الجزع والمنع ... وبصيرة المؤمن عند المصائب والمحن
يتناول المقال طبيعة الإنسان الهلوع: جزوع عند الشر، منوع عند الخير، ولا يتغلب عليها إلا إيمان قوي ويقين بقضاء الله. ويوضح أن المصائب والمرض ابتلاء، وأن الإنسان لا يموت بمرض بل بأجله، فالمرض سبب والأجل مكتوب. فالمؤمن بالصبر والرضا والتوكل يتحول بلاؤه إلى رحمة وأجر، ويبقى مطمئناً برحمة الله، مستعيناً بالدعاء والرقية، عالماً أن الفرج مع الصبر. وأن الجزع والمنع طبع يحتاج إلى مجاهدة وصبر، فالبصيرة الإيمانية تعينه.

مقدمة: حين تتكشّف حقيقة الإنسان
يخبرنا القرآن الكريم عن حقيقةٍ دفينةٍ في النفس البشرية يكشفها اختبار الحياة؛ فما إن تمسّ الإنسانَ نعمةٌ أو نقمة، أو سرّاء أو ضرّاء، حتى يتكشّف معدنه الحقيقي، وتظهر طبيعته الفطرية التي جُبل عليها:
[المعارج: 19-21]
هذه الآيات الكريمة تصويرٌ نابضٌ بالحياة للنفس الإنسانية وما تعانيه من جزعٍ إذا أصابتها الضراء، وما تمارسه من شحٍّ وبخل إذا مستها النعماء؛ فتراها في حالتيها فريسةً للقلق الداخلي، يمزّقها الخوف، ويُطبق عليها الهلع. والهلع — كما فصّره السياق القرآني — هو الصفة الجامعة لمن إذا ناله شرٌّ أظهر شدة الجزع، وإذا ناله خيرٌ بخل به ومنعه عن مستحقيه؛ فالخير يشمل المال والصحة والغنى، والشر يضم الفقر والمرض والبلاء.
الجزع والمنع: طبيعةٌ فطرية أم انحرافٌ اختياري؟
الهلع — كما يقرر المفسرون — هو شدة الحرص وسرعة الجزع عند مسّ المكروه، وسرعة المنع عند نيل الخير، أُخذ من قولهم: "ناقةٌ هلواع" أي سريعة السير. وهو في أصله: ضعف الصبر عن البلاء، وشحّ النفس عند النعماء.
وقد بحث المفسرون والعلماء في هذه الخِلقة: هل هي طبعٌ جِبلّي قسري لا حيلة للعبد فيه، أم أنها مما يدخل تحت مقدور العبد مجاهدةً ومخالفة؟
والذي تكشف عنه النصوص الشرعية أن أصل هذه الصفات (الهَلَع، والجزع، والمنع) طبائعُ وأحوال يُبتلى بها الإنسان، غير أن الله تعالى جعل في العبد عقلاً وإرادةً يُكَلَّف بهما مخالفةَ هوى النفس وهواجس الطباع. فلم يترك اللهُ الإنسانَ أسيراً لهذه الطبيعة، بل استثنى من هذا الوصف العام فئةً نجحت في مجاهدة نفوسها، وتحويل هذه الطاقة النفسية من قيدٍ يُرْدِيهم إلى طاعةٍ ترفعهم:
[المعارج: 22-23]
فهذا الاستثناء دليلٌ صريح على أن الهلع ليس قدراً حتمياً لا يُرفع، بل هو طبعٌ ابتدائي يتجاوزه العبد بالإيمان والعمل الصالح، والتربية الروحية التي تحمل النفس على المكاره، وتكفّها عن شهواتها الشحيحة. وقد حذّر النبي ﷺ من أثر هذه الطبيعة إن تُركت بغير تهذيب، فقال:
بصيرة المؤمن: عينٌ ترى ما لا يراه الغافل
إن الفرق بين المؤمن والغافل عند وقوع المصائب والفتن ليس فرقاً في المعرفة المجردة، بل في البصيرة؛ وهي نورٌ يقذفه الله في قلب عبده فيرى به حقائق الأمور لا ظواهرها.
