التقنية والتعليم

من مجلد «MyLang» إلى ForgeLang - سيرة حلم بدأ عام 2000 وتحول بعد ربع قرن إلى لغة برمجة حقيقية

بدأ حلم ForgeLang عام 2000 داخل مجلد صغير باسم MyLang، بعد اختفاء لغة GLPro التي أحببتها. وبعد محاولات ودراسات امتدت ربع قرن، بنيت ForgeAssembler أساسًا للغة أنظمة حديثة، سريعة وآمنة، تقارب أداء C بلا تكاليف خفية. وبمساعدة الذكاء الاصطناعي تحول الحلم إلى مشروع حقيقي، أخطط لطرحه مفتوح المصدر خلال الربع الأول من 2027، ضمن منظومة متكاملة من المكتبات وأدوات الإنتاج.

25 أغسطس 2026 · 11 دقائق قراءة · 22 قراءة
من مجلد «MyLang» إلى ForgeLang - سيرة حلم بدأ عام 2000 وتحول بعد ربع قرن إلى لغة برمجة حقيقية

من الصعب جدًا أن تصنع لغة برمجة خاصة بك، والأصعب من ذلك أن تبلغ بها درجة من النضج والثقة تسمح لك بإطلاقها ليستخدمها الآخرون. فالأمر لا يتعلق بابتكار صياغة جديدة لكتابة الأوامر، بل ببناء منظومة متكاملة تشمل تصميم اللغة، والمترجم، والأسيمبلر، ومحسن الشيفرة، ونظام الأنواع والذاكرة، والمكتبة القياسية، والتوافق مع أنظمة التشغيل والمعماريات المختلفة.

ومع ذلك، ظل إنشاء لغة برمجة خاصة بي حلمًا يرافقني منذ عام 2000، وإن كانت جذور هذا الحلم قد بدأت قبل ذلك بسنوات طويلة.

البداية مع GRASP وGLPro

منذ عام 1992 وحتى عام 2000، كنت أعمل بلغة برمجة مغمورة نسبيًا، لكنها كانت بالنسبة إلي أداة مذهلة للإنتاج السريع، هي لغة GRASP ثم وريثتها GLPro.

كانت لغة مفسرة وموجهة إلى تطبيقات الوسائط المتعددة، وتمتاز بسهولة كبيرة مقارنة بما كان متاحًا في ذلك الوقت. استطعت بواسطتها إنشاء العديد من البرامج والمشروعات التي نشرتها على الأقراص المرنة مقاس 1.44 بوصة، ثم على الأقراص المدمجة.

كانت GLPro بالنسبة إلي أشبه بماكينة إنتاج متكاملة. ففي الوقت الذي كان فيه إنشاء برامج الوسائط المتعددة باستخدام اللغات المعروفة يتطلب جهدًا كبيرًا وتفاصيل تقنية مرهقة، كانت هذه اللغة تمكّنني من تحويل الأفكار إلى برامج حقيقية بسرعة ومرونة.

خلال تلك الفترة، تواصلت مرارًا عبر MSN Messenger مع المبرمج الأمريكي John Bridges، المطور الرئيس لـGRASP والمؤلف الوحيد لـGLPro. وقد استفدت كثيرًا من حديثه عن تصميم اللغات وبناء الأدوات البرمجية. كان قد استخدم لغة C في تطوير نظامه، ونصحني حينها بالتوجه إلى البرمجة كائنية التوجه في C++ باعتبارها المسار الأكثر ملاءمة لمستقبل تطوير التطبيقات.

لكن هذه اللغة التي أحببتها انتهت فجأة. انتقلت ملكيتها إلى شركات أخرى، ثم أُغلقت الجهة التي كانت تتولى تطويرها، وتوقفت اللغة التي بنيت بها جزءًا مهمًا من أعمالي وحياتي البرمجية.

