العلم والوعي المجتمعي

مخرطة عمرو بن كلثوم- حين يتحول الفخر من إباءٍ نبيل إلى صناعةٍ ثقيلة للخرط

يسخر المقال من المبالغة في الفخر عبر معلقة عمرو بن كلثوم، حيث تتحول القبيلة بالقافية إلى قوة تملأ البر والبحر، ويغدو رضيعها مهابًا تسجد له الجبابرة. ويقارن هذا «الخرط» بادعاءات عصر الإنترنت التي تضخّم الإنجازات الصغيرة إلى أمجاد عالمية، داعيًا إلى عزة تقوم على الصدق والعمل والتواضع كما يهذبها الإسلام؛ فمن احتاج إلى تضخيم نفسه بقي صغيرًا ولو ملأ الدنيا كلامًا.

18 سبتمبر 2026 · 7 دقائق قراءة · 20 قراءة
مخرطة عمرو بن كلثوم- حين يتحول الفخر من إباءٍ نبيل إلى صناعةٍ ثقيلة للخرط

ليست كل المَخارط في المصانع؛ فبعضها يُنصَب في الحناجر.

المخرطة الصناعية تأخذ قطعةً من المعدن، فتزيل زوائدها حتى تصبح مستقيمةً دقيقةً صالحةً للعمل. أما مخرطة عمرو بن كلثوم فكانت تعمل في الاتجاه المعاكس تمامًا: تأخذ قبيلةً محدودة العدد في بادية واسعة، ثم تضيف إليها من الزوائد حتى تضيق بها اليابسة، وتصبّ بقيتها في البحر سفنًا، ثم تأخذ رضيعًا لم يجف الحليب عن فمه فتجعله قوةً عظمى تخرُّ لها الجبابرة ساجدين!

إنها — بلا منافس — أشهر مخرطة كلامية عرفها التاريخ قبل اختراع الكهرباء.

من صرخة الكرامة إلى نشرة السيطرة على العالم

تروي الأخبار الأدبية المشهورة أن عمرو بن هند أراد إذلال ليلى بنت المهلهل، أم عمرو بن كلثوم، في مجلس أمه. وليلى ليست امرأةً جاءت من بيت هادئ يطفئ الخلافات بكوبٍ من الحليب؛ إنها ابنة المهلهل، الزير سالم، أحد أشهر رجال حرب البسوس التي ظل دخانها في الذاكرة العربية أربعين عامًا. كانت شجرة العائلة، فيما يبدو، تُسقى بالثأر أكثر مما تُسقى بالماء.

صرخت ليلى مستغيثةً بقومها، فوثب عمرو بن كلثوم وقتل الملك عمرو بن هند، ثم خرج. وسواء أخذنا تفاصيل الرواية على أنها تاريخ محض أم خبر أدبي نما مع الرواة، فصورتها واضحة: رجلٌ رأى كرامة أمه تُهان، فانفجر غضبًا ورفض المذلة.

وكان يكفيه بعد ذلك أن يقول: نحن قوم لا نقبل الهوان. وهذه عبارة قوية، صادقة، رجولية، ولا تحتاج إلى قسم للدعاية ولا إلى مؤثرات صوتية. بل إنه قال في معلقته ما يؤدي هذا المعنى خير أداء:

إذا ما الملك سام الناس خسفًا
أبينا أن نقرَّ الذلَّ فينا

هنا يقف العقل احترامًا؛ فهذا فخر مفهوم، له سبب ومعنى وموقف. لكن عمرو لم يقف هنا. لقد ضغط زر التشغيل، ودارت المخرطة، وبدأت برادة الواقع تتطاير في كل اتجاه.

بيان صادر عن هيئة المساحة التَّغْلِبية

قال عمرو:

ملأنا البرَّ حتى ضاق عنّا
وماءَ البحر نملؤه سفينا

توقّف قليلًا وتأمل حجم البلاغ الرسمي.

