الإيمان والتزكية

نعيب زماننا... أم نراجع أنفسنا؟ - رحلة إلى الحياة الطيبة بين محاسبة النفس وحسن الظن بالله

كثيرًا ما نعيب زماننا والناس، ونغفل عن مراجعة أنفسنا وإصلاح قلوبنا. فالطمأنينة لا تأتي من خلو الحياة من البلاء، بل من الإيمان والعمل الصالح وذكر الله والتوكل عليه، مع الشكر والصبر والرضا وحسن الخلق. والمؤمن يعيش بين الخوف والرجاء، فلا يقنط من رحمة الله، بل يكثر من التوبة والاستغفار. والحياة الطيبة تبدأ حين نحاسب أنفسنا، وننظر إلى نعم الله، ونتبع هداه، فلا نضل ولا نشقى.

1 أغسطس 2026 · 5 دقائق قراءة · 2 قراءة
نعيب زماننا... أم نراجع أنفسنا؟ - رحلة إلى الحياة الطيبة بين محاسبة النفس وحسن الظن بالله

من الأبيات المشهورة المنسوبة إلى الإمام الشافعي رحمه الله:

نعيبُ زمانَنا والعيبُ فينا
وما لزمانِنا عيبٌ سوانا

اختصر هذا البيت مجلدات من المعاني؛ فالإنسان كثيرًا ما يشكو زمانه وظروفه والناس من حوله، لكنه نادرًا ما يقف مع نفسه وقفة إنصاف، فيسألها: ما نصيبي من الخطأ؟ وما الذي ينبغي أن أصلحه في قلبي وسلوكي؟

وإذا وجّه اللوم إلى نفسه مرة، فقد ينسى سريعًا، ثم يعود إلى توجيه سهامه نحو الآخرين. أما المؤمن الصادق فيحاسب نفسه قبل أن يحاسب غيره، وينصف الناس، ويعلم أن إصلاح الحياة يبدأ بإصلاح القلب.

لماذا نفتقد الطمأنينة رغم كثرة النعم؟

قد يملك الإنسان الصحة والبيت والأهل والرزق، ثم لا يشعر بالراحة؛ لأن الطمأنينة لا تُشترى بكثرة المال، وإنما تنبت في قلب عرف الله، ورضي بقضائه، وأكثر من ذكره، وأحسن العمل.

لقد خلق الله الدنيا دار ابتلاء ومشقة، فقال سبحانه:

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾
سورة البلد: 4

فالحياة لا تخلو من التعب والنقص والفقد، ولم تُخلق لتكون جنة كاملة. والسعيد ليس من عاش بلا مشقة، بل من واجهها بإيمان وصبر ورضا.

الحياة الطيبة وعد من الله

قال الله تعالى:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
سورة النحل: 97

لم يعد الله المؤمن بحياة خالية من البلاء، وإنما وعده بحياة طيبة؛ فيها سكينة القلب، وراحة الضمير، والرضا بما قسم الله، ولو كان الرزق قليلًا أو الطريق شاقًا.

والحياة الطيبة تبدأ باتباع هدي الله ورسوله ﷺ؛ فقد قال سبحانه عن نبيه:

﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾
سورة النجم: 3-4

فما جاء به الرسول ﷺ هداية ورحمة وصلاح للإنسان في دنياه وآخرته، ومن تمسك به وجد ميزانًا يحفظ قلبه من الضياع والاضطراب.

أركان الطمأنينة

أول أركان الطمأنينة الإيمان الصادق والعمل الصالح؛ فالطاعة ليست تكليفًا مجردًا، بل نور للقلب وسكينة للنفس.

ومنها كثرة ذكر الله، فقد قال سبحانه:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
سورة الرعد: 28

ومنها التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب، واليقين بأن الرزاق والعاطي والمانع هو الله:

﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾
سورة الطلاق: 3

فما كتبه الله للعبد لن يمنعه أحد، وما لم يكتبه له لن يأتيه مهما اشتد حرصه. وليس الرضا تركًا للعمل، بل أن يبذل الإنسان وسعه، ثم يطمئن إلى اختيار الله وحكمته.

ومن أركان الطمأنينة شكر النعم، والصبر عند البلاء، والرضا بقضاء الله. قال رسول الله ﷺ:

«عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إنْ أَصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أَصابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكانَ خَيْرًا له».
رواه مسلم في صحيحه، رقم 2999.

ومنها حسن الخلق والإنصاف مع القريب والبعيد، والعفو عن الزلات، والتغافل عن كثير من الهفوات؛ فليس كل خطأ يستحق خصومة، ولا كل كلمة تستحق جوابًا، ولا كل إساءة تستوجب معركة.

