Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يوليو 2026 05:24 ص

حين يكون الخوف شجاعة… ويكون التراجع حكمة

حين يكون الخوف شجاعة… ويكون التراجع حكمة

ما أعظم الشجاعة حين تكون في موضعها، وما أجملها حين تقترن بالعقل والحكمة! فهي مكرمة بين الخلائق، وصفة ترفع صاحبها، وتمنحه القدرة على مواجهة الأخطار، والدفاع عن الحق، والثبات عند الشدائد.

لكن الشجاعة الحقيقية ليست اندفاعا أعمى، كما أن الخوف ليس دائما جبنا أو ضعفا؛ فقد يكون الخوف أحيانا عين الحكمة، وقد يكون التراجع أشجع من الإقدام، وقد يكون تغيير الرأي دليلا على قوة العقل لا ضعفا في الشخصية.

كنت أشاهد قبل أيام تقريرا مصورا عن غرير العسل، ذلك الحيوان الصغير الذي اشتهر بشراسته وقوة إقدامه، حتى أصبح يوصف بأنه من أشجع الحيوانات. وعلى الرغم من صغر حجمه مقارنة بالأسود والضباع وغيرها من السباع، فإنه يواجهها بثبات، ويدافع عن نفسه بضراوة، وقد تتجنب بعض الحيوانات المفترسة الاشتباك معه، لا لأنها أضعف منه جسدا، بل لأنها تعرف مقدار ما قد يسببه لها من أذى.

لقد جعل الله في خلقه أسرارا عجيبة؛ فقد يمنح حيوانا صغيرا من الجرأة والإقدام ما لا يمنحه لحيوان يفوقه حجما مرات كثيرة. فالقوة ليست دائما في ضخامة الجسد، وإنما قد تكون في القلب، وفي الإرادة، وفي معرفة المخلوق كيف يستخدم ما وهبه الله من وسائل للدفاع عن نفسه.

وفي بعض المشاهد نرى صيادا في إفريقيا يواجه أسدا بعصا، فيتراجع الأسد أمامه. وليس معنى ذلك أن العصا أقوى من الأسد، أو أن كل إنسان يستطيع أن يفعل الأمر نفسه، وإنما يكون ذلك الصياد قد تعلم من خبرته الطويلة كيف يتصرف، وكيف يظهر للأسد أنه ليس فريسة سهلة. إنه يعرف متى يثبت، ومتى يتراجع، وما الذي قد يخيف الحيوان أو يردعه.

أما من لا يملك هذه الخبرة، فإن تقليده لذلك الصياد قد يكون تهورا يودي بحياته.

وهنا يظهر الفرق الكبير بين الشجاعة والطيش.

فالشجاعة أن تعرف الخطر، وتفهمه، وتستعد له، ثم تواجهه عندما تكون المواجهة واجبة أو ممكنة. أما الطيش فهو أن تدخل معركة لا تعرف طبيعتها، ولا تملك أدواتها، ولا تدرك عواقبها، ثم تسمي ذلك شجاعة.

وقد ذكرتني هذه الفكرة بموقف حدث معي قبل نحو خمسة وعشرين عاما. كان رجل كبير في السن يحدثني عن حياة الناس في الأزمنة القديمة، حين لم تكن دورات المياه داخل البيوت كما هي اليوم، ولم تكن هناك شبكات متطورة لتصريف الفضلات وإخفاء الروائح.

كانت أماكن قضاء الحاجة بعيدة عن البيوت، أو في أماكن مكشوفة أو شبه مكشوفة، يذهب إليها الإنسان ثم يعود إلى منزله. وكان الناس في طريقهم إلى تلك الأماكن، التي كانوا يسمونها «الخلاء»، قد يصادفون الحيات أو العقارب وغيرها من المخلوقات المؤذية.

قال لي الرجل:

كنا إذا رأينا حية أو عقربا أمسكنا العصا، وضربناها حتى تموت أو تهرب بعيدا.

ثم سألني:

ماذا كنت ستفعل لو كنت مكاننا؟

فأجبته دون تردد:

كنت سأهرب بالطبع!

فضحك كثيرا من إجابتي، وكأنه رأى فيها دليلا على الجبن. فقلت له:

أنا لا أعرف كيف أواجه الحيات والعقارب، ولا أعرف كيف أميز أنواعها أو أتجنب سمها، ولذلك فإن هربي منها ليس جبنا، بل حفاظ على النفس. أما أنتم فقد اعتدتم رؤيتها، وعرفتم كيف تتعاملون معها، فأصبحت مواجهتها أمرا طبيعيا بالنسبة إليكم.

كان هروبي في ذلك الموقف المفترض هو القرار الصحيح؛ لأنني لا أملك الخبرة ولا الأداة ولا المعرفة. ولو أقدمت على مواجهتها تقليدا لغيري، فقد ألقي بنفسي إلى التهلكة، والله تعالى يقول:

﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾.

ليست كل مواجهة بطولة، وليس كل تراجع هزيمة.