كان شعوري حينها يتجاوز فقدان برنامج عادي؛ لقد شعرت أن أداة إبداع كاملة قد دُفنت إلى الأبد. بقيت حزينًا على اختفاء تلك اللغة أكثر من عام، وبدأ يتكون داخلي سؤال لم يفارقني بعد ذلك:

لماذا لا أصنع لغتي بنفسي، بحيث لا يستطيع أحد أن يدفنها أو ينتزعها مني مرة أخرى؟

مجلد صغير اسمه MyLang

في عام 2000 فتحت على حاسوبي مجلدًا جديدًا وأطلقت عليه اسم:

MyLang

كان ذلك المجلد أول تجسيد مادي للحلم. لم تكن لدي حينها الأدوات أو المعرفة الكافية لبناء لغة متكاملة، لكنني بدأت المحاولة. كتبت أفكارًا وتجارب أولية، ودرست بعض المفاهيم التي تعلمتها من John Bridges، وحاولت تصور الشكل الذي يمكن أن تكون عليه لغتي.

كانت معظم تلك المحاولات تنتهي بالفشل.

لم يكن الفشل ناتجًا عن غياب الرغبة، بل لأن بناء لغة برمجة حقيقية يحتاج إلى معرفة واسعة جدًا: تصميم المترجمات، والتحليل النحوي والدلالي، وتمثيل الشيفرة، وتوليد لغة الآلة، وتحسين الأداء، وإدارة الذاكرة، وتصميم ABI، وفهم المعالجات وأنظمة التشغيل وأدوات الربط.

في ذلك الوقت لم تكن لدي المعرفة الكافية ولا الإمكانات المادية ولا الوقت الذي يسمح لي بالتفرغ لمشروع بهذا الحجم. كما لم تكن المعلومات متاحة بسهولة كما هي اليوم، ولم يكن ممكنًا لمبرمج مستقل أن يحصل بسرعة على الإجابات والتوجيه والمراجعة التي يحتاج إليها.

انشغلت بعد ذلك بأعمالي الأخرى. عملت في تصميم مواقع الويب باستخدام PHP، وطورت تطبيقات سطح المكتب باستخدام C++Builder، وواصلت العمل بلغات وأدوات متعددة. لكن مجلد MyLang ظل موجودًا، وظلت الفكرة تعود إلي بين فترة وأخرى.

كنت أبدأ محاولة جديدة، ثم أصل إلى نقطة تتجاوز قدراتي المتاحة، فأتوقف. وهكذا بقي الحلم مؤجلًا، لكنه لم يمت.

التقاعد وبداية المحاولات الجادة

عندما تقاعدت عام 2022، وجدت نفسي أمام فرصة مختلفة. أصبح لدي وقت أوسع، وأدركت أنني إن لم أبدأ العمل الجاد على حلمي في تلك المرحلة، فقد يظل مجرد فكرة ترافقني بقية العمر.

عدت إلى مشروع اللغة بمحاولات أكثر جدية، لكنني فشلت عدة مرات أيضًا. كنت في كل محاولة أكتشف أن هناك طبقة أعمق يجب فهمها قبل الاستمرار. لم أعد أريد إنشاء لغة تجريبية أو واجهة شكلية، بل أردت لغة أنظمة حقيقية تستطيع الاقتراب من C وC++ في الأداء، مع تقديم بساطة أكبر، وأمان حديث، وتجربة تطوير متكاملة.

أصبح واضحًا لدي أن الطريق الصحيح لا يبدأ من شكل اللغة الخارجي، بل من أعمق طبقات توليد الشيفرة.

لذلك بدأت عام 2024 دراسة LLVM وأدوات GNU ومفاهيم بناء المترجمات والبنية التحتية للغات. لم يكن هدفي نسخ LLVM أو إعادة إنتاجه بالصورة نفسها، بل فهم المشكلات التي يحلها، والطبقات التي يتكون منها، والأسباب التي جعلته أساسًا لعدد كبير من لغات البرمجة الحديثة.

وخلال الدراسة بدأت تتشكل لدي فلسفة مختلفة.

لماذا بدأت من الأسيمبلر؟

في أبريل 2025 أسست مشروعي لبناء مجموعة من الأدوات البرمجية منخفضة المستوى. كانت الرؤية إنشاء بنية تحتية تستطيع في المستقبل أداء دور مشابه لما تؤديه منظومات مثل LLVM، ولكن بفلسفة مختلفة تنطلق من الأسيمبلر نفسه بوصفه أساسًا واضحًا وقابلًا للفحص والتحكم.

رأيت أن بناء لغة أنظمة عالية الأداء فوق أدوات لا أملكها بالكامل سيبقي جزءًا مهمًا من مستقبل اللغة تحت سيطرة مشروعات وجهات أخرى. لذلك قررت أن أبدأ من القاعدة: من أسيمبلر أصممه بنفسي، وأفهم كل مرحلة فيه، ثم أبني فوقه بقية منظومة اللغة.

