المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 29 يونيو 2026 09:45 ص
من طبيعة الإنسان أنه يحب أن يُرى كبيرًا في أعين الناس، وأن يُمدح، وأن يُشار إليه بالبنان. يحب الثناء عليه صراحة، وربما يحبّه أكثر حين يأتيه بصورة غير مباشرة، حين يسمع الناس يذكرونه بالإعجاب أو يرفعون من شأنه في غيابه. وفي أعماق النفس البشرية نزعة خفية إلى العلو والتفوق، وإلى الشعور بأنها أعلى مقامًا وأرفع منزلة من غيرها.
هذه ليست حالة طارئة ولا مرضًا استثنائيًا، بل هي جزء من الفطرة البشرية؛ فالنفس بطبيعتها تميل إلى التعظيم، وتكره النقص، وتنفر من الهوان. ولهذا كان الصراع الداخلي للإنسان عبر التاريخ هو ضبط هذه الفطرة لا إنكار وجودها.
ولعل العربي من أكثر الشعوب التي تجلت فيها هذه المعاني عبر التاريخ. فقد ارتبطت الشخصية العربية — خاصة في الجاهلية — بالعزة، والإباء، والأنفة، ورفض الخضوع، والنفور من القيود، وكراهية الانقياد لغيرها. وكان الفخر بابًا عظيمًا من أبواب الشعر العربي، حتى صار سجلًا نفسيًا يكشف كيف ترى الأمة نفسها.
ولهذا ليس غريبًا أن تجد الشاب أو الفتى، بل وربما الرجل الكبير، تهتز نفسه عند سماع أبيات الفخر والكبرياء. وكثيرًا ما يرددها في داخله، في أحلام اليقظة، كأنه هو القائل الأول لها، وكأنه هو البطل الذي قيلت على لسانه.
كم من شاب امتلأ شعورًا بالعظمة وهو يردد قول الحجاج بن يوسف حين دخل العراق:
أنا ابنُ جلا وطلاعُ الثنايا متى أضعِ العمامةَ تعرفوني
في تلك الكلمات نبرة حضور كاسح، وإعلان عن ذات ترى نفسها فوق التعريف، وكأن الهيبة تسبق الاسم.
وكم تهتز النفوس عند قصة عمرو بن كلثوم وموقفه الشهير حين انتصر لكرامة أمه، ثم قوله الذي صار مثالًا للفخر العربي المفرط:
إذا بلغ الرضيعُ لنا فطامًا تخرُّ له الجبابرُ ساجدينا
هذه الأبيات تبلغ من المبالغة مبلغًا يكاد يعجز العقل عن قبوله. بل إن الطفل الصغير قد يستحي أن يقول مثلها وهو يعلم في داخله أنها تجاوزت حدود المعقول.
لكن هذا الفخر المبالغ فيه يذكرنا بشيء مألوف جدًا في الطفولة. حين كنا صغارًا كان أحدنا يقول لصاحبه: أنا أكبر من الجبل، ويرد الآخر: وأنا أكبر من البحر. لم يكن الطفل يكذب بدافع الشر، بل كان يستخدم فطرته الخام، الممتلئة بحب العلو، ليرى نفسه أعظم من قرنائه ببراءة.
المثير للتأمل أن هذه الفطرة الطفولية لا تموت تمامًا عند الكبر؛ بل كثيرًا ما تكبر معنا، لكنها تلبس ثيابًا أكثر أناقة. فقد لا يقول الرجل صراحة إنه أعظم من غيره، لكنه يبحث عن كل ما يثبت تميزه: علمه، نسبه، ماله، منصبه، شهرته، أو حتى عدد من يمدحه ويصفق له.
وهنا تظهر مشكلة النفس حين تُترك بلا ميزان يضبطها.
فإذا تُرك الإنسان لعزته المجردة، تحولت العزة إلى كبر، وتحول الإباء إلى استعلاء، وتحول حب الكرامة إلى احتقار للآخرين. وهنا يصبح الفخر وقودًا للطغيان.
ولهذا جاء الدين ليضع الحد الفاصل بين العزة المشروعة والكبرياء المذمومة.
لم يأت الإسلام ليقتل الكرامة، ولا ليجعل الإنسان ذليلًا مهانًا. بل على العكس، رفع قيمة العزة، لكنه نقل مصدرها من النفس إلى الحق. فليست العزة أن ترى نفسك فوق الناس، بل أن تكون عبدًا لله لا عبدًا لهواك ولا لعباد مثلك.
قال الله تعالى: "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين".
فالعزة الحقيقية ليست في تعظيم الذات، بل في الانتساب إلى الحق.
وجاء الإسلام ليهدم المعيار الجاهلي الذي يرفع الناس بالأنساب والأحساب والقوة، ويقيم بدلًا منه معيارًا واحدًا:
"إن أكرمكم عند الله أتقاكم".
هنا انقلب الميزان كله.
لم يعد الشريف شريفًا لأنه من قبيلة عظيمة، ولا القوي قويًا لأنه يهابه الناس، ولا الغني مكرمًا لأنه يملك المال. بل صار التفاضل الحقيقي فيما لا يراه الناس غالبًا: التقوى.
والتقوى لها أثر عجيب في تهذيب النفس؛ لأنها تجعل الإنسان يرى حقيقة نفسه. فهو مهما علا، أصله من تراب، ومصيره إلى تراب، وبين البداية والنهاية يعيش محتاجًا ضعيفًا، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا بإذن الله.
ولهذا كان الكبر من أخطر أمراض القلوب، لأن المتكبر ينازع مقامًا ليس له. الكبرياء لله وحده.
إن النفس تحب أن تُمدح، وتحب أن تُعظَّم، وتحب أن تتفوق. وهذه طبيعتها. لكن النضج الحقيقي ليس في قتل هذه المشاعر، بل في تهذيبها وتوجيهها.
فليكن التنافس في العلم لا في التفاخر، وفي العمل الصالح لا في طلب التصفيق، وفي إصلاح النفس لا في احتقار الآخرين.
يبقى العربي عزيز النفس، قوي الإرادة، أبيًّا في وجه الذل، وهذه صفات محمودة ما دامت منضبطة بالحق. لكن حين تنفصل العزة عن التقوى، تصبح وقودًا للغرور والطغيان.
إن الفرق بين الجاهلية والإيمان ليس أن الأولى تعرف العزة والثانية ترفضها؛ بل الفرق أن الجاهلية تجعل العزة للنفس، أما الإيمان فيجعل العزة لله، ويجعل شرف الإنسان في عبوديته لا في استعلائه.
ومن فهم هذا أدرك أن أسمى مراتب القوة ليست أن ترى الناس دونك، بل أن تنتصر على نفسك حين تدعوك إلى الكبر.