الرئيسيةأخلاق وإنسانية

حين تسبق أسماؤنا ألقابنا

حين يتقدم اسم الإنسان على لقبه، نستعيد المعنى الحقيقي للكرامة والتواضع، وندرك أن قيمة المرء في إنسانيته وأخلاقه وعمله، لا في المهنة أو المنصب الذي يسبق اسمه.

حين تسبق أسماؤنا ألقابنا

يستعيد الإنسان مكانه… ويعمّ الخير بيننا

قبل نحو خمسةٍ وعشرين عامًا، أعددت برنامجًا وثائقيًا عن المدينة المنورة، تناول توسعة المسجد النبوي الشريف ومعالم المدينة ومزاراتها. كان البرنامج مسجلًا على أسطوانة ليزرية، وهي في ذلك الوقت من أهم وسائل نشر البرامج وتوزيعها، وقد طُبع منه نحو ألفي نسخة لتوزيعها في السوقين المحلي والعالمي.

كنت أعتز بذلك العمل، فقد بذلت فيه جهدًا كبيرًا، وأردت أن أضع اسمي في مقدمته بصفتي مصمم البرنامج ومنفذه. لكنني لم أكتفِ بكتابة اسمي، بل وضعت قبله حرف «م.» للدلالة على أنني مهندس.

لم يكن ذلك أمرًا غريبًا في بيئتنا، بل كان انعكاسًا لهوسٍ منتشر في كثير من المجتمعات العربية والبلدان التي توصف بالنامية؛ حيث يحرص بعض الناس على أن تسبق ألقابهم أسماءهم، وكأن الاسم وحده لا يكفي للتعريف بهم، أو كأن قيمة الإنسان لا تكتمل حتى يُذكر منصبه أو شهادته أو مهنته قبل أن يُذكر هو.

كان لي صديق سوري يعيش في كاليفورنيا، ولا أزال إلى اليوم أعتز بمعرفته وصداقته. كان رجلًا حكيمًا متزنًا، درس وعاش سنوات طويلة في الولايات المتحدة، وتكوّنت لديه نظرة عميقة إلى الإنسان والمجتمع.

في اتصال بيننا عام 1996، تحدثنا عن البرنامج وعن الطريقة التي كتبت بها اسمي، فقال لي ما معناه:

«عندنا هنا لا يعرفون الألقاب قبل الأسماء. اسم الإنسان وإنسانيته يسبقان مهنته ومنصبه.»

ثم قال لي:

«انظر إلى خطابات الرئيس الأمريكي وقراراته؛ يكتبون اسمه أولًا: بيل كلينتون، ثم يذكرون صفته: رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.»

كانت كلمات قليلة، لكنها أحدثت في نفسي أثرًا كبيرًا.

لقد خرجت الأسطوانة إلى الطباعة، ولم يعد باستطاعتي إزالة حرف الميم الذي وضعته قبل اسمي، إلا أنني منذ ذلك اليوم بدأت أراجع علاقتنا بالألقاب، وأتأمل لماذا نصرّ على أن يتقدم اللقب على الإنسان.

الاسم هو الإنسان

الاسم ليس مجرد حروف تُكتب في بطاقة أو وثيقة، بل هو عنوان الإنسان ووجوده وتاريخه وذكرياته وعلاقاته. الاسم هو ما ينادينا به آباؤنا وأمهاتنا وأصدقاؤنا، وهو ما يبقى منا بعد أن تزول المناصب وتنتهي الوظائف وتتغير الأحوال.

أما اللقب، فهو تعريف مؤقت بمهنة أو مسؤولية أو درجة علمية.

قد يكون الإنسان طبيبًا اليوم ثم يتقاعد، أو مديرًا ثم يغادر منصبه، أو أستاذًا ثم ينتهي عمله في الجامعة، لكن اسمه يبقى ملازمًا له منذ ولادته حتى رحيله.

لهذا فإن من الطبيعي والأكرم أن نقول:

فلان الفلاني، الطبيب.

بدلًا من أن نجعل المهنة كأنها جزء من اسمه فنقول دائمًا:

الدكتور فلان.

وأن نقول:

فلان الفلاني، المهندس.

لا لأن لقب الهندسة قليل الشأن، ولكن لأن الإنسان أكبر من تخصصه، وأوسع من وظيفته، وأعلى من منصبه.

فالطبيب إنسان قبل أن يكون طبيبًا، والمهندس إنسان قبل أن يكون مهندسًا، والوزير إنسان قبل أن يكون وزيرًا، والعامل إنسان قبل أن يكون عاملًا.