فالمؤمن يرى ما يجري في الكون بعين اليقين والبصيرة، يتأمل ملكوت السماوات والأرض، فيستدل بكل حدثٍ ومخلوق على حكمته سبحانه وتدبيره. وأشتات الأحداث التي تراها عين الغافل مصادفاتٍ أو كوارث مجردة، يراها المؤمن براهينَ إيمانٍ وآياتِ اعتبار. فالذاكر حَيُّ القلبِ موصولٌ بالله، ينظر إلى البلاء بنظر الاستبصار لا بنظر الاعتبار المادي المجرد، فيترفع بعقله ويقينه عما يغرق فيه الأغلبون.
الإيمان بالقدر: حصن النفس عند البلاء
يقول الله تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35]. فالابتلاء بالسراء والضراء سنةٌ إلهية ماضية في الخلق، تتمايز بها النفوس وتظهر معها معادن الرجال.
والواجب على العبد عند نزول البلاء هو الصبر والتسليم، مع اليقين بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه؛ فإن الإيمان بالقدر يبعث في النفس الطمأنينة والصبر والرضا. قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11].
قال قتادة رحمه الله في تفسيرها: "هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلّم".
والإيمان بالقدر لا يعني السلبية أو الاستسلام الهدّام، بل يفتح للمؤمن بابين: باب الصبر على ما فات، وباب العمل والأمل فيما هو آت. ويعلم المصاب أن عِظَم الجزاء مع عظم البلاء، وأن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط.
وهذا اليقين هو الملاذ الحقيقي في لحظات المحنة؛ إذ لا يعصم النفسَ من الجزع والهلع إلا صحةُ الإيمان بالله، والمعرفةُ بحكمته ورحمته، واليقينُ بما أعده للصابرين من الأجر والثواب.
المرض الميؤوس من شفائه: بين وهم الأسباب وحقيقة الأجل
من أشد المحن التي تبتلى بها نفوس البشر، أن يُصاب المرء بمرضٍ مستعصٍ يقرر الأطباءُ عجزَ الطب عن شفائه. وهنا تبرز أمام المؤمن البصير حقائق إيمانية كبرى:
-
أولاً: الأجل هو الحقيقة الكبرى:
إن الإنسان لا يموت بمرضه، وإنما يموت بانتهاء أجله المحتوم؛ فالمرض سببٌ ظاهري، والفاعل الحقيقي هو الله الذي قدر الآجال. وقد أبدع القائل حين قال:قُلْ لِلطَّبِيبِ تَخَطَّفَتْهُ يَدُ الرَّدَى ... يَا شَافِيَ الأَمْرَاضِ مَنْ أَرَدَاكَا؟فكم من مريضٍ يئس الأطباء من شفائه فمُدّ له في العمر سنين عديدة، وكم من صحيحٍ معافى أتاه الموت بغتةً من غير سقم! فالأمر لله من قبل ومن بعد.
وَقُلْ لِلْمَرِيضِ نَجَا وَعُوفِيَ بَعْدَمَا ... عَجَزَتْ فُنُونُ الطِّبِّ مَنْ عَافَاكَا؟
وَقُلْ لِلصَّحِيحِ يَمُوتُ لا مِنْ عِلَّةٍ ... مَنْ بِالْمَنَايَا يَا صَحِيحُ دَهَاكَا؟ -
ثانياً: أمل الرقية وقطع القنوط:
إن الحكم الطبي بكون الحالة "ميؤوساً منها" هو تقديرٌ بشرِيّ يستند إلى حدود العلوم المادية المتاحة، لكن لا يجوز للمسلم أن يتسرب اليأس إلى قلبه أو يتلفظ بالقنوط من رحمة الله. بل يستمر في الدعاء، والرقية الشرعية، والتداوي بما أمكن؛ فلعل الله أحدث بعد ذلك أمراً. -
ثالثاً: تحول المحنة إلى منحة:
إن صبر المريض واحتسابه يحول العناء إلى أجرٍ ورفعة. فالأمراض كفاراتٌ للسيئات ومرفعاتٌ للدرجات، وبذلك ينقلب المرض في حق المؤمن من نقمةٍ إلى نعمة، ومن محنةٍ إلى منحة إذا أحسن الظن بربه وأيقن بفرج الله.
