هل يعيد الذكاء الاصطناعي التوازن إلى سوق البرمجة والتصميم؟
يناقش المقال تجربة شخصية في استخدام الذكاء الاصطناعي لبناء مواقع إلكترونية وتصميمات بتكلفة محدودة ونتائج فاقت التوقعات، بعد مواجهة أسعار مرتفعة ومبالغات في تقدير الأعمال. ويؤكد أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي المبرمج والمصمم، بل يعيد ضبط السوق، ويمنح الأفضلية لمن يجمع بين الخبرة وحسن التوجيه والمراجعة، ويقدم قيمة حقيقية بسعر عادل دون تهويل أو هدر، مع بقاء الحاجة إلى المتخصصين في المشاريع المعقدة والحساسة.

عندما يحتاج صاحب مشروع صغير إلى برنامج، أو شعار، أو موقع إلكتروني، فإنه يبدأ غالبًا رحلة بحث طويلة عن مبرمج أو مصمم يستطيع أن يحول فكرته إلى واقع. غير أن هذه الرحلة لا تكون سهلة دائمًا؛ فقد يواجه أسعارًا مرتفعة، أو شروطًا جامدة، أو مبالغة في تصوير حجم العمل وتعقيده، حتى يشعر أحيانًا أن فكرته البسيطة تحولت إلى مشروع ضخم لا يستطيع تحمل تكلفته.
في عامي 2025 و2026 أصبح هذا الأمر أكثر إثارة للتساؤل؛ لأننا لم نعد نعيش في الزمن نفسه الذي كانت فيه كل صفحة تُكتب يدويًا، وكل صورة تُرسم من الصفر، وكل وظيفة برمجية تحتاج إلى ساعات طويلة من البحث والتجربة.
نحن اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي، والمكتبات الجاهزة، وأنظمة إدارة المحتوى، والقوالب المتطورة، وأدوات توليد الشيفرة والتصميم. ومع ذلك، لا يزال بعض مقدمي الخدمات يسعّرون أعمالهم كما لو أن هذه الأدوات غير موجودة.
قد تطلب شعارًا بسيطًا فتُعرض عليك أسعار تتراوح بين ستمئة وألف ريال، وربما أكثر، مع عدد محدود من التعديلات، وفي بعض الحالات يكون الأسلوب أقرب إلى: هذا هو التصميم، فإن أعجبك فخذه، وإلا فابحث عن غيرنا.
وبالتأكيد يمكن العثور على مصممين أرخص أو أغلى، كما توجد أعمال احترافية تستحق أسعارًا مرتفعة فعلًا. لكن المشكلة ليست في السعر المرتفع وحده، بل في غياب التناسب أحيانًا بين السعر وحجم الجهد والقيمة التي يحصل عليها العميل.
ليست كل الأسعار المرتفعة استغلالًا
من الإنصاف أن نقرر منذ البداية أن التصميم والبرمجة مهنتان تحتاجان إلى علم وخبرة وموهبة وتدريب طويل.
فالشعار الاحترافي ليس مجرد صورة جميلة، بل قد يتطلب دراسة لهوية المشروع وجمهوره وألوانه واستخداماته، وإعداد نسخ مناسبة للطباعة والشاشات والخلفيات المختلفة. والموقع الجيد لا يقتصر على واجهة جذابة، بل يحتاج إلى قواعد بيانات، وحماية، وسرعة، وتوافق مع الهواتف، وتجربة استخدام مريحة، واختبارات وصيانة ودعم فني.
ولهذا لا يصح أن نصف كل مصمم أو مبرمج يطلب مبلغًا مرتفعًا بأنه مبالغ أو مستغل. فبعض المشروعات تبدو بسيطة من الخارج، لكنها تحتاج في خلفيتها إلى جهد كبير ومسؤولية مستمرة.
ومع ذلك، من حق العميل أيضًا أن يسأل:
هل ما زالت طرق التسعير القديمة مناسبة بعد أن اختصر الذكاء الاصطناعي كثيرًا من الوقت والجهد؟
وهل من العدل أن يدفع العميل تكلفة أسبوع كامل عن عمل أصبح تنفيذه، باستخدام الأدوات الحديثة، لا يتجاوز عدة ساعات؟
لماذا احتجت إلى موقع خاص؟
منذ سنوات وأنا أكتب المقالات وأعد الكتب باللغة العربية، راجيًا أن يكون فيها نفع، ولو لقارئ واحد.
