الرئيسيةالعلم والوعي المجتمعي

حين يسبق هزّ الكرش عقول العلماء والحاصلين على جوائز نوبل في العلوم

ليست كثرة المشاهدات دليلًا على القيمة؛ فقد يسبق المحتوى السطحي علمًا ينفع البشرية. يناقش المقال أسباب انحدار الذوق العام، ومسؤولية المجتمع والمنصات، وسبل استعادة مكانة العلم والعلماء.

حين يسبق هزّ الكرش عقول العلماء والحاصلين على جوائز نوبل في العلوم

ليست المشكلة في أن يضحك الناس أو يبحثوا عن الترفيه؛ فالضحك حاجة إنسانية، والترفيه المباح جزء من الحياة. لكن الخطر يبدأ حين تتحول التفاهة إلى ثقافة، ويصبح المشهد السخيف أكثر حضورًا من العلم، وصاحب الحركة المضحكة أشهر من العالم الذي أفنى عمره في البحث والاكتشاف.

في إحدى الدول، اشتهر رجل يقدم مقاطع تقوم على تحريك بطنه بصورة تثير الضحك، فتحقق مقاطعه ملايين المشاهدات خلال أيام. وفي الدولة نفسها، عالم حاصل على جائزة نوبل في أحد فروع العلوم، قد يقضي سنوات في البحث والكتابة، ثم لا تحصد أعماله إلا جزءًا يسيرًا من تلك المشاهدات.

وليس المقصود السخرية من الرجل أو جسده؛ فكرامة الإنسان محفوظة، ولا يجوز أن يكون شكله أو مرضه مادة للاحتقار. إنما السؤال موجَّه إلينا نحن:

لماذا أصبح العبث أسرع وصولًا من العلم، والضحك العابر أكثر جذبًا من المعرفة التي تبني الحضارات؟

ليست أزمة مشاهدات فقط

عدد المشاهدات لا يساوي القيمة. قد يشاهد الملايين مقطعًا وينسونه بعد دقائق، بينما يقرأ بحثًا علميًا مئات المتخصصين، فيبنون عليه دواءً أو تقنية تنفع البشرية أجيالًا.

لكن تكرار هذا المشهد يكشف خللًا ثقافيًا عميقًا؛ إذ يعرف أبناؤنا أسماء مشاهير الترفيه، ولا يعرفون علماء بلادهم، ويربطون النجاح بعدد المتابعين لا بمقدار العلم والعمل والنفع.

لماذا تنتشر التفاهة؟

لأنها سهلة وسريعة، لا تحتاج إلى تركيز أو معرفة سابقة. ولأن المنصات الرقمية تكافئ كل ما يجذب الانتباه ويزيد زمن المشاهدة، بصرف النظر عن قيمته.

كما تسهم التربية القائمة على الحفظ بدل حب المعرفة، والفراغ، وتقليد الجمهور، وضعف تقديم المحتوى العلمي بصورة جذابة، في اتساع الظاهرة.

كل مشاهدة ومشاركة وتعليق تصويت غير مباشر لصالح المحتوى. والمنصات لا تفرض علينا كل شيء؛ فهي تقدم لنا مزيدًا مما نختار نحن متابعته.

ميزان ديني وأخلاقي

قال الله تعالى:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

وقال سبحانه:

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.

فالعلم في ميزان الدين رفعة ومسؤولية، وليس من السواء أن نهمش أهله ونصنع القدوات من محتوى فارغ.

ومع ذلك، لا يجوز معالجة الانحدار الأخلاقي بالسخرية من الناس، فقد قال تعالى:

﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾.

النقد يجب أن يتجه إلى المحتوى وثقافة الجمهور، لا إلى جسد صاحبه أو خلقته.

الحرية لا تلغي المسؤولية

من حق الإنسان أن يقدم محتوى ترفيهيًا، ومن حق الجمهور مشاهدته، لكن الحرية لا تبرر الإهانة أو التنمر أو استغلال الأشخاص بسبب مظهرهم أو حالتهم الصحية.

كما ينبغي أن يبقى نقد هذه الظواهر منضبطًا؛ بلا سب أو تشهير أو اتهامات غير موثقة. المجتمع الراقي يحمي العلم، ويحفظ في الوقت نفسه كرامة جميع أفراده.

كيف نستعيد التوازن؟

لا نحتاج إلى إلغاء الترفيه، بل إلى وضعه في حجمه الطبيعي. ويتحقق ذلك بتقديم العلماء بوصفهم قدوات، وتعريف الأجيال بإنجازاتهم، وتعليم الثقافة الرقمية، وصناعة محتوى علمي واضح وجذاب، ودعم البحث والترجمة والنشر.

وعلى كل فرد أن يراجع ما يمنحه من وقته واهتمامه؛ فما نشاهده ونشاركه اليوم هو ما تصنع منه المنصات مشاهير الغد.

خاتمة

حين يسبق هزّ الكرش عقول العلماء، فليست تلك إدانة لرجل بسيط يقدم محتوى مضحكًا، بل إنذار لمجتمع اختلت أولوياته.

العالم لا تنقص قيمته لأن مشاهداته قليلة، ولا يصبح العبث إنجازًا لأن الملايين تابعوه. لكن الأمم تكشف عن مستقبلها بما تحتفي به، وبمن ترفعه، وبما تمنحه وقتها ومالها.

لا نريد مجتمعًا بلا ضحك، بل مجتمعًا يعرف متى يضحك، وعلى ماذا يضحك، ولا يسمح للترفيه بأن يحجب العقول التي تبني الحضارة.

فالأمم لا تنهض بما يثير ضحكها لحظات، بل بما ينير عقولها أجيالًا.