المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 10 يوليو 2026 08:42 ص
بالأمس كنت جالسًا في أحد المقاهي، أنتظر ابنتي حتى تنتهي من زيارة كانت فيها لأوصلها إلى المنزل. مضت قرابة ساعة ونصف، ثم ارتفع أذان المغرب، والمقهى يكاد يكون ممتلئًا بالناس.
هممت بالخروج لأداء الصلاة، وكانت بالقرب مني زاوية صغيرة يمكن أن تُفرش فيها سجادة، ويستطيع الإنسان أن يؤدي صلاته دون أن يضايق أحدًا.
في تلك اللحظة، اقتربت مني فتاة في نحو العشرين من عمرها، واستأذنتني بأدب قائلة:
«هل يمكنني أن أصلي هنا؟»
ولأن المكان كان قريبًا جدًا من جلوسي، قلت لها على الفور:
«اسألي أصحاب المقهى، وأنا خارج الآن، وسيصبح المكان فارغًا لك.»
ابتعدت قليلًا وجلست تنتظر خروجي، ثم استعدت لأداء صلاتها.
كان موقفًا بسيطًا في ظاهره، لا يستغرق سوى دقائق، لكنه أثلج صدري، وأوقفني طويلًا أمام معانٍ كثيرة قد تمر بنا كل يوم من غير أن ننتبه إليها.
لم يكن قد مضى على الأذان إلا بضع دقائق. لم تقل إنها ستنتظر حتى تعود إلى منزلها، ولم تؤجل الصلاة نصف ساعة أو ساعة، ولم تبحث عن الأعذار التي يكثر الإنسان من صناعتها لنفسه. سمعت النداء، فعرفت أن وقت الصلاة قد دخل، وبادرت إلى أداء ما فرضه الله عليها.
قال الله تعالى:
إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا.
أي إنها عبادة مرتبطة بأوقات محددة، وليست عملًا ثانويًا نؤديه عندما ننتهي من مشاغلنا، أو حين يصبح المكان والظرف مناسبين تمامًا لرغباتنا.
وما أعجبني أكثر أنها كانت في مقهى عام، وفيه كثير من الرجال والشباب، ومع ذلك لم يمنعها الحياء المذموم أو الخوف من نظرات الآخرين من أداء فرضها.
هناك فرق كبير بين الحياء الذي يصون الإنسان، والحياء الذي يمنعه من طاعة الله. فالعبادة لا يُستحيا منها، والصلاة ليست موقفًا غريبًا يحتاج صاحبه إلى الاعتذار عنه، بل هي أشرف ما يمكن للإنسان أن يقف من أجله.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور:
جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا.
وهذه من سماحة الإسلام وعظمته؛ فالمسلم لا يحتاج دائمًا إلى بناء مخصوص حتى يقف بين يدي ربه. متى دخل وقت الصلاة، وكان المكان طاهرًا وآمنًا ومناسبًا، استطاع أن يؤدي صلاته.
خرجت من المقهى وأنا شديد الإعجاب بذلك الموقف، وقلت في نفسي:
جزى الله أمًّا حملتك، وأبًا أحسن تربيتك.
فمثل هذا السلوك لا يولد في لحظته غالبًا، بل هو ثمرة تربية طويلة. لا بد أن وراء هذه المبادرة بيتًا عظّم الصلاة في قلب أبنائه، وأمًّا أو أبًا علّما أبناءهما أن الصلاة ليست عبئًا نؤجله، بل عهد لا نفرط فيه.
ربما قيل لها منذ صغرها: إذا سمعت الأذان فلا تجعلي شيئًا يتقدم على الصلاة.
وربما رأت أهلها يقطعون حديثهم وأعمالهم عند دخول الوقت، فتعلمت بالفعل قبل الكلام أن للصلاة مكانًا لا ينافسها فيه شيء.
نحن لا نرى سنوات التربية، ولكننا نرى ثمارها في موقف لا يتجاوز دقائق.
ولهذا أكتب هذه القصة تذكيرًا لنفسي أولًا، ثم لأبنائي، ولمن يقرأ كلماتي.
