بين النطفة والقبر: صرخة في سمع الغافلين
يذكّر المقال بآيات سورة عبس التي تختصر رحلة الإنسان من النطفة إلى القبر، في عمر قصير يغفل عنه كثيرون. يرى المرء كل يوم من يموت قريبًا أو بعيدًا، ويعلم أن مصيره مثله، لكنه يؤجل التوبة ويسوّف العمل. والموت لا يستأذن أحدًا، ولا يعرف صغيرًا ولا كبيرًا، ولا يعلم وقتَه وأرضَه إلا الله. فالقبر أول منازل الآخرة، إما روضة وإما حفرة. فاستعد، ولا تغتر بشبابك وصحتك ومالك، وأيقظ قلبك قبل فوات الأوان. اللهم أيقظنا.

تأتي الآيات الكريمة في سورة عبس كشهاب يخرق ظلمات الغفلة التي تكتنف النفس البشرية، لتبسط أمام الإنسان حقيقته العارية بلا تزييف ولا تجميل. يقول الحق تبارك وتعالى:
﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ﴾
إنها لمحات خاطفة تختصر رحلة العمر في كلمات معدودات، لتكشف عن مسافة زمنية ضئيلة جدًا يتقلب فيها المرء، مسافة تنحصر بوضوح بين شريطين: النطفة والقبر.
تبدأ المسيرة من نطفة مهينة، لا يملك صاحبها حولًا ولا قوة، ثم يُقدَّر الجنين في ظلمات الرحم، ويُيسَّر له السبيل إلى الدنيا، فيخرج صغيرًا ضعيفًا، لا يحمي نفسه ولا يقضي حاجته. ثم يشبّ، ويقوى، ويجمع، ويمنع، ويظن أنه مخلَّد في الأرض. ثم يأتيه الأمر بغتة: ثم أماته فأقبره. فيا لها من رحلة قصيرة! ويا لها من نهاية صارخة! ويا لها من غفلة طويلة!
أفلا يرى الإنسان كل يوم حوله كم من قريب وبعيد يهلك أمام عينيه؟! يحملون على الأكتاف، ويوارون تحت التراب، وتُترك بيوتهم، وتُقسم أموالهم، وتُنسى أسماؤهم، وكأنهم ما كانوا. الأب يموت، والأم تُدفن، والأخ يُفقد، والصديق يُغيّب، والجار يُنقل إلى مثواه الأخير، والغريب يموت في الطريق، والشاب يموت قبل أبيه، والطفل يُقبر قبل أن يكبر. وكلهم كانوا يظنون أن أمامهم عمرًا طويلًا، وأن الموت لغيرهم، وأن الساعة بعيدة. ولكن الموت لا يستأذن، ولا يعرف صغيرًا ولا كبيرًا، ولا غنيًا ولا فقيرًا، ولا قويًا ولا ضعيفًا.
والإنسان يرى كل ذلك، ويعلم أن نهايته ستكون مثلهم، وأنه لا يملك من أمره شيئًا، وأن الساعة لا يعلمها إلا الله، لا يعلمها ملك مقرّب ولا نبي مرسل. يقول الله تعالى:
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾
ويقول:
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾
فمن يضمن لك أن تصل إلى بيتك؟ ومن يضمن لك أن ترى غدًا؟ ومن يضمن لك أن تكون في العدد الباقي؟ ربما تكون أنت الخبر القادم، وربما يُقال بعد قليل: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، ويُذكر اسمك في قائمة الأموات، ويُصلى عليك، ويُوارى جسدك، ثم ينساك الناس كما نسوا من قبلك.
لكن الغفلة أشد من الموت؛ لأن الموت نهاية حتمية، أما الغفلة فهي موت القلب قبل موت الجسد. يمرّ الإنسان على المقابر، ويرى الجنائز، ويسمع بأخبار الموتى، ثم يعود إلى لهوه، ويؤجل توبته، ويسوّف عمله، ويقول: «سأتُوب غدًا، سأصلي بعد أن أفرغ من مشاغلي، سأرد المظالم عندما يحين الوقت». وكأنه يملك من العمر ما لا يملكه غيره، وكأن الموت كتب على الآخرين فقط. قال النبي ﷺ:
«أكثروا ذكر هاذم اللذات» يعني الموت.