وكلهم، في ميزان الكرامة الإنسانية، أصحاب أسماء وقلوب وحقوق وآمال وآلام.

حين يتحول اللقب إلى حاجز

الألقاب في أصلها ليست مشكلة. نحن نحتاج إليها في بعض السياقات الرسمية والمهنية والعلمية، فهي توضح الاختصاص والمسؤولية، وتساعد على تنظيم العلاقات والأعمال.

لكن المشكلة تبدأ حين يتحول اللقب من وسيلة للتعريف إلى وسيلة للتعالي، ومن وصفٍ للمهنة إلى مطالبةٍ بالتمييز، ومن معلومةٍ مفيدة إلى جدارٍ يفصل الإنسان عن الآخرين.

هناك من يغضب إذا نودي باسمه دون لقبه.

وهناك من يرى أن ذكر اسمه مجردًا انتقاص من مكانته.

وهناك من يضع قائمة طويلة من الألقاب قبل اسمه، وكأنه يخشى أن يراه الناس إنسانًا عاديًا.

وفي المقابل، قد ينادي الموظفُ مسؤولَه بأرفع الألقاب، ثم لا يجد منه احترامًا أو رحمة أو إنصافًا. وقد يحمل الإنسان أعلى الشهادات، لكنه يعامل من يظنهم أقل منه بجفاء واستعلاء.

فما قيمة اللقب إذا لم يزد صاحبه تواضعًا؟

وما فائدة العلم إذا لم يهذب الأخلاق؟

وما معنى المنصب إذا لم يجعل صاحبه أكثر خدمة للناس وشعورًا بمسؤوليته تجاههم؟

اللقب الذي لا تصحبه فضيلة قد يصبح عبئًا على صاحبه، والمنصب الذي لا تحكمه الأخلاق قد يتحول إلى فتنة، والشهادة التي لا تزيد الإنسان إنسانية قد تكون مجرد ورقة معلقة على جدار.

حين نحتاج إلى اللقب لنعرف قيمتنا

كثير من التعلق المبالغ فيه بالألقاب لا يصدر عن قوة داخلية، بل عن شعور خفي بعدم الأمان.

فالإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج في كل مجلس إلى أن يعلن درجته العلمية، ولا يطالب كل من حوله بأن يذكّروه بمنصبه، ولا يشعر بالإهانة لمجرد أن شخصًا ناداه باسمه.

هو يعلم أن قيمته لا تأتي من كلمة تسبق اسمه، بل مما يحمله من علم، وما يقدمه من عمل، وما يظهره من خلق.

أما من يربط كرامته باللقب، فإنه يظل خائفًا من فقدانه؛ فإذا انتهى منصبه شعر أن مكانته انتهت، وإذا تقاعد ظن أن الناس لم يعودوا يرونه، وإذا لم يُذكر لقبه اعتقد أنه تعرض للإساءة.

لكن الإنسان أكرم من أن يحصر نفسه في وظيفة، وأبقى من أن يربط وجوده بمنصب قابل للزوال.

إن كنت عالمًا، فسيظهر علمك في كلامك.

وإن كنت مهندسًا، فستشهد لك أعمالك.

وإن كنت قائدًا، فسيعرف الناس قيادتك من عدلك وحسن تدبيرك.

وإن كنت صاحب مكانة، فلن تحتاج إلى إجبار الآخرين على الاعتراف بها.

فضيلة سبقنا إليها غيرنا

من الملاحظ في كثير من المجتمعات المتقدمة أن الاسم يتقدم عادة على الوظيفة والمنصب. يذكرون اسم الشخص أولًا، ثم يعرفون بدوره المهني أو الرسمي عند الحاجة.

وهذه ليست مجرد طريقة في الكتابة، بل تعكس في جانب منها تصورًا حضاريًا يرى أن الإنسان هو الأصل، وأن وظيفته وصفٌ تابع له، لا هوية تبتلع شخصيته.

وليس المقصود أن المجتمعات الغربية قد بلغت الكمال الأخلاقي، أو أنها خالية من الطبقية والتعالي؛ فكل مجتمع فيه فضائله ونقائصه. لكن الحكمة ضالة الإنسان، وحيثما وجدنا عادة حسنة تكرم الإنسان وتخفف الحواجز بين الناس، فمن الجميل أن نتأملها وننتفع بها.

إن تقدمهم علينا في هذه العادة لا ينبغي أن يثير حساسيتنا، بل أن يدفعنا إلى مراجعة أنفسنا.