أعلم أن عدد القراء ليس كبيرًا، وأن الكتابة العربية المتخصصة لا تجلب غالبًا مالًا ولا شهرة، بل قد يمر المقال أو الكتاب دون أن يلتفت إليه إلا القليل. ومع ذلك، يبقى في النفس فضول للكتابة، ورغبة في تسجيل التجارب والأفكار، وأمل في أن تقع كلمة نافعة في يد إنسان يحتاج إليها.
وقد أقرر أحيانًا أن أتوقف نهائيًا عن الكتابة باللغة العربية، ثم أتراجع عن قراري بعد أيام أو أسابيع. واستمر هذا التردد معي نحو سنتين؛ أتوقف ثم أعود، وأقول في نفسي: لعل إنسانًا يقرأ شيئًا كتبته مصادفة، فيجد فيه نصيحة أو فكرة تنفعه، ويكتب الله لي وله بها خيرًا.
فالإنسان لا يدري أي أعماله يبقى أثرها، ولا أي كلمة تكون سببًا في نفع غيره. وقد قال الله تعالى:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
سورة الشعراء: 88–89
وقال النبي ﷺ:
«إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
رواه مسلم
ومن هذا الباب كنت أرجو أن تكون المقالات والكتب التي أعدها نوعًا من العلم النافع الذي يبقى أثره بعد صاحبه، ولو كان أثرًا محدودًا.
ولهذا احتجت إلى موقع يجمع مقالاتي وكتبي العربية، وينظمها، ويسهل الوصول إليها، ويحفظها من الضياع.
الموقع الأول: حل مؤقت استمر سنتين
في البداية استعنت بمبرمج في سوريا أنشأ لي موقعًا بسيطًا مقابل مئتي دولار. وقد أرسله إليّ بسرعة كبيرة، وأرجح أنه استخدم الذكاء الاصطناعي في إنجاز جزء مهم منه، وربما لم يستغرق العمل الفعلي وقتًا طويلًا.
بعد ذلك أجريت على الموقع بعض التعديلات بنفسي حتى أصبح أقرب إلى احتياجاتي، واستمر يعمل على هذه الصورة قرابة سنتين.
كان يؤدي الغرض الأساسي، لكنه لم يكن يحقق ما أطمح إليه. كنت أريد واجهة أجمل، وتحكمًا أكبر، ولوحة إدارة متكاملة، وآلية مريحة لإضافة المقالات والكتب، وتنظيم الإعلانات والصور، وإدارة الأقسام والتصنيفات دون الحاجة إلى تعديل الملفات يدويًا في كل مرة.
بحثت مجددًا عن مبرمجين ومصممين، لكنني فوجئت بعروض مرتفعة جدًا مقارنة بطبيعة الموقع وإمكاناته المادية. شعرت أن كثيرًا من العروض تتعامل مع الموقع وكأنه منصة تجارية ضخمة، مع أن احتياجي كان واضحًا ومحددًا.
عندها قررت أن أخوض التجربة بنفسي.
أسبوع واحد من الحوار مع الذكاء الاصطناعي
اشتركت في ChatGPT بمبلغ يقارب تسعين ريالًا شهريًا، وبدأت في شرح الموقع الذي أريده.
لم أكتب جملة واحدة مثل: «أنشئ لي موقعًا كاملًا»، ثم أحصل فورًا على النتيجة النهائية. بل كان الأمر أسبوعًا كاملًا من الحوار والجدال والتجربة والتصحيح.
كنت أشرح كل جزء على حدة:
- كيف أريد الصفحة الرئيسة؟
- كيف تضاف المقالات؟
- كيف تعرض الكتب؟
- كيف تظهر الصور؟
- كيف تدار الإعلانات؟
- كيف يعمل البحث؟
- كيف تكون لوحة التحكم؟
- كيف ينتقل الموقع بين الوضع الفاتح والداكن؟
- كيف نحافظ على سرعة الموقع وتجاوبه مع الهواتف والحواسيب؟
كان الذكاء الاصطناعي يقترح شيفرات وحلولًا، فأختبرها، ثم أعود إليه بالأخطاء والملاحظات. وأحيانًا كان التعديل الذي يقترحه يحل مشكلة ويخلق مشكلة أخرى، فأطلب منه مراجعة العلاقة بين الملفات وقواعد البيانات والواجهات.
وبعد أسبوع واحد خرج الموقع بصورة تفوق كثيرًا ما كنت أطمح إليه.
أصبح لدي نظام كامل لإدارة المقالات والكتب والإعلانات، وتحكم في الصور والتصنيفات، ووضع فاتح وآخر داكن، وواجهة متجاوبة، وأداء مرتفع وصل في بعض الاختبارات التي أجريتها إلى نحو 99% على الهاتف والحاسب.