بدأت باستخدام GCC مرجعًا عمليًا ودراسيًا لفهم الترجمة والأداء وسلوك الشيفرة الناتجة، مع دراسة معمقة لمعالج x86-64. درست صيغ التعليمات، وترميز الـopcodes، وأنماط العنونة، والسجلات، والأعلام، وتنسيقات الملفات التنفيذية، وعمليات تحويل تعليمات الأسيمبلي إلى لغة الآلة.

لم أكتفِ باستخدام الأسيمبلر، بل أردت أن أفهم بدقة كيف تتحول كل تعليمة يكتبها المبرمج إلى بايتات ينفذها المعالج.

ومن هنا بدأ إنشاء ForgeAssembler.

من أسيمبلر خام إلى بنية تحتية للغات

بدأ ForgeAssembler كلغة أسيمبلي منخفضة المستوى تستلهم وضوح NASM وقربه من معمارية المعالج، لكنها لم تكن تهدف إلى أن تكون نسخة منه.

كانت الخطة منذ البداية أن يتطور ForgeAssembler إلى أداة أوسع من الأسيمبلر التقليدي: أداة تجمع بين التحكم المنخفض المستوى والقدرة على تمثيل مفاهيم أعلى، وتسمح ببناء محسن قوي يفهم مقصد الشيفرة بدل أن يكتفي بتحويل التعليمات إلى لغة آلة.

أضفت إليه تدريجيًا طبقة أعلى من اللغة، ومفاهيم للدوال والتدفق والأنواع والتحليل والتحسين. وكان الهدف أن يصبح الأسيمبلر وسيطًا قويًا وواضحًا يمكن بناء اللغات عالية المستوى فوقه، مع المحافظة على القدرة على رؤية ما يحدث في كل مرحلة والتحكم فيه.

بهذا بدأ ForgeAssembler يختلف عن الأدوات التي عملت بها سابقًا، مثل GAS وNASM وMASM وأسيمبلر Clang. لم يكن الاختلاف في الصياغة وحدها، بل في الدور الذي أريده له داخل المنظومة: أن يكون أسيمبلرًا حقيقيًا، وطبقة تمثيل منخفضة المستوى، وأساسًا لمحسن الشيفرة وللغات التي ستُبنى فوقه.

وخلال تطويره بدأت ملامح اللغة التي حلمت بها منذ عام 2000 تظهر بصورة أكثر وضوحًا.

وهكذا ولدت ForgeLang.

ولادة ForgeLang

لم تبدأ ForgeLang من تصميم صياغة جميلة ثم البحث عن طريقة لتنفيذها. لقد نشأت فوق أساس منخفض المستوى كنت قد بنيته ودرسته بنفسي.

بدأت من معمارية المعالج، ثم لغة الآلة، ثم الأسيمبلر، ثم طبقات التحليل والتحسين، وصولًا إلى اللغة عالية المستوى. وهذا المسار جعلني أنظر إلى كل ميزة جديدة من منظور تكلفتها الحقيقية: كم تعليمة ستولد؟ هل ستحتاج إلى تخصيص للذاكرة؟ هل ستضيف طبقات خفية؟ هل ستؤثر في حجم البرنامج أو سرعة تنفيذه؟ وهل يمكن أن تبقى ميزة حديثة وآمنة دون أن يدفع المستخدم ثمنًا لا يراه؟

لهذا تقوم فلسفة ForgeLang على مجموعة من المبادئ الأساسية:

  • الأداء المتوقع والقريب من C.
  • تجريدات بلا تكلفة خفية.
  • عدم فرض جامع نفايات أو تخصيص ديناميكي غير معلن.
  • إدارة واضحة وآمنة للذاكرة.
  • توافق قوي مع C ABI.
  • إمكانية استخدام اللغة في برمجة الأنظمة.
  • امتلاك سلسلة الأدوات الأساسية وعدم الارتهان الكامل لـLLVM أو GNU.
  • مكتبة قياسية حديثة وقوية دون التضحية بالكفاءة.
  • تشخيص واضح للأخطاء وتجربة تطوير متكاملة.
  • إخضاع كل ميزة جديدة لاختبارات أداء تمنع التراجعات غير المقبولة.