لم يقل: كثر عددنا. ولم يقل: اتسعت ديارنا. ولم يقل حتى: غلبنا جيراننا. كلا؛ لقد ملؤوا البر كله حتى ضاق بهم، فلما لم يعد في اليابسة موضع لقدم، انتقل الفائض السكاني فورًا إلى البحر وملؤوه سفنًا!

بحسب آخر نشرة صادرة عن دائرة العلاقات العامة في بني تغلب، لم تعد القبيلة قبيلة، بل أصبحت أزمة إسكان كوكبية وأكبر شركة شحن بحري قبل اختراع البوصلة. ولم يبق لبقية البشر إلا أن يقفوا على أطراف الخريطة، أو يتقدموا بطلب لجوء إلى كوكب آخر.

والأطرف أن هذا الإعلان البحري العظيم خرج من بيئة صحراوية؛ أي إن العثور على بئر فيها كان يحتاج إلى دليل، لكن الأسطول التغلبي — وفق المخرطة — كان يملأ ماء البحر سفنًا. ولو عُثر على سجلات الموانئ يومئذ لوجدنا، على الأرجح، موظفًا حائرًا يسأل: أين هذه السفن؟ فيجيبه شاعر القبيلة: لا تفسد الوزن بأسئلتك الصغيرة!

لا بأس بالمبالغة في الشعر، فهي من أدواته المعروفة، لكن هناك مبالغةً ترفع المعنى، ومبالغةً ترفعه عاليًا حتى ينقطع عنه الأكسجين. وهذا البيت من النوع الذي يحتاج قارئه إلى خريطة، وآلة حاسبة، وسترة نجاة.

رضيعٌ يحتاج إلى وزارة خارجية

ثم تبلغ المخرطة سرعتها القصوى في البيت الأشهر:

إذا بلغ الفطامَ لنا صبيٌّ
تخرُّ له الجبابر ساجدينا

ليس فارسًا خاض الحروب. ليس شيخ قبيلة عقد الأحلاف. ليس قائدًا فتح الحصون. إنه صبي بلغ الفطام؛ طفل خرج لتوه من مرحلة الحليب، وربما كان لا يزال يتعثر في مشيته ويبحث عن أمه إذا جاع، لكن كسرى وقيصر وسائر الجبابرة — حسب نشرة الأخبار — تلقّوا البلاغ، فتركوا عروشهم وخرّوا له ساجدين!

يا له من فطامٍ ذي آثار جيوسياسية خطيرة.

لو صح هذا البيت حرفيًا لوجب أن تكون لكل حضانة في بني تغلب سفارة، ولكل مهد حرس جمهوري، وأن توضع على أغذية الأطفال عبارة تحذيرية: «قد يؤدي إتمام الفطام إلى سقوط الإمبراطوريات».

— كم طفلًا فُطم هذا الصباح؟

— ثلاثة يا مولاي.

— إذن أخلوا القصر، فلا طاقة لنا بثلاث قوى عظمى جديدة قبل الغداء!

هنا لا يعود الفخر ثقةً بالنفس، بل يصبح رسمًا كرتونيًا للذات: رأس بحجم قارة، وجسد يبحث عن مكان صغير في الحقيقة.

القصيدة عظيمة… لكن الأطلس يعترض

معلقة عمرو بن كلثوم نص فخم، قوي الإيقاع، جزيل اللغة، باقٍ في ذاكرة الأدب، ولا ينقص من قيمتها الفنية أن نضحك من تضخمها. يجوز لنا أن نعجب بقدرة الشاعر على سبك العبارة من غير أن نسلّمه سجلات السكان وخرائط الملاحة وتقارير القوى العسكرية.

فالقصيدة ليست دائرة إحصاء، والقافية ليست شاهدًا عدلًا، وجمال البيت لا يحوّل الادعاء إلى حقيقة. والكذب لا يصير مروءةً لمجرد أنه موزون ومقفّى، كما أن الخرط لا يصير صناعة فضائية لأن صاحبه ألقاه بصوت جهوري.