قد يكون الانسحاب من شجار شجاعة، وقد يكون ترك الرد على إساءة قوة، وقد يكون الابتعاد عن رفقة سيئة نجاة، وقد يكون رفض تجربة خطرة عقلا ونضجا. وفي المقابل، قد يكون الإقدام في بعض المواقف واجبا، كالدفاع عن مظلوم، أو قول كلمة حق، أو حماية الأهل، أو الوقوف أمام فساد لا يجوز السكوت عنه.

وكما أن بعض الناس يخلطون بين الشجاعة والتهور، فإنهم يخلطون كذلك بين الثبات على المبدأ والعناد في الرأي.

لقد اشتهرت في الدراما السورية عبارة كان يرددها الفنان سامر المصري في شخصية «أبو شهاب» في مسلسل باب الحارة:

«أنا شكلين ما بحكي».

وقد أصبحت هذه العبارة علامة تدل في الاستعمال الشعبي على الحزم، والثبات، وعدم التراجع عن الكلمة. وهي صفة محمودة عندما تتعلق بالحق، والوفاء بالعهد، وحماية الحقوق، وعدم التنازل عن الدين والأخلاق والمبادئ.

فلا ينبغي للإنسان أن يقول اليوم كلاما، ثم ينقضه غدا لمصلحة شخصية، أو أن يعد الناس ثم يخلف وعده، أو أن يتلون بحسب قوة من يقف أمامه. الثبات في هذه المواطن مروءة وشجاعة.

لكن العبارة نفسها قد تصبح مذمومة عندما تتحول إلى إعلان للعناد، ورفض لمراجعة النفس، وتمسك بالرأي ولو ظهر خطؤه.

فليس من الحكمة أن يقول الإنسان: لقد تكلمت وانتهى الأمر، ولن أغير كلامي مهما ظهرت لي من حقائق جديدة. وليس من الشجاعة أن يستمر المرء في الخطأ خوفا من أن يقال إنه تراجع أو بدل رأيه.

أنا شخصيا معروف بين إخوتي بالتردد وتغيير الكلام، ولذلك أصبحت أقول لهم ممازحا:

أنا أحكي شكلين وثلاثة، فلا تعتمدوا دائما على كلمتي الأولى!

ولست أقصد بذلك التلاعب بالوعود أو التنصل من الحقوق، وإنما أقصد أنني إن رأيت أن الحكمة تقتضي تغيير رأيي فسأغيره، وإن اكتشفت أن قولي الأول كان خطأ فسأرجع عنه، ما دام ذلك لا يهدم دينا، ولا يضيع حقا، ولا يتجاوز أخلاقا، ولا ينتهك حدود الله.

فالحق أحق أن يتبع، والعاقل لا يجعل كلمته الأولى صنما يعبده، ولا يجعل صورته أمام الناس أهم من وصوله إلى الصواب.

إن تغيير الرأي بعد ظهور الدليل ليس ضعفا، بل قوة. والاعتراف بالخطأ ليس هزيمة، بل شجاعة أخلاقية. أما الذي يعرف أنه أخطأ، ثم يصر على موقفه حتى لا يقال إنه تراجع، فقد جعل كبرياءه قائدا لعقله.

وقد عاب الله على أقوام رفضهم الرجوع عن الباطل لا لغياب الحجة، وإنما لأنهم وجدوا آباءهم على طريق فتمسكوا به، فقال تعالى:

﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾.

إن الثبات محمود عندما يكون ثباتا على الحق، لكنه يصبح عنادا عندما يكون ثباتا على الخطأ. والتراجع مذموم عندما يكون تراجعا عن المبدأ خوفا أو طمعا، لكنه يصبح فضيلة عندما يكون رجوعا إلى الحق بعد أن اتضح.

ولذلك فالحكمة ليست أن نكون شجعانا في كل موقف، ولا أن نثبت على كل كلمة قلناها، ولا أن نكون خائفين في كل موقف، بل أن نعرف:

مم نخاف؟

ومتى نخاف؟

ولماذا نخاف؟

وعلى ماذا نثبت؟

وعن أي رأي يجب أن نتراجع؟

إن الإنسان الحكيم لا يخجل من خوف يحميه، لكنه يخجل من خوف يمنعه من أداء واجبه. ولا يخجل من تغيير رأي قاده إلى الصواب، لكنه يخجل من تبديل مبادئه طمعا في مصلحة أو رضا إنسان.

فهو لا يهرب من كل خطر، ولا يقتحم كل خطر، ولا يغير كل رأي، ولا يصر على كل رأي؛ بل يزن الأمور بميزان العقل والشرع والخبرة والقدرة.

لكن هناك خوفا أسمى من جميع أنواع الخوف، وخشية إذا سكنت القلب كانت طوق نجاة للإنسان في الدنيا والآخرة؛ إنها الخوف من الله سبحانه وتعالى.

عندما تخاف أن تكون كلمة تقولها سببا في غضب الله، فكن شديد الخوف منها.