قال الله تعالى:

﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾
سورة الأعراف: 199

وكم من بيت حفظه التغافل، وكم من صداقة أبقاها العفو، وكم من رحم بقي موصولًا لأن أصحابه لم يحاسب بعضهم بعضًا على كل صغيرة وكبيرة.

لا تجعل قلبك ساحة للتفاهات والفتن

من أكثر ما يسرق الطمأنينة الانشغال بأخبار لا تنفع، وخلافات لا تنتهي، ومقارنات تستنزف القلب، وتتبع ما عند الناس، والرد على كل رأي أو إساءة.

المؤمن العاقل لا يجعل قلبه ساحة لكل نزاع، بل يحفظ وقته وإيمانه، ويشغل نفسه بما ينفعه في دنياه وآخرته. قال تعالى في وصف عباد الرحمن:

﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾
سورة الفرقان: 72

والمرور باللغو كرامًا ليس ضعفًا، بل قوة نفس وعلو همة؛ لأن العاقل يعرف أن عمره أثمن من أن يبدده في كل خصومة.

بين الخوف والرجاء

قال رسول الله ﷺ:

«لَوْ تَعْلَمُونَ ما أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا».
رواه البخاري في صحيحه، رقم 6485.

هذا الحديث يوقظ القلب من الغفلة، لكنه لا يدعوه إلى القنوط؛ فالإسلام يربي المؤمن بين الخوف والرجاء: يخاف ذنبه فلا يتمادى، ويرجو رحمة ربه فلا ييأس.

ولا يصح أن ننسب إلى النبي ﷺ دون تثبت الرواية المتداولة التي تربط هذا الحديث بعبارة: «لِمَ تُقنِّط عبادي؟»، وإنما يكفينا ما ثبت في كتاب الله من فتح أبواب الرجاء، ومن أعظم ذلك قوله سبحانه:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
سورة الزمر: 53

ما أعظم رحمة الله بعباده! يعلم ضعفهم وكثرة أخطائهم، ومع ذلك يدعوهم إلى العودة، ويغفر لمن تاب وأناب.

قال تعالى:

﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
سورة النساء: 110

بل أخبر النبي ﷺ عن عظم فرح الله بتوبة عبده، فقال:

«لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كانَ علَى رَاحِلَتِهِ بأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ منه وعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فأيِسَ منها، ثُمَّ أتى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قدْ أيِسَ مِن رَاحِلَتِهِ، فَبيْنَا هو كَذلكَ إِذَا هو بهَا قَائِمَةٌ عِنْدَهُ، فأخَذَ بخِطَامِهَا، ثُمَّ قالَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ».
رواه مسلم في صحيحه، رقم 2747.

فلا ينبغي للعاصي أن يقول: تأخرت، أو كثرت ذنوبي، أو لم يعد لي طريق إلى الله. ما دام القلب حيًا والعمر باقيًا، فباب التوبة مفتوح، والله لا يرد من رجع إليه صادقًا.

رسالة إلى نفسي قبل غيري

أكتب هذه الكلمات لأذكّر نفسي قبل أن أذكّر غيري؛ فكلنا مقصرون، وكلنا نحتاج إلى محاسبة النفس، وكثرة الاستغفار، وإصلاح القلب والعمل.

فلننظر إلى نعم الله قبل أن نحصي ما ينقصنا، ولنصلح ما بيننا وبين ربنا قبل أن نطالب الدنيا كلها بأن تتغير من أجلنا، ولنراجع أنفسنا قبل أن نعيب زماننا أو نحمل الآخرين مسؤولية كل ما يصيبنا.

إن الطمأنينة ثمرة تُزرع بالإيمان، وتسقى بالعمل الصالح، ويقويها ذكر الله، ويحرسها الرضا، ويزينها حسن الخلق، ويثبتها التوكل، ويجددها الاستغفار، ويحييها الأمل في رحمة الله.

قال سبحانه:

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾
سورة طه: 123

فلا تنتظر أن تصبح الدنيا كاملة حتى تطمئن؛ فهي لم تُخلق كاملة. أصلح قلبك، واتبع هدى ربك، وسترى الحياة بعين أهدأ، ونفس أرضى، وروح أقرب إلى الله.

نسأل الله أن يرزقنا قلوبًا مطمئنة، ونفوسًا راضية، وألسنة ذاكرة، وأعمالًا صالحة، وأن يجعلنا ممن إذا أُعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر، وأن يفتح لنا أبواب رحمته وتوبته، ويختم لنا بالحسنى.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.