والموقع الذي أتحدث عنه هو الموقع الذي يُقرأ منه هذا المقال:
ثم طبقت التجربة نفسها في تطوير موقع مشروعي التقني الرئيس:
وفي الموقعين حصلت على نتائج تفوق ما كنت أتخيله حين بدأت.
هل الذكاء الاصطناعي هو الذي بنى الموقع وحده؟
قد يقرأ أحدهم هذه التجربة فيتصور أن أي إنسان يستطيع الاشتراك في إحدى خدمات الذكاء الاصطناعي، ثم يحصل خلال أيام على موقع احترافي كامل دون خبرة أو معرفة.
وهذا تصور غير دقيق.
فالذكاء الاصطناعي ساعدني كثيرًا، واختصر عليّ وقتًا وجهدًا ومالًا، لكنه لم يكن يعمل وحده. كانت لدي خبرة سابقة في البرمجة، وخصوصًا في PHP، كما أفهم قواعد البيانات، والاستضافة، وتنظيم الملفات، وآليات عمل المواقع.
كنت أستطيع قراءة الشيفرة التي يقدمها، وفهم معظم ما تفعله، واختبارها، واكتشاف المشكلات، وتحديد ما إذا كان الحل مناسبًا أو مؤقتًا.
أما المستخدم الذي لا يملك أي خلفية، فقد يحصل على موقع يبدو جميلًا من الخارج، لكنه يحتوي على ثغرات أمنية أو تكرار في الشيفرة أو ضعف في قاعدة البيانات أو مشكلات تظهر لاحقًا عند التوسع.
الذكاء الاصطناعي يستطيع كتابة الشيفرة، لكنه لا يعرف دائمًا هل هذه الشيفرة هي الأنسب للمشروع أم لا. وقد ينفذ طلبًا خاطئًا بكفاءة عالية؛ لأن المستخدم نفسه لم يحدد حاجته بطريقة صحيحة.
ولهذا فإن نجاح التجربة لا يعتمد على قوة الأداة وحدها، بل على قدرة الإنسان على توجيهها ومراجعتها وتقييم نتائجها.
الذكاء الاصطناعي لا يلغي الخبرة، بل يضاعف أثرها
من أهم ما تعلمته من هذه التجربة أن الذكاء الاصطناعي لا يجعل الخبرة بلا قيمة، وإنما يجعل صاحب الخبرة أكثر قدرة وإنتاجًا.
المبرمج الخبير قد يستخدمه لكتابة الأجزاء المتكررة، وتحليل الأخطاء، واقتراح الاختبارات، وتوثيق الشيفرة، وبناء النماذج الأولية بسرعة. والمصمم المحترف يستطيع استخدامه لتوليد أفكار أولية كثيرة، ثم اختيار الأفضل وتطويره بما ينسجم مع هوية المشروع.
أما من يعتمد عليه دون فهم، فقد يجمع شيفرات لا يعرف كيف تعمل، أو يقدم تصميمًا مولدًا آليًا على أنه عمل أصلي متكامل، أو يطلب من العميل سعرًا كبيرًا مقابل نتيجة حصل عليها خلال دقائق دون إضافة مهنية حقيقية.
وهنا تظهر المشكلة التي ستنكشف تدريجيًا أمام العملاء.
فالعميل أصبح أكثر وعيًا بالأدوات المتاحة، وسيبدأ في التمييز بين من يستخدم الذكاء الاصطناعي لتقديم خدمة أسرع وأفضل وأعدل، ومن يستخدمه لتقليل جهده مع إبقاء الأسعار والادعاءات كما كانت.
ما مصير المبرمجين والمصممين؟
لا أعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على البرمجة أو التصميم، لكنه سيغير طبيعة العمل ومعايير النجاح فيهما.
قد تتراجع قيمة بعض الأعمال البسيطة والمتكررة، مثل إنشاء الصفحات التقليدية، أو تعديل القوالب، أو تصميم شعارات أولية، أو كتابة الوظائف البرمجية المعروفة. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على إنجاز نسبة كبيرة منها بسرعة.
لكن ستبقى الحاجة قوية إلى من يستطيع:
- فهم المشكلة الحقيقية قبل البدء في تنفيذها.
- تحويل رغبات العميل المبهمة إلى متطلبات واضحة.
- مراجعة الشيفرة واكتشاف الأخطاء والثغرات.
- بناء أنظمة قابلة للتوسع والصيانة.
- حماية بيانات المستخدمين.
- تقديم تجربة استخدام متماسكة.
- اتخاذ قرارات تصميمية وتقنية صحيحة.
