رسالةٌ إلى نفسي التي سأُحاسَب عنها
رسالةٌ إلى النفس تدعو إلى محاسبتها قبل الحساب، والاعتراف بما ضاع من العمر والفرص دون استسلام لليأس أو الحسرة. تذكّر بأن الله هدانا السبيل، وأن من سبقونا صاروا بين يديه، وأن ما بقي من العمر أمانة تستحق التوبة والعمل. وهي دعوة إلى صيانة الوقت، والأخذ بالأسباب، والتقرب إلى الله، وحسن الخلق، وأداء الحقوق، وإصلاح الأسرة بالقدوة والرفق، مع التوكل على الرحمن والسعي الصادق إلى حياة طيبة وحسن خاتمة.

رسالة محاسبةٍ ومناصحة، لا يأس فيها من رحمة الله، ولا تهوين فيها من مسؤولية العمر.
يا نفسي،
أنا أولى الناس بنصحك، وأحقُّهم بتقويمك، وألزمُهم بالعمل بما أدعوك إليه؛ فما أقبح أن أعرف طريق الخير ثم أتأخر عنه، وأن أصف الدواء للناس ثم أترك دائي، وأن أتحدث عن الفضائل والأخلاق والقرب من الله، ثم لا يكون لي منها إلا الكلمات والأماني.
يا نفسي، قد مضى من العمر ما مضى، وانقضت أيامٌ كانت يومًا مستقبلًا أترقبه، ثم صارت ماضيًا لا أملك استرجاع لحظة منه. كم من ساعة أضعتها، وكم من فرصة وهبني الله إياها فلم أحسن اغتنامها، وكم من نعمة ظننت أنها ستدوم، حتى انقضت أو ضعفت بركتها بسبب غفلتي وتسويفي وقلة أخذي بالأسباب.
لقد أنعم الله عليَّ بالعقل، وهداني السبيل، وأراني طريق الخير وطريق الشر، وقال سبحانه:
﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾
فلم يتركني حائرًا بلا دليل، بل أرسل رسوله ﷺ، وأنزل كتابه، وبيّن لي ما يحييني وما يهلكني، وما يرفعني وما يضعني. فلا حجة لي بعد البيان، ولا عذر لي في الإعراض بعد المعرفة.
يا نفسي، لقد قرأت أخبار من سبقوا، وعرفت كيف عاشوا، وبماذا انشغلوا، وكيف تنافسوا على دنياهم، ثم انتهى كل واحد منهم إلى قبره، ووقف بين يدي ربه منفردًا، لا يحمل معه منصبًا ولا مالًا ولا ثناء الناس.
وهم اليوم ينتظرون البعث كما سأنتظره، ولن يُبعثوا قبلنا بسبب تقدم زمانهم؛ بل سنموت جميعًا، ثم نُبعث جميعًا ليوم لا يتقدم فيه أحد بعمره ولا يتأخر بنسبه، وإنما يتفاضل الناس بما قدموه من إيمان وعمل.
فأي غفلة أعظم من أن أقرأ التاريخ ولا أعتبر، وأن أرى القبور ولا أتذكر، وأن أشيّع الراحلين ثم أعود إلى الدنيا كأن الموت كُتب عليهم وحدهم؟
يا نفسي، لا أريد أن أندم على الماضي ندمًا يشلّني، ولا أن أجعل التقصير القديم حجةً لتقصير جديد. ما فات لا يعود، ولكن ما بقي أمانة، ورب ساعة صادقة تصلح ما أفسدته سنون من الغفلة.
إن الله لم يفتح لي باب التوبة لأقف عند عتبته باكيًا فقط، بل لأدخل منه عائدًا، مصلحًا، عاملًا، مستدركًا.
فاستيقظي قبل أن يأتي يوم تتمنين فيه سجدة فلا تقدرين عليها، أو صدقة فلا تملكينها، أو كلمة اعتذار وقد انقطع زمانها. لا تؤجلي الخير إلى فراغ قد لا يأتي، ولا إلى قوة قد تضعف، ولا إلى غد قد لا تدركينه.
إنما عمرك هو هذا اليوم، وهذه الساعة، وهذا النَّفَس الذي لا تدرين أيتبعه نَفَس آخر أم يكون خاتمتك.
