقال حازم عن حرمة أذى الجار، وحدود الملكية والحرية، ومسؤولية المالك عن الأذى المباشر أو الذي يسببه المستأجر والنشاط التجاري.
رزق القهاوي العصرية على السفهاء
نقد اجتماعي واقتصادي لتحول المقاهي الحديثة من فسحة معتدلة إلى عادة يومية تستنزف المال والوقت وتغذي الاعتماد النفسي والاستهلاك.