- تحمل مسؤولية المنتج بعد تسليمه.
لن تكون الغلبة في المستقبل لمن يكتب أكبر عدد من الأسطر البرمجية بيده، ولا لمن يقضي أطول وقت في رسم التصميم، بل لمن يقدم أفضل نتيجة بأقل هدر، ويستخدم الأدوات الحديثة بوعي ومسؤولية.
كيف يمكن أن ينضبط السوق؟
أتوقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي في إعادة التوازن إلى سوق البرمجة والتصميم.
سيصبح من الصعب المبالغة في تهويل الأعمال الصغيرة، لأن العملاء سيعرفون أن كثيرًا من المهام يمكن إنجازها بسرعة. كما ستظهر خدمات جديدة تعتمد على تسعير أكثر وضوحًا، يميز بين تكلفة التنفيذ الآلي وقيمة الخبرة البشرية والمراجعة والدعم.
وقد يكون الأسلوب الأكثر عدلًا مستقبلًا هو أن يوضح مقدم الخدمة للعميل ما الذي يدفع ثمنه فعلًا:
- هل يدفع ثمن تصميم أولي فقط، أم ثمن دراسة متكاملة للهوية؟
- هل يدفع ثمن تركيب قالب، أم ثمن نظام خاص آمن ومدروس؟
- هل يتضمن السعر الصيانة والدعم والنسخ الاحتياطي؟
- أم ينتهي العمل بمجرد التسليم؟
بهذا يصبح السعر مفهومًا، ويستطيع العميل المقارنة بعدل، بدل أن يسمع رقمًا كبيرًا لمجرد أن كلمة «برمجة» أو «تصميم» تبدو غامضة ومعقدة بالنسبة إليه.
فرصة للمحترفين وليست تهديدًا لهم
المصمم أو المبرمج المحترف لا ينبغي أن ينظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره عدوًا يهدد رزقه، بل باعتباره أداة ترفع إنتاجيته وتفتح له أبوابًا جديدة.
فبدل أن يقضي أيامًا في الأعمال المتكررة، يستطيع أن يخصص وقته للفهم والإبداع والتطوير والاختبار. وبدل أن ينفذ مشروعين في الشهر، قد يتمكن من تنفيذ عدد أكبر بجودة أعلى، وبأسعار أكثر ملاءمة، مع الحفاظ على دخل جيد.
أما الإصرار على الأساليب القديمة، أو تجاهل التحول الجاري، أو الاستمرار في تسعير كل مهمة وفق الوقت الذي كانت تحتاج إليه قبل ظهور هذه الأدوات، فقد يؤدي إلى فقدان ثقة العملاء.
الذكاء الاصطناعي لن يطرد أصحاب الخبرة، لكنه قد يطرد من يرفض التطور، أو من كانت قيمته تعتمد فقط على احتكار المعرفة التقنية البسيطة.
ليست دعوة إلى الاستغناء الكامل عن المتخصصين
لا أكتب هذا المقال لأدعو الناس إلى مقاطعة المبرمجين والمصممين، ولا لأقلل من قيمة تخصصاتهم. لقد استعنت بمبرمجين في الماضي، وقد أستعين بهم مستقبلًا في أعمال تتجاوز خبرتي أو تحتاج إلى فريق واختبارات متقدمة.
كما أن المشروعات الحساسة، مثل الأنظمة المالية والطبية والحكومية والتجارية الكبرى، لا يجوز أن تُبنى بمجرد حوار عابر مع أداة ذكاء اصطناعي. فهذه المشروعات تحتاج إلى فرق متخصصة، ومراجعات أمنية، واختبارات، ومسؤوليات قانونية ومهنية واضحة.
لكنني أدعو أصحاب المشاريع الصغيرة إلى عدم الاستسلام لفكرة أن كل موقع أو برنامج يحتاج إلى ميزانية ضخمة. وأدعو المبرمجين والمصممين إلى مراجعة طرق العمل والتسعير، والاستفادة من الأدوات الجديدة في تخفيض التكاليف وتسريع الإنجاز، بدل استخدامها سرًا مع الاستمرار في تقديم العمل للعميل كأنه أُنجز بالكامل بالطرق التقليدية.
من سيتصدر المشهد القادم؟
أرى أن المرحلة المقبلة لن تكون للذكاء الاصطناعي وحده، ولا للإنسان الذي يرفضه، بل لمن يجمع بين الاثنين.
سيتصدر المشهد المبرمج الذي يفهم هندسة البرمجيات، ويجيد توجيه الذكاء الاصطناعي، ثم يراجع مخرجاته ويطورها.