وعندما تخاف أن تكون نظرة، أو معاملة، أو ظلم، أو غيبة، أو أكل لحق إنسان سببا في سخط الله، فتراجع وارتعد، ولا تخجل من خوفك.

وعندما تدعوك نفسك إلى معصية، ويزين لك الناس الباطل، ويقولون لك: كن جريئا ولا تخف، فتذكر أن أشرف أنواع الشجاعة أن تملك القدرة على المعصية ثم تتركها خوفا من الله.

كن «جبانا» أمام الحرام إن أصر الناس على تسمية ذلك جبنا.

كن خوافا مرتعدا من أكل أموال الناس، ومن ظلم الضعفاء، ومن عقوق الوالدين، ومن الخيانة، ومن الغيبة، ومن شهادة الزور، ومن إطلاق الكلمات التي تهدم البيوت وتجرح القلوب.

لا تخف أن يقال عنك ضعيف لأنك رفضت الدخول في معصية، ولا تستح أن يقال عنك متردد لأنك توقفت لتسأل نفسك:

هل يرضى الله عن هذا الفعل؟

إن الله تعالى يقول:

﴿فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾.

فالمؤمن لا يعيش بلا خوف، ولكنه يرتب مخاوفه ترتيبا صحيحا. لا يجعل خوفه من الناس أكبر من خوفه من الله، ولا يجعل حرصه على رضا البشر سببا في خسارة رضا خالقه.

لقد رأينا كثيرا من الناس يرتكبون الأخطاء لأنهم أرادوا أن يثبتوا شجاعتهم أمام الآخرين. يدخل أحدهم مشاجرة لا تعنيه، أو يقود سيارته بتهور، أو يغامر بماله وأسرته، أو يشارك في ظلم، حتى لا يقال عنه إنه خائف.

كما رأينا من يستمر في قرار خاطئ، أو زواج فاشل، أو مشروع خاسر، أو خصومة ظالمة، لا لاقتناعه بصوابها، بل لأنه قال يوما كلمة، ويخشى أن يقال إنه رجع عنها.

ولكن الشجاعة ليست أن تثبت للناس أنك لا تخاف، وليست أن تصر على كل ما قلته. الشجاعة أن تعرف ما يستحق أن تواجهه، وما يجب أن تبتعد عنه، وما يجب أن تثبت عليه، وما ينبغي أن ترجع عنه، ومن الذي يجب أن تخشاه حقا.

وقد يكون أشجع الناس من يقول: لا أعرف.

وقد يكون أشجعهم من يطلب المساعدة.

وقد يكون أشجعهم من يعتذر.

وقد يكون أشجعهم من يهرب من فتنة يخشى أن تفسد دينه أو أخلاقه أو أسرته.

وقد يكون أشجعهم من يقول للناس: لقد أخطأت، وهذا هو الصواب.

إن الشجاعة بلا حكمة قد تدمر صاحبها، والثبات بلا بصيرة قد يتحول إلى عناد، والخوف بلا إيمان قد يشل الإرادة. أما الشجاعة التي يقودها العقل، والثبات الذي يقوده الحق، والخوف الذي تضبطه التقوى، فهي من أعظم ما يحفظ الإنسان ويهديه إلى الطريق المستقيم.

فلا تسخر من إنسان خاف مما لا يعرفه، ولا تدفع أحدا إلى مواجهة ما لا يحسن مواجهته، ولا تجعل الإقدام في كل شيء معيارا للرجولة أو البطولة.

ولا تعلم أبناءك أن يقولوا: «كلمتي لا تنزل الأرض» ولو كانت خاطئة، بل علمهم أن الكلمة التي لا تنزل الأرض هي كلمة الحق، أما الخطأ فرفعه عن الأرض وتركه مكرمة لا مذلة.

علمهم أن يسألوا قبل أن يقتحموا، وأن يتعلموا قبل أن يواجهوا، وأن يميزوا بين الخطر الذي يجب دفعه والخطر الذي تجب مجانبته، وبين المبدأ الذي يجب الثبات عليه والرأي الذي يجوز تغييره.

وعلمهم فوق ذلك كله أن يخافوا من الله، لا خوف اليأس والقنوط، بل خوف المحبة والتعظيم؛ ذلك الخوف الذي يمنعهم من الظلم، ويعيدهم عند الخطأ، ويحفظ ألسنتهم وأيديهم وقلوبهم.

ما أجمل الشجاعة حين تنصر الحق.

وما أعظم الخوف حين يمنع عن الباطل.

وما أكرم الثبات حين يكون على مبدأ.

وما أحكم التراجع حين يكون رجوعا إلى الصواب.

فليس الشجاع من لا يخاف أبدا، وليس القوي من لا يغير كلامه أبدا؛ وإنما الشجاع حقا من يعرف متى يتقدم، ومتى يتراجع، ومتى يغير رأيه، ومتى يقف مرتعدا بين يدي الله قائلا:

إني أخاف الله رب العالمين.

Responsive Counter
General Counter
120473
Daily Counter
546