لم أعد أريد لغة تسهّل كتابة البرامج فقط؛ أردت لغة يمكن أن تصبح مستقبلًا بديلًا حديثًا وجادًا للغة C في المجالات التي تتطلب السرعة، والتحكم، والتوافق مع الأنظمة والمعماريات المختلفة.

الذكاء الاصطناعي: المساعدة التي جعلت الحلم ممكنًا

يجب أن أكون واضحًا وصريحًا: لم يكن من الممكن أن أصل إلى ما وصلت إليه في ForgeAssembler وForgeLang دون الاستعانة المكثفة بالذكاء الاصطناعي التوليدي.

لكن الذكاء الاصطناعي لم يأتِ بالحلم، ولم يختر فلسفة المشروع، ولم يدرس نيابة عني تاريخي الطويل مع البرمجة. لقد كان أداة تمكين هائلة سمحت لي بتحويل أفكاري ودراساتي إلى واقع بسرعة لم تكن ممكنة لمبرمج مستقل يعمل بمفرده.

ساعدني في الوصول إلى المعلومات، والتحقق من التفاصيل، ومراجعة التصميمات، واكتشاف الأخطاء، واقتراح البدائل، وكتابة الاختبارات، وتسريع تنفيذ الأفكار، وتدقيق كل مرحلة من مراحل الأسيمبلر واللغة.

كان يقوم مقام فريق واسع من المراجعين والمساعدين والمتخصصين، لكنه ظل يحتاج إلى رؤية واضحة، وأسئلة دقيقة، وقرارات هندسية، واختبارات عملية، وإصرار على رفض الحلول التي لا تتوافق مع فلسفة المشروع.

قبل ظهور هذه التقنيات، كان مشروع بهذا الحجم يحتاج إلى ملايين الدولارات لتوظيف فريق من المتخصصين في المترجمات والمعالجات والتحسين وأنظمة التشغيل والمكتبات والأدوات. وكان عليّ، إلى جانب التمويل، أن أعرف من هم الأشخاص القادرون على فهم رؤيتي وتنفيذها كما أريد.

أما الذكاء الاصطناعي، فقد منح المبرمج المستقل قدرة لم تكن متاحة له من قبل: أن يستدعي المعرفة المتخصصة عند الحاجة، وأن يراجع أفكاره باستمرار، وأن يختبر مسارات متعددة بسرعة، وأن يقلص سنوات طويلة من البحث والتنفيذ.

لذلك فأنا أحمد الله أولًا أن أعانني ومكّنني، ثم أقدر هذه الثورة التقنية التي جاءت في الوقت الذي كنت أحاول فيه للمرة الأخيرة تحقيق حلم قديم.

لقد كانت الرؤية رؤيتي، والدراسة مسؤوليتي، والقرارات الهندسية قراراتي، والاختبارات هي الحكم النهائي؛ أما الذكاء الاصطناعي فكان المساعد القوي الذي جعل تنفيذ كل ذلك ممكنًا.

النتائج الأولى

لا تزال ForgeLang في مرحلة التطوير، ولا أزعم أنها أصبحت لغة مكتملة أو جاهزة لمنافسة اللغات الراسخة في جميع المجالات. بناء لغة أنظمة موثوقة يحتاج إلى اختبارات صارمة، ومراجعات أمنية، وتغطية واسعة للمعماريات وأنظمة التشغيل، ومكتبة قياسية ناضجة، وتوثيق كامل.

لكن النتائج التي حققتها حتى الآن مبشرة جدًا.

في الاختبارات الحالية استطاعت الشيفرة الناتجة من ForgeLang الاقتراب من أداء C، بل ومساواته أو تجاوزه في بعض الحالات التجريبية، مع العمل على تحقيق توافق ABI يسمح بالتكامل المباشر مع مكتبات C والأنظمة القائمة عليها.

ومع ذلك، فإن اختبارًا واحدًا أو مجموعة محدودة من الاختبارات لا تكفي لإعلان التفوق على لغة بحجم C. لذلك سأستمر في بناء اختبارات أكثر صرامة وتنوعًا تشمل سرعة التنفيذ، واستهلاك الذاكرة، وحجم الملفات التنفيذية، وزمن الترجمة، ودقة التحسين، واستقرار ABI.