نقرّ لبني تغلب بالشجاعة والإباء، ونقرّ لعمرو بقوة الشعر وحرارة الأنفة، لكننا لا نستطيع — احترامًا للعقل — أن نمنحه ملكية اليابسة والبحر، ثم نسجل أطفال القبيلة في مجلس الأمن دولًا دائمة العضوية.

إن أجمل ما في الفخر أن يستند إلى حقيقة؛ لأن الحقيقة لا تحتاج إلى نفخ. أما إذا جاوز الفخر حدَّه، فإنه لا يكبّر صاحبه، بل يصغّر صدقه. ومن يرفع نفسه فوق حجمها لا يصبح عملاقًا؛ يصبح بالونًا ينتظر أول دبوس.

المخرطة لم تُغلق… لقد انتقلت إلى الإنترنت

قد يظن بعضنا أن مخرطة عمرو بن كلثوم قطعة أثرية انتهى زمنها. والحقيقة أنها تطورت، وصارت أخف وزنًا، وأسرع دورانًا، وتعمل اليوم بالهاتف المحمول.

يفتح أحدهم متجرًا مساء الخميس، ثم يكتب صباح الجمعة: «نحن الشركة الرائدة عالميًا»؛ ولم يدخل متجره بعدُ سوى أخيه ليتأكد أن الرابط يعمل.

وينشر كاتب مقالًا قرأه ثلاثة، اثنان منهم من أقاربه، ثم يعلن أنه «أعاد تشكيل الوعي الإنساني».

ويخسر سياسي حيه، ثم يقول: «الجماهير كلها تقف خلفي»، وربما كانت تقف خلفه فعلًا لأنها تحاول الوصول إلى الباب.

ويصنع صاحب مشروع نموذجًا لا يعمل، فيصفه بأنه «ثورة ستغيّر مستقبل البشرية»، بينما مستقبل المشروع نفسه لا يتجاوز موعد إصلاح الخطأ التالي.

ويحفظ أحدهم عشر كلمات في موضوع، ثم يدخل النقاش كما يدخل عمرو بن كلثوم معلقته: ملأتُ البر معرفةً، وماء البحر أملؤه شهادات!

تغيرت الألفاظ فقط. كان الخرط قديمًا يقول: «ملأنا البر». واليوم يقول: «نحن الرقم الأول»، و«غير مسبوق»، و«العالم يتحدث عنا»، و«غيّرنا قواعد اللعبة». أما العالم المسكين فلا يعلم أنه تحدث عنهم، ولا يعرف اللعبة التي غيّروا قواعدها، وربما لم يُدعَ إليها أصلًا.

الرجولة لا تحتاج إلى منفاخ

الرجل الصادق لا يخجل من قوته، لكنه يخجل من الكذب بشأنها. يقول: فعلت كذا، ويأتي بالدليل. أخفقت هنا، وتعلمت. نجحت هناك، وهذه حدود نجاحي. إنه لا يملأ البحر سفنًا في البيان الصحفي، بل يضع سفينةً واحدة في الماء ويجعلها تصل.

أما الفخر المفرط فليس علامة امتلاء، بل كثيرًا ما يكون صوت الفراغ حين يجد مكبرًا. وكلما صغر الإنجاز، احتاج صاحبه إلى عنوان أكبر؛ حتى ترى مشروعًا بحجم الدكان يحمل خطاب إمبراطورية، ورأيًا عابرًا يقدم نفسه بوصفه نهاية التاريخ.

الرجولة صدق قبل أن تكون صلابة. والشجاعة مواجهة الواقع، لا إعادة خرطه حتى يناسب المرآة. ومن لا يحتمل أن يرى حجمه الحقيقي لن يكبر؛ لأنه سيقضي عمره في تكبير صورته بدل تكبير عمله.