فما بال قلب لا يلين، وعين لا تدمع، ونفس لا تخاف؟
إن القبر أول منازل الآخرة، إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار. ثم البعث، ثم الحساب، ثم الميزان، ثم الصراط، ثم جنة أو نار. فماذا أعددت لذلك اليوم؟ ماذا أعددت لسؤال الملكين؟ ماذا أعددت لصحيفة تُنشر عليك فلا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها؟ ماذا أعددت لربك وأنت واقف بين يديه، ليس بينك وبينه ترجمان؟
يا من يقرأ هذه الكلمات، توقف لحظة. انظر إلى نفسك، إلى قلبك، إلى عملك. أصلّيت اليوم؟ استغفرت؟ أحسنت إلى والديك؟ رددت مظلمة؟ تصدقت؟ ذكرت الله؟ أم أنك ما زلت في غفلة عميقة، والموت يقترب منك وأنت لا تشعر؟ لا تغتر بشبابك، فكم من شاب دفن قبل أبيه. ولا تغتر بصحتك، فكم من صحيح أصبح في المقابر. ولا تغتر بمالك، فالمال لا يدفع الموت، ولا يشتري عمرًا جديدًا.
اللهم أيقظ قلوبنا قبل أن نموت، وارزقنا حسن الخاتمة، واجعل قبورنا روضة من رياض الجنة، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين. واغفر لكل من مات على التوحيد، وارحمنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه. واجعلنا ممن يسمعون القول فيتبعون أحسنه. إنك أنت السميع العليم.
مقالات ذات صلة
الجزع والمنع ... وبصيرة المؤمن عند المصائب والمحن
يتناول المقال طبيعة الإنسان الهلوع: جزوع عند الشر، منوع عند الخير، ولا يتغلب عليها إلا إيمان قوي ويقين بقضاء الله. ويوضح أن المصائب والمرض ابتلاء، وأن الإنسان لا يموت بمرض بل بأجله، فالمرض سبب والأجل مكتوب. فالمؤمن بالصبر والرضا والتوكل يتحول بلاؤه إلى رحمة وأجر، ويبقى مطمئناً برحمة الله، مستعيناً بالدعاء والرقية، عالماً أن الفرج مع الصبر. وأن الجزع والمنع طبع يحتاج إلى مجاهدة وصبر، فالبصيرة الإيمانية تعينه.
الحكمة وفصل الخطاب: قراءة تدبرية في العطاء الإلهي لداود عليه السلام
يتناول المقال تفسير قوله تعالى: (وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) لداود عليه السلام، ويحلل العلاقة بين الحكمة وفصل الخطاب، مؤكدًا أن الحكمة تثمر خطابًا فاصلًا واضحًا، وأن الهدوء والأناة وذكر الله قبل الكلام تهيّئ القلوب وترفع الاستعداد للاستماع، مع بيان توافق هذا التأمل مع أقوال المفسرين، واستخلاص دروس عملية للتواصل المعاصر. كما يبرز أن البلاغة وسيلة لخدمة الحق والعدل لا غاية بذاتها.
هذا من فضل ربي - حين تصبح النعمة اختبارًا لا سببًا للغرور
يعلّمنا موقف سليمان عليه السلام عند إحضار عرش ملكة سبأ أن أعظم النعم لا ينبغي أن تقود إلى الغرور، بل إلى الشكر والتواضع. فقد قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾. فالمال والعلم والقوة والجاه اختبارات، والمؤمن الحق ينسب الفضل لله، ويزداد بالنعم ورعًا وإحسانًا وتواضعًا، ولا يجعل نجاحه سببًا لنسيان المنعم.