المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 30 يونيو 2026 12:12 ص
يظن كثير من الناس أن تعلم البرمجة أو أي مهنة تقنية غايته الأساسية الحصول على وظيفة جيدة، أو راتب مرتفع، أو مستقبل مهني أكثر استقرارًا. ولا شك أن هذه دوافع مشروعة، بل طبيعية في حياة الإنسان؛ فالناس تسعى إلى الرزق، وتأمين المعيشة، والبحث عن حياة كريمة.
لكن يبقى سؤال أعمق من ذلك كله:
لماذا نتعلم حقًا؟
هل نتعلم فقط خوفًا من الفقر؟ هل نتعلم فقط خشية أن نتخلف عن سوق العمل؟ هل نتعلم فقط لأننا لا نريد أن نكون ضمن أصحاب الأعمال المرهقة ذات الدخل المحدود؟
كل هذه دوافع مفهومة، لكنها ليست أعلى مراتب التعلم.
أتذكر مقولة تُنسب إلى العابدة الزاهدة رابعة العدوية، ولا أجزم بصحة نسبتها التاريخية، لكن المعنى الذي تحمله بالغ العمق. فقد قالت إنها لا تعبد الله خوفًا من ناره ولا طمعًا في جنته، وإنما تعبده حبًا خالصًا له سبحانه وتعالى.
وهنا يتجلى معنى يمكن إسقاطه على طلب العلم.
فكثير منا يتعلم البرمجة، أو الذكاء الاصطناعي، أو الهندسة، أو أي علم تقني، بدافع المنفعة المباشرة: وظيفة، مشروع، اختراع، أو مكسب مادي. وهذا ليس مذمومًا، بل هو من سنن الحياة.
لكن هناك مرتبة أعلى وأجمل.
مرتبة أولئك الذين زرع الله في قلوبهم حب العلم ذاته.
هؤلاء لا يتعلمون فقط لأن السوق يحتاجهم، بل لأن أرواحهم تتغذى على المعرفة. يشعرون بلذة الفهم، ومتعة الاكتشاف، ونشوة الانتقال من الجهل إلى الإدراك. لا يرون التعلم عبئًا، بل حياة.
أغبط أولئك الذين يحبون العلم حبًا حقيقيًا؛ الذين لا يضيعون من أوقاتهم دقيقة واحدة إلا فيما ينفعهم أو يرفعهم درجة في سلم المعرفة.
ليس المقصود أنهم لا يرتاحون أو لا يرفّهون عن أنفسهم، فالإنسان يحتاج إلى الراحة وتجديد النشاط واستعادة التوازن النفسي والجسدي. لكن الفرق الكبير هو أنهم لا يجعلون الترفيه أسلوب حياة، ولا يحولون الراحة إلى هروب دائم من التعلم والعمل.
فالراحة وسيلة للاستمرار، لا غاية للعيش.
كم من ساعات تضيع من أعمار الشباب في ترفيه مفرط، وتنقل عبثي بين الشاشات، واستهلاك لا ينتهي للمحتوى الفارغ. ساعات قد تبدو صغيرة حين تعيشها، لكنها بعد سنوات تتحول إلى فجوات عمرية لا يمكن تعويضها.
الوقت هو رأس مال الإنسان الحقيقي.
المال قد يعود، والوظيفة قد تُستبدل، والخسائر قد تُعوّض، لكن العمر إذا مضى فلن يعود.
نحن نعيش في عصر لم تعرف البشرية مثله من قبل من حيث وفرة مصادر التعلم. اليوم أصبحت العلوم كلها تقريبًا بين يدي من يريد التعلم. الكتب، الدورات، المحاضرات، المجتمعات العلمية، والأدوات الذكية — كل ذلك متاح بضغطة زر.
لم تعد المشكلة الكبرى في ندرة المعرفة.
المشكلة الحقيقية أصبحت في الرغبة الصادقة في التعلم.
فالجاهل الرافض للعلم، أو من يتعلم فقط لغرض مؤقت، أو من لا يحب التعلم إلا بقدر ما يسد حاجته المعيشية، سيعاني كثيرًا في رحلة التحصيل. لأن القلب إذا لم يحب العلم، ثقل عليه طلبه.
ولهذا تجد من لا يحب التعلم يعيش غالبًا في صراع داخلي دائم؛ قلق، متوتر، سريع الملل، يبحث باستمرار عن وسائل لتضييع الوقت، ولا يقرأ ولا يتعلم إلا إذا أُجبر.
أما من أحب العلم، فقد تحولت المعرفة لديه من واجب ثقيل إلى شغف متجدد.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
سؤال قرآني لا يحتاج إلى جواب، لأن الجواب واضح في الفطرة والعقل والواقع.
ثم قال سبحانه:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
وفي هذه الآية يظهر المقام العظيم لأهل العلم. فالعلم ليس مجرد وسيلة للرزق، بل طريق إلى تعظيم الله ومعرفته وإدراك سننه في الكون.
وحين نفهم هذا المعنى، تتغير نيتنا في التعلم.
نتعلم لنرتقي بعقولنا. نتعلم لنعمر الأرض. نتعلم لنخدم الناس. نتعلم لنفهم هذا الكون الذي أبدعه الله.
ونتمنى أن يكون علمنا خالصًا، لا طلبًا للتفاخر، ولا سعيًا للاستعلاء، ولا حبًا للظهور.
اللهم ازرع في صدورنا حب العلم، وبارك في أوقاتنا وأعمارنا، وأعنّا على تحصيل ما ينفعنا في معاشنا ومعادنا، واجعل علمنا خالصًا لوجهك الكريم، بعيدًا عن الكبر والرياء، وامنحنا شغفًا صادقًا بالتعلم ما حيينا.