إن الرجل الواثق لا يحتاج إلى أن يُسجد الجبابرة لطفله كي يثبت كرامته. يكفيه ألا يسجد هو للباطل، وألا يذل ضعيفًا، وألا يكذب ليبدو كبيرًا. فهذه بطولة أصعب من ألف بيت فخر، لأنها تُمارس حين لا توجد قافية تصفق لصاحبها.

الإسلام: عزة بلا جنون عظمة

ثم جاء الإسلام، فلم يطلب من العربي أن يتخلى عن العزة، ولم يربِّه على قبول المهانة، بل نقل العزة من صخب النسب إلى شرف الإيمان والعمل:

﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾

وجعل ميزان التفاضل واضحًا:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

ثم أغلق باب الدعاية الذاتية المنفلتة بقوله تعالى:

﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾

لم يأت الإسلام ليكسر النفس الكريمة، بل ليكسر صنم النفس المتورمة. لم يقل للعربي: كن ذليلًا؛ بل قال له، بمعنى منهجه: لا تجعل قبيلتك إلهًا صغيرًا، ولا نسبك شهادة تفوق، ولا لسانك مصنعًا لأحجام لم يصنعها عملك.

العزة في الإسلام ليست أن يخرَّ الجبابرة ساجدين لصبيك، بل أن يسجد الصبي والرجل والملك لله وحده. وليست أن تملأ الأرض ضجيجًا باسم قومك، بل أن تملأ موضعك عدلًا وصدقًا وإحسانًا. وليست أن تدّعي أنك خير الناس، بل أن تكون نافعًا للناس ولو لم تنظم في نفسك بيتًا واحدًا.

وهذا هو الفرق بين العزة والغرور: العزة تمنعك من الانحناء للباطل، والغرور يطالب العالم كله بأن ينحني لك. الأولى كرامة، والثانية مرض له بحرٌ من السفن ورضيعٌ ترتعد منه الإمبراطوريات.

لوحة التحذير الأخيرة

فلنحتفظ بمعلقة عمرو بن كلثوم في ديوان الأدب، حيث يليق بها أن تُقرأ لجمالها وقوتها وصورتها لعصرها، لا في سجلات الإحصاء ولا في خرائط البحار. ولنضع بجانب بعض أبياتها لوحة صغيرة تقول:

تحفة لغوية عالية الجودة، لكن انبعاثاتها الفخرية مرتفعة؛ يُرجى تشغيل العقل عند القراءة.

ومن أراد أن يفخر فليفخر بصدق: لا بأس أن تقول إنك شجاع إذا شهدت لك المواقف، ولا بأس أن تعتز بقومك إذا ذكرت محاسنهم من غير أن تمحو بقية البشر من الخريطة. أما أن تدخل الحقيقة في طرف المخرطة وتُخرجها من الطرف الآخر إمبراطوريةً لا تسعها الأرض، فذلك ليس فخرًا؛ ذلك خرط صناعي ثقيل.

وستبقى مخرطة عمرو بن كلثوم أشهر مخرطة في التاريخ: لا تعمل بالكهرباء، بل بالقافية؛ ولا تزيل الزوائد، بل تنتجها؛ تدخلها قبيلة فتخرج قارة، ويدخلها قارب فيخرج أسطولًا يملأ البحر، ويدخلها رضيع فيخرج والجبابرة عند قدميه.

غير أن زماننا أشد قسوةً على الخراطين من زمان المعلقات؛ فقد صارت هناك خرائط، وأرقام، وكاميرات، ومحركات بحث. ولهذا، قبل أن تقول إنك ملأت البر والبحر، تأكد أولًا أنك ملأت استمارة الحقيقة.

فالعزة لا يناقضها التواضع، والرجولة لا يرفعها الكذب، ومن احتاج إلى مخرطة كي يكبر… بقي صغيرًا ولو ملأ الدنيا كلامًا.