الهدف ليس إنتاج أرقام دعائية، بل بناء لغة تثبت قوتها عمليًا تحت الاختبارات الحقيقية.

بعد ربع قرن

عندما أنظر اليوم إلى ForgeLang، أتذكر ذلك المجلد الصغير الذي أنشأته عام 2000 وأسميته MyLang.

كانت المحاولات الأولى داخله بسيطة ويائسة، لكنها لم تكن بلا قيمة. لقد حافظت على الحلم حيًا طوال ربع قرن. وكل تجربة برمجية مررت بها، وكل برنامج كتبته، وكل لغة تعلمتها، وكل محاولة فشلت فيها، أضافت جزءًا إلى الصورة التي أحاول تحقيقها اليوم.

لقد بدأ الحلم من الحزن على لغة أحببتها ثم رأيتها تختفي. ومن ذلك الحزن وُلد القرار بأن أبني لغة أمتلك رؤيتها وأدواتها ومستقبلها.

مررت بسنوات من الانشغال والتوقف، ثم بمحاولات جادة وفاشلة، ثم بدراسة LLVM وGNU ومعمارية x86-64، ثم ببناء ForgeAssembler، وأخيرًا ببدء تطوير ForgeLang فوقه.

لم يكن الطريق مستقيمًا، ولم يكن سهلًا، ولم أصل بعد إلى نهايته. لكن الفارق الأكبر أنني لم أعد أنظر إلى حلم بعيد أو مجلد يحمل اسم MyLang؛ أصبحت أنظر إلى أسيمبلر يعمل، ولغة تتطور، وشيفرة تتحول إلى برامج حقيقية، ونتائج أداء تمنحني سببًا قويًا للاستمرار.

ما الذي أريده من ForgeLang؟

لا أريد إنشاء لغة أخرى تضاف إلى قائمة طويلة من اللغات التجريبية، ولا أريد مجرد إثبات أنني استطعت كتابة مترجم.

أريد أن تصبح ForgeLang لغة أنظمة حقيقية: سريعة، واضحة، آمنة، حديثة، مستقلة، وقادرة على التكامل الكامل مع العالم البرمجي القائم. أريدها أن تمنح المبرمج تحكم C وقوتها، مع معالجة كثير من التعقيدات والمخاطر التي تراكمت خلال العقود الماضية، ومن دون التضحية بالأداء.

وأريد أن تظل ForgeAssembler وForgeLang مشروعين لا يمكن أن يتكرر معهما ما حدث للغة التي أحببتها قبل أكثر من ربع قرن: أن تنتقل ملكيتهما إلى جهة أكبر ثم يُغلقا ويُدفنا إلى الأبد.

الطريق إلى الإصدار العام

عندما يحين الوقت المناسب، سأطرح المشروع مفتوح المصدر في مستودع رسمي على GitHub. لكنني أريد أن تتم هذه الخطوة بطريقة مدروسة تحمي المشروع وتضمن استمراره، لا أن تكون مجرد نشر سريع للشيفرة المصدرية.

سيسبق النشر استكمال دراسة التراخيص المناسبة واعتمادها، بالتعاون مع محامٍ دولي متخصص في الملكية الفكرية والتقنية والبرمجيات مفتوحة المصدر، ليتولى مراجعة الإطار القانوني للمشروع، وتثبيت حقوقه، وصياغة التراخيص والسياسات اللازمة لإصداره واستخدامه والمساهمة فيه.

كما سأعمل على تسجيل المشروع وما يرتبط به من حقوق لدى الهيئة السعودية للملكية الفكرية، ثم استكمال ما يلزم من إجراءات وتسجيلات وحماية قانونية لدى الجهات الدولية المناسبة.

بعد الانتهاء من هذه الترتيبات، سيبدأ النشر العام وإطلاق النسخ التجريبية من ForgeAssembler وForgeLang. وأتوقع، بإذن الله، أن يكون ذلك خلال الربع الأول من عام 2027. هذا هو الموعد الذي آمل الوصول إليه، مع بقاء الجودة والجاهزية القانونية والتقنية أهم من الالتزام بتاريخ متعجل.