فالحضارة لا تعني أن نملك أحدث الأجهزة ونبني أعلى الأبراج فقط، بل أن نتعلم كيف نحترم الإنسان، وكيف نرى العامل والطبيب والمسؤول والمستخدم والفقير والغني أصحاب أسماء وكرامة واحدة.

الاسم أولًا… ثم ما شئت من التعريف

ليس المطلوب إلغاء الألقاب، ولا تجاهل الاختصاصات، ولا التقليل من قيمة الشهادات والمهن.

من حق الطبيب أن يعتز بعلمه، ومن حق المهندس أن يفخر بعمله، ومن حق الأستاذ أن يفرح بمكانته العلمية، ومن حق كل إنسان أن يعرّف بمهنته وإنجازاته.

لكن الفرق كبير بين الاعتزاز والتعالي، وبين التعريف والتقديس، وبين أن يكون اللقب في خدمة الإنسان وأن يصبح الإنسان أسيرًا للقب.

يمكننا أن نكتب أسماءنا أولًا، ثم نضع تحتها وظائفنا وصفاتنا:

أحمد محمد طبيب استشاري

خالد إبراهيم مهندس معماري

سارة عبدالله أستاذة جامعية

بهذه الصورة يبقى الاسم في مكانه الطبيعي، وتأتي المهنة لتعرّف بجانب من جوانب صاحبه، لا لتختصره كله.

أخلاق الإنسان هي لقبه الحقيقي

كم من إنسان لم يحمل لقبًا علميًا كبيرًا، لكنه كان مدرسة في الحكمة والرحمة والكرم.

وكم من شخص تسبقه ألقاب كثيرة، لكن الناس لا يذكرونه بخير.

إن اللقب الحقيقي ليس ما نطبعه على بطاقاتنا، بل ما نتركه في قلوب الآخرين.

قد يناديك الناس بالدكتور، لكنهم يتذكرون تواضعك.

وقد يخاطبونك بالمهندس، لكنهم يتذكرون أمانتك.

وقد يسمونك بالمدير، لكنهم يتذكرون عدلك.

وقد لا تحمل أي لقب، لكنهم يتذكرون أنك كنت إنسانًا كريمًا، صادقًا، رفيقًا بمن حولك.

وهذا هو اللقب الذي لا يسقط بالتقاعد، ولا ينتهي بانتهاء المنصب، ولا تستطيع جهة إدارية أن تسحبه منك.

لنعيد الإنسان إلى مقدمة المشهد

إن تقديم الأسماء على الألقاب خطوة صغيرة في ظاهرها، لكنها تحمل معنى أخلاقيًا عميقًا.

إنها تقول للإنسان:

أنت أولًا، ثم تأتي مهنتك.

وتقول للمجتمع:

كرامة الفرد لا تعتمد على درجته الوظيفية.

وتقول لصاحب المنصب:

منصبك مسؤولية، وليس طبقة ترفعك فوق الناس.

وتقول لصاحب الشهادة:

علمك وسيلة لخدمة الآخرين، لا جدارًا يفصلك عنهم.

وعندما نعتاد أن ننادي الناس بأسمائهم باحترام، وأن نذكر ألقابهم عند الحاجة لا للمبالغة والتعظيم، فإننا نخفف كثيرًا من الحواجز المصطنعة بين البشر.

سنرى الإنسان قبل كرسيه، والعقل قبل شهادته، والخلق قبل ثروته، والعمل قبل ادعائه.

خاتمة

منذ تلك المكالمة عام 1996، بقيت كلمات صديقي حاضرة في ذهني:

الاسم والإنسانية يسبقان المهنة واللقب.

ومع مرور السنين، ازددت إيمانًا بأن الإنسان مهما علا منصبه، وكبرت ثروته، وارتفعت درجته العلمية، يبقى اسمه أعلى من كل لقب؛ لأن الاسم يمثل الإنسان كله، أما اللقب فلا يمثل إلا جانبًا عابرًا من حياته.

لا بأس أن نعرّف بمهننا، وأن نفخر بما حققناه، وأن نذكر درجاتنا العلمية في مواضعها، لكن لنترك أسماءنا تتقدم.

لنقل:

هذا فلان، الإنسان الذي يعمل طبيبًا.

لا:

هذا الطبيب الذي صادف أن له اسمًا.

فحين تسبق أسماؤنا ألقابنا، يتراجع الاستعلاء، وتقترب القلوب، ويشعر كل فرد بأن كرامته ليست معلقة بوظيفة أو شهادة أو منصب.

وحينها يظهر الخير، ويعم التطور، وتنتصر الإنسانية بيننا.