المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 14 يوليو 2026 08:18 ص
قال الله تعالى:
﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾
ليست هذه الآية عبارة جميلة ترددها الألسنة، بل قاعدة أخلاقية عظيمة، لو أقامها الناس في حياتهم لاستقامت العلاقات، وحُفظت الحقوق، وسادت الرحمة بين الإخوة والأصدقاء والجيران.
فليس أخاً حقيقياً من يبيت شبعان آمناً مطمئناً، بينما أخوه جائع أو محتاج أو منكسر، وهو قادر على مساعدته ثم يدير وجهه عنه.
وليس صديقاً من يشاركك الضحك والمجالس في الرخاء، ثم يختفي عندما تضيق بك الحياة.
وليس جاراً صالحاً من يغلق بابه على راحته، وهو يعلم أن جاره خلف الباب يعاني الحاجة أو الخوف أو المرض أو المهانة.
وليس الجوع جوع الطعام وحده.
قد يجوع الإنسان إلى الأمان، أو العمل، أو النصرة، أو التقدير، أو كلمة تحفظ كرامته، أو موقف صادق يرد عنه الظلم، أو يد تمتد إليه قبل أن يسقط.
قد لا يحتاج أخوك إلى مالك، وإنما يحتاج ألا تتخلى عنه.
وقد لا يطلب صديقك صدقة، وإنما ينتظر منك موقفاً يثبت أنك لم تكن صديقاً للمصلحة فقط.
وقد لا يطرق جارك بابك تعففاً وحياءً، مع أنه يحمل خلف جدرانه من الضيق ما لا يعلمه إلا الله.
الأخوة ليست اسماً في سجل العائلة، والصداقة ليست صوراً وضحكات ومجاملات، والجوار ليس اشتراكاً في جدار أو شارع.
هذه العلاقات أمانة ووفاء ومروءة، تظهر حقيقتها عند الشدائد، لا عند الولائم والمناسبات.
من أسباب ما حل بالأمة من تفكك وقسوة أن كثيراً من الناس أصبحوا ينظرون إلى النعم التي بين أيديهم باعتبارها دليلاً على تفوقهم على الآخرين، لا اختباراً من الله لهم.
من رزقه الله مالاً ظن أنه أذكى من الفقير.
ومن رزقه منصباً ظن أنه أعلى قدراً من غيره.
ومن رزقه علماً أو علاقات أو قوة ظن أنه استغنى عن الناس، وأن ما وصل إليه حق خالص له، لا فضل لأحد فيه.
ونسوا أن المال امتحان، والمنصب امتحان، والعلم امتحان، والصحة امتحان، والقوة امتحان، وأن الله الذي أعطى قادر على أن يسلب، والذي رفع قادر على أن يضع.
وإنما يُنظر إلى الإنسان في نعمته: هل يشكر أم يجحد؟ هل يرحم أم يتكبر؟ هل ينصر الضعيف أم يستغله؟ هل يحفظ أخاه وقريبه وصديقه وجاره أم يتركهم عند أول محنة؟
ليس شكر النعمة أن تردد كلمات الحمد بلسانك، ثم تغلق بابك في وجه المحتاج.
شكر النعمة أن يظهر أثرها في رحمتك ووفائك، وأن تحفظ بها كرامة أهلك وإخوانك، وأن تعين من تستطيع إعانته دون إذلال أو منّ أو فضيحة.
لقد صار كثير من الناس يلتفون حول الدنيا كما تلتف الكلاب حول العظام؛ تدافع وتنهش وتزمجر، وكل واحد لا يرى إلا حصته.
يتقاتلون على المال والميراث والمناصب والفرص والعلاقات، بحق أو بغير حق، حتى لو أكل أحدهم حق أخيه، أو خان صديقه، أو أهان جاره، أو صعد فوق أكتاف من وثقوا به.
ثم يسمون ذلك شطارة وذكاءً ورجولة!
وأي رجولة في أن تأكل حق الضعيف؟
وأي شطارة في أن تستغل حاجة أخيك؟
وأي نجاح في أن تجمع المال وتخسر المروءة؟
وأي قوة في أن ترفع نفسك بإهانة من حولك؟
الرجولة الحقيقية ليست في قدرتك على انتزاع حقوق الآخرين، بل في قدرتك على رد الحقوق إلى أصحابها.
وليست في أن تخيف المحتاج، بل في أن تؤمّنه.
وليست في أن تمنّ على الناس بعطائك، بل في أن تساعدهم بكرامة حتى لا يشعروا أن حاجتهم قد أذلتهم.
ومن أقبح الأخلاق أن تعين إنساناً ثم تفضحه، أو تساعده ثم تعيّره، أو تظل تذكره بمعروفك كلما اختلف معك.
فالمعروف الذي يُقدَّم لله لا يتحول إلى قيد في رقبة المحتاج، ولا إلى وسيلة لشراء ولائه أو إسكات رأيه أو استعباده.
هنا تظهر الجهة الأخرى من المشكلة، وهي من أخطر أسباب انهيار هذا الخلق العظيم: إنكار المعروف وجحود الإحسان.
فكما أن المنّ والأذى بعد المساعدة خُلُق مذموم، فإن إنكار المعروف والتنكّر لمن أحسن إليك خُلُق قبيح لا يقل خطراً.
كم من إنسان وقف مع أخيه في محنته، أو أنقذ صديقه عند سقوطه، أو ساعد جاره في ضيقته، ثم فوجئ بعد سنوات بأن كل ذلك قد مُحي من الذاكرة!
بل قد يتحول من أحسنت إليه إلى خصم ينكر معروفك، ويقلب الحقائق، ويتحدث بعزة الإثم وكأنه لم يحتج إليك يوماً، وكأنك لم تقف معه ولم تبذل من وقتك أو مالك أو جهدك شيئاً.
وقد يزيد على ذلك فيقول لك ببرود واستعلاء:
«لو كنت أعلم أنك لم تقدم ما قدمت لوجه الله، لما أخذت منك شيئاً.»
وكأنه يجعل إخلاصك لله ذريعة تسقط عنه واجب الشكر، وتمنحه الحق في إنكار المعروف والجحود به.
وهذا من أعجب صور قلب الموازين؛ فكون الإنسان قد أحسن ابتغاء وجه الله لا يبيح لمن أُحسن إليه أن يجحد، ولا يعفيه من حفظ الجميل، ولا يجعل الاعتراف بالفضل منّة محرمة.
فالمحسن مأمور بالإخلاص وترك المنّ والأذى، والمُحسن إليه مأمور بالشكر والوفاء وعدم إنكار المعروف.
وليس إخلاص الأول مبرراً لجحود الثاني، كما أن شكر الثاني لا ينتقص من إخلاص الأول.
بل إن هذه العبارة كثيراً ما تُستخدم هروباً من الحقيقة؛ فعندما يُذكَّر الإنسان بخذلانه أو جحوده، لا يعتذر ولا يعترف، وإنما يحاكم نية المحسن ويقول له: كان ينبغي أن تفعل ذلك لله!
وكأن العمل لله يعني أن يتحول المعروف إلى شيء مباح الإنكار، وكأن الإخلاص يوجب على المحسن أن يقبل الخيانة والجحود بصمت، وكأن من أُحسن إليه لا واجب عليه في الوفاء أو الشكر أو حفظ الجميل.
إن الإخلاص لله لا يعني إلغاء الأخلاق بين الناس.
ولا يعني أن تأخذ المعروف ثم تنكره.
ولا يعني أن تنتفع بالمساعدة وقت ضعفك، ثم تتكبر على صاحبها وقت قوتك.
ولا يعني أن تجرح من وقف معك ثم تتهمه في نيته لتبرر جحودك.
وقد لا يكتفي الجاحد بالإنكار، بل يذمك ويهاجمك ويتكبر عليك، لأن الاعتراف بفضلك يؤلمه ويجرح كبرياءه المريض.
يظن أن قوله: «وقف فلان معي» ينتقص من قدره، وما علم أن الاعتراف بالمعروف شرف، وأن الوفاء قوة، وأن شكر الناس لا يصغر الرجال، بل يكشف معادنهم.
ليس عيباً أن تقول: ساعدني أخي عندما ضاقت بي الحياة.
وليس نقصاً أن تعترف بأن صديقاً وقف معك حين تخلى عنك الآخرون.
وليس مذلة أن تحفظ لجارك موقفاً نبيلاً صنعه معك.
العيب أن تنكر.
والعار أن تتكبر.
والسقوط الحقيقي أن تتنكر لمن مد إليك يده عندما كانت يدك عاجزة.
إن الإنسان الكريم قد يساعد مرة ومرتين وعشراً دون أن ينتظر مقابلاً أو ثناءً، ولكن عندما يرى الجحود يتكرر، ويشاهد من أنقذهم بالأمس ينكرون معروفه اليوم، يبدأ بالتردد.
لا لأنه أصبح بخيلاً، ولا لأنه فقد حبه للخير، بل لأنه يخشى أن يضع معروفه في غير موضعه، وأن يمنح ثقته لمن لا يحفظها، وأن ينصر إنساناً مستكبراً لا يرى إلا نفسه وولده ومصلحته.
وقد لخّص زهير بن أبي سُلمى هذه التجربة الإنسانية المؤلمة بقوله:
وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ يَكُنْ حَمْدُهُ ذَمًّا عَلَيْهِ وَيَنْدَمِ
لا يدعو هذا البيت إلى ترك الإحسان أو إغلاق الأبواب في وجوه المحتاجين، وإنما يحذر من وضع المعروف عند من لا يعرف له حرمة، ولا يحفظ لصاحبه فضلاً، بل قد يقابل الإحسان بالذم، والستر بالفضيحة، والوفاء بالغدر.
وهنا تكمن خطورة الجحود.
فالجاحد لا يؤذي الشخص الذي أحسن إليه وحده، بل يجرح روح الإحسان في قلبه، وقد يدفعه إلى التردد في مساعدة أشخاص آخرين كانوا أحق بالمعروف وأحفظ له.
وهكذا يصبح ناكر المعروف، وهو يدري أو لا يدري، سبباً في إغلاق أبواب الخير أمام غيره.
فكم من صاحب مروءة توقف عن مساعدة الناس بعدما تكررت عليه الخيانة والجحود!
وكم من كريم أصبح شديد الحذر بعدما رأى أن من وقف معهم عند ضعفهم انقلبوا عليه بعد قوتهم!
وكم من باب خير أُغلق لأن أحد الجاحدين جعل الإحسان تجربة مؤلمة!
لا تلوموا أصحاب الأخلاق وحدهم عندما يصبحون أكثر حذراً، بل لوموا من قابل المعروف بالإنكار، ومن جعل الوفاء خسارة، ومن ظن أن الاعتراف بالفضل يهدم كبرياءه.
يجب أن نضع ميزاناً عادلاً لا يظلم المحسن ولا المحتاج.
فمن قدّم المعروف لا يجوز له أن يمنّ، أو يؤذي، أو يفضح، أو يطالب من ساعده بالخضوع الدائم له.
ومن تلقّى المعروف لا يجوز له أن ينكره، أو يجحده، أو يذم صاحبه، أو ينقلب عليه عند أول اختلاف.
الإحسان لا يشتري الرقاب، والاعتراف بالفضل لا يعني العبودية للمحسن.
قد يساعدك إنسان، ثم يخطئ بعد ذلك؛ فلا يمنعك معروفه السابق من بيان خطئه، ولكن لا يجوز أن يمحو خلاف عابر تاريخاً كاملاً من الوفاء.
وقد تعجز عن رد المعروف بمثله، وليس كل إنسان قادراً على المكافأة بالمال أو المواقف، ولكنك تستطيع أن تشكر، وأن تحفظ الجميل، وأن تذكر الفضل، وأن تصون الغيبة.
هناك فرق عظيم بين من عجز عن رد المعروف، ومن أنكره.
قد لا تملك مالاً تكافئ به من وقف معك، ولكنك تملك كلمة طيبة.
وقد لا تستطيع مساعدته عندما يحتاج، ولكنك تستطيع ألا تخذله أو تخونه.
وقد لا تقدر على رد جميله بمثله، ولكنك تستطيع أن تقول بصدق:
نعم، وقف معي.
نعم، له فضل بعد الله عليّ.
نعم، لن أنسى معروفه.
هذه الكلمات لا تنتقص من كرامتك، بل ترفعها.
فالكرامة ليست في إنكار أفضال الناس، وإنما في حفظها دون تذلل أو نفاق.
إن معنى قول الله تعالى:
﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾
لا ينحصر في أن ترد المال بالمال، أو الخدمة بالخدمة، بل إن أدنى الإحسان أن تحفظ المعروف وألا تقابله بالإساءة.
فلا يُقابل الستر بالفضيحة.
ولا الوفاء بالغدر.
ولا النصرة بالتخلي.
ولا الإكرام بالإهانة.
ولا اليد التي امتدت إليك في ضعفك بالعضّ عندما تقوى.
ومن خالفوا هذه القاعدة ساهموا في إفساد المجتمع، وأضعفوا روح التكافل، وأطفؤوا في قلوب كثير من أصحاب المروءة الرغبة في تقديم الخير.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يموت الخير فينا بسبب الجاحدين، بل ينبغي أن يصبح إحساننا أكثر حكمة وبصيرة.
نساعد المستحق.
ونحفظ كرامة المحتاج.
ولا نمنّ ولا نؤذي.
ولا نشترط ثمناً لإحساننا.
لكننا أيضاً لا نسلّم أنفسنا مراراً لمن ثبت غدره وجحوده واستكباره، ولا نضع المعروف بإصرار في موضع يُهان فيه.
فالإحسان فضيلة، والحكمة فضيلة، والمؤمن لا يقتل الخير في قلبه، لكنه لا يسمح للجاحدين أن يحولوا الخير إلى باب لاستغلاله وإهانته.
لا تنتظروا نهضة أمة لا يرحم قويها ضعيفها، ولا يحفظ غنيها فقيرها، ولا يقف أخوها مع أخيه، ولا يسأل جارها عن جاره.
ولا تنتظروا البركة في مجتمع يُقابل فيه الإحسان بالجحود، والمعروف بالإنكار، والوفاء بالغدر، والستر بالفضيحة.
الأمة التي يأكل بعضها بعضاً لا تحتاج إلى عدو يهزمها؛ فقد هزمت نفسها بنفسها.
والأمة التي لا يحفظ أبناؤها المعروف ستجد أبواب الخير تُغلق واحداً بعد آخر، والقلوب تقسو، والثقة تموت، وكل إنسان ينكفئ على نفسه وولده، لأنه لم يعد يأمن أن يضع معروفه في غير أهله.
فتفقّد أخاك قبل أن يسقط.
واسأل صديقك قبل أن يضطر إلى السؤال.
واحفظ كرامة جارك قبل أن يبيت مقهوراً خلف بابه.
وساعد من تستطيع مساعدته بصدق وستر ورحمة، دون منّ أو استعلاء.
وإذا أحسن إليك إنسان، فلا تنكر، ولا تتكبر، ولا تجعل عزة الإثم تمنعك من الاعتراف بالحق.
ولا تقل لمن أحسن إليك: «لو كنت أعلم أنك لم تفعل ذلك لله لما قبلت»، ثم تجعل هذه العبارة ستاراً تخفي خلفه الجحود وسوء الوفاء.
فالله أمرك أن تخلص في إحسانك، وأمرك كذلك أن تشكر من أحسن إليك، وأن تحفظ المعروف، وألا تقابل الخير بالشر.
ليس الإنسان بما جمع لنفسه، بل بما حفظ للناس من حقوق وكرامة.
وليس الأخ من شاركك الدم فقط، بل من شاركك الهم.
وليس الصديق من حضر فرحك، بل من ثبت عند محنتك.
وليس الجار من قرب بيته، بل من قرب قلبه، وحفظ سترك، وسد حاجتك.
وليس الكريم من أحسن فقط، بل من أحسن إذا قدر، وحفظ الإحسان إذا تلقاه.
فإما أن نعيد إلى الأخوة والصداقة والجوار معانيها الحقيقية، وأن نرد الإحسان بالإحسان، ونحفظ المعروف لأهله، وإما أن نستمر في زمن يتقاتل فيه الناس على العظام، ثم يتساءلون لماذا نُزعت البركة، وقست القلوب، وانقطعت المودة.