سأواصل التطوير المكثف حتى ذلك الوقت. وقد أستعين خلال هذه المرحلة بعدد محدود من الخبراء والمتطوعين الموثوقين، عبر تزويدهم بنسخ خاصة من ForgeAssembler وForgeLang لتجربتها واختبارها، ومراجعة سلوكها وأدائها واكتشاف الأخطاء قبل طرح النسخ التجريبية للعامة.

اللغة وحدها لا تكفي

من أهم الدروس التي تعلمتها طوال حياتي البرمجية أن قوة اللغة وحدها لا تكفي. فقد عانيت كثيرًا من اللغات التي تبدو جيدة من الناحية النظرية، لكنها تفتقر إلى المكتبات والأدوات التي يحتاج إليها المبرمج لإنتاج برامج حقيقية مباشرة.

لهذا لن ينحصر هدفي في بناء مترجم سريع أو تصميم صياغة حديثة، بل سأعمل مبكرًا على إنشاء منظومة إنتاج متكاملة حول ForgeLang. سأطور ما أستطيع من هذه الأدوات والمكتبات بنفسي، وقد أتعاون مع بيوت خبرة وشركات برمجية متخصصة لإنشاء بعض الأنظمة الكبرى وفق معايير اللغة وفلسفتها في الأداء والأمان.

أريد أن تكون ForgeLang منذ مراحلها الأولى لغة ثرية بالأدوات التي يحتاج إليها المبرمج، لا مشروعًا يطالبه ببناء كل شيء من الصفر. وتشمل الخطط المستقبلية، من بين أمور أخرى:

  • مكتبة قياسية قوية وحديثة وعالية الأداء.
  • أدوات بناء وإدارة حزم واعتماديات سهلة ومتكاملة.
  • مكتبات متقدمة لبرمجة الأنظمة والشبكات والملفات وقواعد البيانات.
  • محرك ألعاب Game Engine يستفيد من الأداء المنخفض المستوى للغة.
  • منظومة Big Data لمعالجة البيانات الهائلة بسرعة فائقة وكفاءة عالية.
  • مكتبات واضحة وسهلة للاستفادة من المعالجات متعددة الأنوية.
  • أدوات للبرمجة المتوازية وتنفيذ المهام بصورة منظمة وآمنة.
  • واجهات تسمح باستغلال جميع أنوية المعالج دون إرهاق المبرمج بالتفاصيل المنخفضة المستوى.
  • أدوات تحليل واختبار وقياس أداء مدمجة في بيئة التطوير.

وسيكون التحدي الأساسي هو تقديم هذه الإمكانات من دون التخلي عن مبادئ ForgeLang: لا تكاليف خفية، ولا تخصيصات غير متوقعة للذاكرة، ولا أقفال أو طبقات تشغيل مفروضة، مع الحفاظ على السرعة وقابلية التنبؤ والتحكم الكامل.

طموحي ألا تمنح ForgeLang المبرمج لغة قوية فحسب، بل أن تقدم له منظومة عملية يستطيع من خلالها الانتقال من الفكرة إلى برنامج حقيقي بسرعة، سواء كان يبني نظام تشغيل، أو محرك ألعاب، أو خادمًا عالي الأداء، أو تطبيقًا علميًا، أو منصة لمعالجة البيانات الهائلة.

لقد عانيت طويلًا من الفجوة بين امتلاك لغة جيدة وامتلاك أدوات إنتاج متكاملة. لذلك أريد أن تكون معالجة هذه الفجوة جزءًا أصيلًا من ForgeLang منذ البداية، لا وعدًا مؤجلًا إلى مستقبل بعيد.

الحلم الذي أصبح مشروعًا

هذا المشروع ليس مجرد تجربة تقنية بالنسبة إلي، بل هو امتداد لرحلة بدأت منذ عقود؛ رحلة مبرمج أحب صناعة الأدوات، وحزن على ضياع أداة أحبها، وفشل مرات كثيرة، لكنه لم يتخلَّ عن حلمه.

لا أعمل على إطلاق لغة جديدة فحسب، بل أسعى إلى تأسيس بيئة برمجية متكاملة تمنح المطور السرعة والقوة والبساطة التي كنت أبحث عنها بنفسي طوال حياتي البرمجية.

واليوم، بعد أكثر من خمسة وعشرين عامًا على إنشاء مجلد MyLang، أستطيع أن أقول إن الحلم لم يعد مجرد فكرة.

لقد أصبح اسمه ForgeLang.