وسيتقدم المصمم الذي يملك حسًا بصريًا وفهمًا للهوية، ويستخدم أدوات التوليد لتوسيع خياراته لا لاستبدال تفكيره.
وسينجح صاحب المشروع الذي يفهم احتياجاته، ويتعلم ما يكفي ليحاور الأدوات والمتخصصين بوعي، فلا يرفض الخبرة البشرية، ولا يدفع أموالًا طائلة في أعمال يمكن إنجازها بطريقة أبسط.
فالذكاء الاصطناعي نفسه يحتاج إلى خبرة في صياغة الطلبات، وفهم المخرجات، وتحديد آليات العمل، واختبار سهولة الاستخدام، وربط أجزاء المشروع بعضها ببعض.
كلما كانت خبرتك أعمق، أصبحت الأداة أكثر فائدة لك.
الخلاصة
ربما لا يكون السؤال الأدق هو:
هل ينقذنا الذكاء الاصطناعي من المبرمجين والمصممين؟
بل:
هل ينقذنا من المبالغة والغموض والهدر في سوق البرمجة والتصميم؟
أعتقد أن الجواب نعم، إلى حد كبير.
لن يلغي الذكاء الاصطناعي المهن الإبداعية والتقنية، لكنه سيكشف الفرق بين العمل الحقيقي والعمل المبالغ في وصفه، وسيجبر السوق على إعادة تقييم الوقت والتكلفة والقيمة.
وسيكون الرابح الأكبر هو المحترف الصادق الذي يستخدم هذه الأدوات لتقديم عمل أفضل وأسرع وأكثر عدلًا، والعميل الواعي الذي يعرف ما يحتاج إليه، ويقدر الخبرة الحقيقية دون أن يقبل المبالغة.
أما المستقبل، فلن يكون لمن يقاوم الأدوات الجديدة، ولا لمن يسلم لها عقله بالكامل، بل لمن يحسن استخدامها، ويدرك حدودها، ويضيف إليها خبرته ووعيه ومسؤوليته.
فالذكاء الاصطناعي لا يصنع النجاح وحده، لكنه قد يمنح الإنسان القادر أضعاف ما كان يستطيع إنجازه من قبل.
مقالات ذات صلة
المعالج الذي يحلم به الذكاء الاصطناعي - هل يمكن بناء معمارية تتفوق على x86 وARM وRISC-V؟
يناقش المقال إمكان ابتكار معمارية معالج جديدة بمساعدة الذكاء الاصطناعي تتجاوز حدود x86 وARM وRISC-V. ويوضح أن التفوق لا يعتمد على مجموعة التعليمات وحدها، بل على تكامل العتاد والمترجم والذاكرة والطاقة والتوافق البرمجي. والمستقبل الأرجح ليس معالجًا سحريًا، بل منظومات هجينة تجمع نوى عامة ووحدات متخصصة وترجمة ثنائية ذكية ولغة منخفضة المستوى أكثر تعبيرًا، مع بقاء قيود الفيزياء وإرث البرمجيات.
حين أجبرتني المماطلة على الاحتراف - رحلة مبرمج اختار أن يبدأ وحده… وألا يتوقف
بدأت البرمجة عندي هواية عام 1986، ثم دفعتني مماطلة المبرمجين وضعف الالتزام إلى تعلمها باحتراف والاعتماد على نفسي. صنعت مشروعات فردية ناجحة، وأثبت أحدها قيمته في أزمة كورونا. واليوم أواصل مشروع ForgeVM رغم تقدّم العمر وغياب الفريق المناسب، مستلهمًا تجربة Chris Lattner وLLVM. خلاصة الرحلة: الفريق مهم، لكن غيابه لا ينبغي أن يقتل الفكرة؛ ابدأ بما تستطيع، وثّق عملك، واترك الباب لمن يكمل الطريق.
كيف انتصر الويب على تطبيقات سطح المكتب رغم أنها أقوى؟
لم ينتصر الويب على تطبيقات سطح المكتب لأنه أقوى، بل لأنه أسهل وصولًا وتوزيعًا وتحديثًا، ويمنح الشركات سيطرة مركزية على الحسابات والبيانات والاشتراكات. ورغم تفوق البرامج الأصلية في الأداء والوصول إلى النظام، فإن WebAssembly يضيّق الفجوة بتشغيل شيفرة منخفضة المستوى داخل المتصفح بكفاءة وعزل، فاتحًا الطريق لتطبيقات هجينة تجمع انتشار الويب وقوة البرامج الأصلية مع حماية الخصوصية وحق المستخدم في بياناته.