يا نفسي، صوني ما بقي من العمر عن المعصية والغفلة والخصومة والفضول، واعمريه بذكر الله، وحسن الخلق، وبر الوالدين، وصلة الرحم، والإحسان إلى الزوجة والأبناء، ونفع الناس، وأداء الحقوق، وإتقان العمل، وصدق النية.
لا تطلبي الكمال الذي يعجزك، ولكن سددي وقاربي، وافعلي ما تستطيعين، واستعيني بالله ولا تعجزي.
خذي بالأسباب التي أمر الله بها، ثم فوضي النتائج إلى الرحمن. اعملي وكأن الأمر متوقف على جهدك، وتوكلي وكأن الأمر كله بيد ربك؛ فإنه سبحانه لا يضيع سعيًا صادقًا، ولا يرد قلبًا لجأ إليه، ولا يخذل عبدًا عرف ضعفه واستمد القوة منه.
يا نفسي، ليست الحياة الطيبة في كثرة ما أملك، ولا في كثرة ما يعرف الناس عني، وإنما في قلب مطمئن بالله، ولسان صادق، وضمير نقي، وعمل صالح، ورزق مبارك، وأهل يجدون مني الرحمة والقدوة وحسن الصحبة.
قال الله تعالى:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
فلا تبحثي عن الحياة الطيبة بعيدًا عن طاعة من خلق الحياة.
يا نفسي، إن نجاتي لا تكفيني إن قصّرت فيمن استرعاني الله أمرهم. عليَّ أن أبدأ بإصلاح نفسي، ثم أكون عونًا لزوجتي وأولادي على الإيمان والخير، لا بالأوامر المجردة، بل بالقدوة والرفق والدعاء والصبر.
أريد أن ننجو معًا، وأن ندخل في رحمة الله معًا، وأن ألقاهم في الآخرة فلا يطالبني أحد منهم بحق ضيعته، أو نصيحة بخلت بها، أو قدوة أفسدتها بتناقضي.
يا نفسي، قد أسرفتِ في أمرك، لكن رحمة الله أوسع من إسرافك، فلا تقنطي. وقد قصرتِ، لكن باب الإصلاح لم يُغلق، فلا تتكاسلي. وقد ضعفتِ، لكن لك ربًا قويًا رحيمًا، فلا تعتمدي على نفسك وحدها.
دعاء التوبة والاستدراك
اللهم إني ظلمت نفسي، وأضعت من وقتي، وقصرت في حقك وفي حقوق عبادك، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين.
اللهم بارك لي فيما بقي من عمري، واجعل خير أيامي يوم ألقاك، وأعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وارزقني صدق التوبة، وثبات الاستقامة، وحسن الخاتمة.
اللهم أصلحني وأصلح بي، واحفظ زوجتي وأولادي، واجعلنا من أهل طاعتك ورحمتك، وأعنّا على أن نسدد ونقارب، وأن نبذل جهدنا فيما نستطيع، وأن نفوض إليك ما لا نستطيع.
يا نفسي، هذه حياتك الوحيدة، وهذا عمرك الذي لن يتكرر، وهذه فرصتك قبل أن تصبحي خبرًا من أخبار من مضوا.
فلا يكوننَّ أعظم ندمك يوم القيامة أنك عرفت الطريق ولم تسلكه، ورأيت النور ثم آثرت عليه الغفلة.
انهضي الآن، لا غدًا.
وتوبي الآن، لا حين يضيق الوقت.
واعملي الآن؛ فإن العمر لا يُقاس بما مضى منه، بل بما بقي منه، وبما تضعينه في بقيته من صدقٍ وتقوى وعمل صالح.
اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وتوفنا وأنت راضٍ عنا.
مقالات ذات صلة
بركاتٌ من السماءِ والأرض
تأمل في وعد الله بالبركة مع الإيمان والتقوى، ومعنى الحياة الطيبة، ولماذا لا تُقاس البركة بكثرة المال وحدها.
دعوتُ الله بالرزق طويلًا… فهل لم يُستجب لي؟
وقفة إيمانية لفهم استجابة الدعاء والرزق المقدّر، وكيف قد يكون المنع حفظًا، والتأخير رحمة، والمال نفسه ابتلاءً ومسؤولية.
كيف يصنع الإنسان عاداته… وكيف يصنع الإسلام الإنسان
دراسة تربوية في تشكّل العادات وقوة التكرار، وكيف يبني الإسلام السلوك المتوازن بالعبادات والتربية المبكرة والمحاسبة والصحبة الصالحة.