من أنين الجزع إلى ابتسامة الرضا
إن الآيات الكريمة في سورة المعارج ليست مجرد تشخيصٍ إدانِيّ للطبع البشري، بل هي رسمٌ لطريق الخروج والارتقاء؛ فالطبيعة الهلوعية هي نقطة الابتداء لا نقطة الانتهاء.
ولذا أتبع الله تعالى الاستثناء بذكر الصفات المنجية: إقامة الصلاة والدوام عليها، وإيتاء الحق المعلوم في الأموال للسائل والمحروم، والتصديق بيوم الدين، والإشفاق من عذاب الله، وحفظ الفروج، ورعاية الأمانات والعهود. فهذه المنظومة الإيمانية والأخلاقية هي التي تروض الطبع البشري، وتنقل الإنسان من ضيق الجزع والمنع إلى اتساع الشكر والبذل والرضا.
وليس المطلوب من المسلم ألا يشعر بالحزن أو ألم البلاء — فهذا طبعٌ بشري فطري — وإنما المطلوب كبح جماح هذا الشعور حتى لا يخرج إلى خطوط السخط والاعتراض، وأن يُترجم الألم إلى صبرٍ واسترجاع؛ إذ ليس بعد الصبر والتسليم إلا خسران الأجر وفوات المطلوب.
خاتمة: بصيرةٌ تتجاوز لحظة الوجع
إن الهلع والجزع هما الفصل الأول من التحدي الإنساني، لكن البصيرة الإيمانية هي التي تكتب الفصل الأخير؛ فصلَ السكينة والرضا والطمأنينة.
وما أعظم أن يعيش العبد في هذه الدنيا بقلبٍ موصولٍ بالله، وبصيرةٍ تتجاوز ظاهر الأسباب إلى حكمتها! فلا يستخفّه الجزع عند الضر، ولا يطغيه المَنع عند النعم. وإذا أظلمت الأسباب أمام عينيه، وأنهكه المرض أو البلاء، تذكّر أن الأجل مكتوب، وأن القدر مقدور، وأن ما عند الله خيرٌ وأبقى؛ فيمضي في طريقه ثابتَ الجنان، مطمئنَّ القلب، راضياً بقضاء ربه، متصحباً قول الحق: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
مقالات ذات صلة
الحكمة وفصل الخطاب: قراءة تدبرية في العطاء الإلهي لداود عليه السلام
يتناول المقال تفسير قوله تعالى: (وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) لداود عليه السلام، ويحلل العلاقة بين الحكمة وفصل الخطاب، مؤكدًا أن الحكمة تثمر خطابًا فاصلًا واضحًا، وأن الهدوء والأناة وذكر الله قبل الكلام تهيّئ القلوب وترفع الاستعداد للاستماع، مع بيان توافق هذا التأمل مع أقوال المفسرين، واستخلاص دروس عملية للتواصل المعاصر. كما يبرز أن البلاغة وسيلة لخدمة الحق والعدل لا غاية بذاتها.
هذا من فضل ربي - حين تصبح النعمة اختبارًا لا سببًا للغرور
يعلّمنا موقف سليمان عليه السلام عند إحضار عرش ملكة سبأ أن أعظم النعم لا ينبغي أن تقود إلى الغرور، بل إلى الشكر والتواضع. فقد قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾. فالمال والعلم والقوة والجاه اختبارات، والمؤمن الحق ينسب الفضل لله، ويزداد بالنعم ورعًا وإحسانًا وتواضعًا، ولا يجعل نجاحه سببًا لنسيان المنعم.
ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور
النور الحقيقي هبة من الله، يناله الإنسان بالإيمان والطاعة والتقوى واتباع هدي النبي ﷺ، لا بالمال أو الجاه أو الذكاء وحدها. فالهداية والتوفيق والسكينة والبركة كلها من الله، وقد يعيش البسيط مطمئنًا بنور ربه، بينما يضطرب من يملك الدنيا بلا هداية. فخذ بالأسباب، واعمل واجتهد، لكن اجعل قلبك متعلقًا بالله، لأن: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾.