المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 12 يوليو 2026 03:09 م
كلما ذُكرت سوريا، وحربها الطويلة، وما أصاب أهلها من قتل وتشريد واعتقال ودمار، تعود إلى خاطري صورة لم أرها بعيني، لكن صوتها بقي محفورًا في
قلبي؛ صوت فتاة خرجت من تحت أنقاض حي جوبر الدمشقي، بعدما نجا جسدها من الموت بلحظات.
كانت عدسات الفضائيات تنقل مشاهد الدمار، وتوثّق خروج الناجين من بين الركام. وبينما كانت الفتاة تُنتشل من تحت الأنقاض، لم تُنقل صورتها، وإنما سُمع صوتها باللهجة الشامية ترجُو المصوّر:
«عمو، لا تصوّر… حجابي وقع نتيجة الأنقاض».
لم أتمالك نفسي يومها من البكاء، وقلت في قلبي: شعبٌ فيه مثل هذه الفتاة لن يخيّبه الله.
خرجت من جوف الموت، والغبار يملأ المكان، والبيوت فوق أهلها، والخوف يحيط بها من كل جانب؛ ومع ذلك كان أول ما بحثت عنه سترها. لم تسأل عن الكاميرا ولا عن الشهرة، ولم تفكر أنها في ظرف يبيح لها أن تنسى ما تؤمن به، بل بقي حياؤها حاضرًا حتى حين غاب كل شيء.
لم تكن كلماتها جملة عابرة، بل كانت شهادةً على تربية راسخة لم تستطع الأنقاض أن تدفنها، وعلى إيمان بقي حيًّا تحت الركام. لقد سقط سقف البيت، وسقط حجابها بفعل الدمار، لكن حياءها لم يسقط، وكرامتها لم تُهزم، وإباؤها بقي واقفًا على حافة الموت.
كانت تلك الفتاة ريحانةً من ريحان جوبر؛ مجهولة الاسم، لكنها معروفة المعنى. لم نر وجهها، ولعل في ذلك تمام رسالتها؛ فقد أرادت ألا تُرى، لكن الله جعل صوتها يُسمع، وجعل موقفها أبقى من آلاف الصور.
هذه هي الشام التي نعرفها: ليست أرضًا بلا خطأ، ولا مجتمعًا يخلو من الضعف والتقصير، ولكنها أرض عريقة الجذور، تتجدد فيها معاني الإيمان كلما ظن الناس أنها اندثرت. وقد ورد في فضل الشام وبركتها عدد من الأحاديث النبوية، ومنها دعاء النبي ﷺ:
«اللهم بارك لنا في شامنا».
فالبركة لا تعني أن الشام لن تُبتلى، بل قد يشتد بلاؤها ويطول؛ لكنها تعني أن الخير فيها لا ينقطع، وأن جذوة الإيمان قد تخبو تحت رماد الفتن، لكنها لا تموت. وحين يظن الناس أن الدمار بلغ الأرواح بعد أن بلغ البيوت، يخرج من تحت الركام صوت فتاة يذكّرهم بأن المعدن الأصيل ما زال هناك.
لقد عانى السوريون ما تعجز الكلمات عن وصفه؛ قُتل الكبير والصغير، وشُرّدت الأسر، وتفرّق الأبناء في بقاع الأرض، وامتدت آثار الظلم إلى النفوس والأخلاق والعلاقات. ولم يكن التخريب مقتصرًا على الحجر؛ بل استمر عقودًا طويلة يحاول إفساد الضمير، وإضعاف الدين، ونشر الخوف والشك والتكالب على الدنيا.
ومع ذلك، فإن ستين عامًا من الإفساد لا تستطيع محو قرون من الإيمان والحضارة والكرامة. قد تُشوَّه الأخلاق فترة، وقد تغلب المصلحة الضيقة، ويظهر الجشع والأنانية، لكن ذلك كله غبار عابر، أما معدن الشام الأصيل فأعمق من أن تقتلعه السنون.
وحين جاء الفرج على صورة لم يكن أكثر الناس يتوقعونها، بدا وكأن الله يذكّر أهل الشام بأن دوام الظلم وهم، وأن أبواب الخلاص قد تُفتح حين تنقطع حسابات البشر. وما بدا مستحيلًا بالأمس أصبح واقعًا، ليبدأ بعده الامتحان الأصعب: إعادة بناء الإنسان قبل البنيان، وترميم الضمير قبل الجدران.
لن تتغير آثار عقود طويلة في يوم واحد، ولن تزول أمراض الخوف والمصلحة والتنازع بقرار أو خطاب. لكنني مؤمن بأن التعاملات ستتحسن، وأن التكالب على الدنيا سيضعف تدريجيًا، وأن روح التكافل والرحمة ستعود كلما شعر الإنسان السوري بالأمان والعدل والكرامة.
ستظهر معادن الناس الأصيلة في المواقف: في حفظ الحقوق، ورحمة الضعفاء، ورد المظالم، ونبذ الانتقام، وصيانة أعراض الناس وأموالهم. فالوطن لا يُبنى بالحجارة وحدها، وإنما يُبنى بالصدق والأمانة والعفة والعدل.
وإن أعظم الوفاء لتضحيات الشام ألا نستبدل ظلمًا بظلم، ولا فسادًا بفساد، ولا عصبيةً بعصبية؛ بل نجعل من الألم مدرسةً تمنع تكراره، ومن الحرية مسؤوليةً تحفظ الإنسان وكرامته.
يا فتاة جوبر التي لا نعرف اسمها:
لعلّك لا تعلمين أن كلماتك عبرت الشاشات لتسكن قلوبًا بعيدة، وأن صوتك كان أقوى من مشهد الدمار كله. لقد قلتِ في لحظة واحدة إن البيوت قد تُهدم، لكن المبادئ لا يلزم أن تُهدم معها؛ وإن الإنسان قد يفقد كل شيء، لكنه يستطيع أن يحتفظ بكرامته وإيمانه.
وإلى فتيات الشام جميعًا: لا نطلب من إحداكن العصمة، ولا ننصب أنفسنا قضاةً على أحد، وإنما ندعو الله أن يهديكن ويحفظكن، وأن تكون ريحانة جوبر قدوةً في الثبات على المبدأ، وفي معرفة قيمة الستر والعفة والحياء. فالعفة ليست مظهرًا فحسب، بل كرامة في النفس، ونقاء في القلب، واستعلاء على الابتذال، ووعي بأن الإنسان أغلى من أن يتحول إلى صورة عابرة أمام العيون.
سترجع الشام بإذن الله؛ لا لأن جراحها قليلة، بل لأن جذورها عميقة. ستنهض بمدنها وقراها، بعربها وكردها وسائر مكوناتها، بكل من أحبها وحفظ حق أهلها. وستعود دمشق وحلب وحمص وحماة وإدلب ودرعا ودير الزور والرقة والحسكة والساحل وسائر ربوعها إلى الحياة، حين يجعل أهلها العدل أساسًا، والرحمة طريقًا، والكرامة حقًا للجميع.
وستبقى ريحانة جوبر رمزًا لذلك الخير المستتر تحت الأنقاض: فتاة خرجت من حافة الموت، فلم يكن أول ما نطقت به شكوىً من جراحها، بل نداءً يحفظ سترها:
«عمو، لا تصوّر… حجابي وقع».
فسلام عليها يوم خرجت من تحت الركام، وسلام على حيائها وإبائها، وسلام على الشام التي قد تُجرح، لكنها لا تموت.