فكثير من الأمور التي يظنها الناس بسيطة، ولا يلقون لها بالًا، قد يكون أثرها في حياة الإنسان عظيمًا. والمحافظة على الصلاة في أوقاتها ليست مجرد أداء لحركات وأقوال، بل هي مصدر للطمأنينة والراحة والنور وتنظيم الحياة.
حين يحافظ الإنسان على صلاته، فإنه يتعلم أن يتوقف وسط انشغاله، وأن ينسحب لدقائق من ضجيج الحياة، وأن يقف بين يدي خالقه، فيستعيد توازنه، ويضع همومه في موضعها الصحيح.
ولا يعني ذلك أن يعتزل الإنسان الحياة، أو يمنع نفسه من الترفيه المباح، أو يعيش في تضييق دائم. يستطيع أن يخرج، ويسافر، ويزور، ويجلس في المقاهي، ويتمتع بما أحل الله له، ولكن من غير أن يضيع حق الله عليه.
ديننا دين يسر، لكنه ليس دين تفريط.
والتيسير لا يعني تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها، كما أن الانشغال والترفيه لا ينبغي أن يتحولا إلى عذر دائم. خصوصًا في هذه البلاد المباركة التي تنتشر فيها المساجد والمصليات، ويسهل فيها غالبًا العثور على مكان طاهر وآمن للصلاة.
ومن المشاهد التي تشرح الصدر في المملكة أنك وأنت مسافر بين مدينة وأخرى ترى سيارات متوقفة على جانب الطريق، وقد نزل أصحابها لأداء الصلاة؛ هذا يصلي منفردًا، وهؤلاء يصلون جماعة.
والأجمل من ذلك حين ترى رجال الشرطة أو أمن الطرق قد أوقفوا سياراتهم في مكان آمن، ثم اصطفوا يؤدون الصلاة على جانب الطريق.
تتوقف المركبات دقائق، ولكن الحياة لا تتوقف. بل لعلها بتلك الصلاة تستعيد معناها وبركتها.
إن هذه المشاهد تشعر الإنسان بعظمة هذا الدين، وبأن الخير لا يزال حاضرًا في الناس، كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساءً. وتشعره بأن الأمة التي يبقى الأذان حاضرًا في طرقاتها وأسواقها وبيوتها، وتبقى الصلاة حاضرة في حياة أبنائها، لا يزال فيها خير كثير.
فحفظ الله لا يكون بالشعارات وحدها، وإنما يكون بحفظ أوامره، وتعظيم حدوده، والعودة إليه في كل يوم وليلة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
احفظ الله يحفظك.
ومن أعظم ما يحفظه العبد من أمر الله صلاته؛ فهي صلته بربه، وموعده المتكرر معه، والميزان الذي يعيد به ترتيب حياته خمس مرات كل يوم.
قد تنسى الفتاة ذلك الموقف سريعًا، وربما لم تر فيه شيئًا يستحق الذكر. فهي لم تفعل في نظرها إلا ما يجب عليها أن تفعله.
لكنها من حيث لا تعلم قدّمت درسًا كاملًا لكل من رآها.
ذكّرتني بأن المبادئ الحقيقية تظهر في المواقف اليومية الصغيرة، لا في الكلمات الكبيرة. وأن من عظّم الصلاة في قلبه، لم يبحث عند دخول وقتها عن عذر يؤجلها، بل بحث عن مكان يؤديها فيه.
الصلاة على وقتها ليست أمرًا صغيرًا.
إنها إعلان يومي بأن الله أكبر حقًا؛ أكبر من الموعد، وأكبر من الجلسة، وأكبر من نظرات الناس، وأكبر من كل ما يشغل القلب والحياة.
وما أجمل أن ينشأ شبابنا وفتياتنا على هذا المعنى:
أن يعيشوا حياتهم، ويتعلموا، ويعملوا، ويخرجوا، ويسافروا، ويستمتعوا بما أحل الله، ولكن عندما يسمعون النداء يعرفون أن هناك موعدًا لا يليق بهم أن يتأخروا عنه.
فطوبى لبيت غرس الصلاة في قلوب أبنائه، وطوبى لأبناء يحملون آثار تلك التربية أينما ذهبوا.
ورب موقف صغير في زاوية مقهى يكون عند الله عظيمًا، ويوقظ في قلوب الآخرين معاني غابت عنها طويلًا.