Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 17 يونيو 2026 12:44 م

الحرية الشخصية أم التحرر من المسؤولية؟

الحرية الشخصية أم التحرر من المسؤولية؟

هناك فرق كبير بين الحرية الحقيقية والتحرر من الواجبات.

فالإنسان بطبيعته يحب أن يكون مستقلاً في قراراته، وهذا أمر مشروع، لكن بعض الشباب يخلط بين الاستقلال وبين التخلص من كل قيد أو توجيه أو نصيحة، حتى لو كان هذا التوجيه متعلقاً بأعظم حقوق الله تعالى.

وعندما يوقظ الأب ابنه للصلاة، أو تذكره الأم بواجباته، أو ينصحه المربي بالخير، فقد يشعر الابن أن حريته تُنتزع منه، بينما الحقيقة أن من ينصحه إنما يحاول أن يحفظه من الوقوع في التقصير والضياع.

قال الله تعالى:

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾

فالأب الذي يوقظ أبناءه للصلاة لا يتدخل في خصوصياتهم عبثاً، وإنما يؤدي واجباً شرعياً أمره الله به.

كيف يلعب الشيطان على وتر الحرية؟

من أخطر مداخل الشيطان أنه لا يأتي الإنسان قائلاً له: اترك الدين.

بل يأتيه بألفاظ جميلة وشعارات براقة مثل:

  • عش حياتك.

  • لا تدع أحداً يفرض عليك شيئاً.

  • أنت حر.

  • لا تسمح لأحد أن يتحكم بك.

ثم يبدأ تدريجياً بتحويل هذه الشعارات من وسائل للاستقلال إلى وسائل للتمرد على كل سلطة شرعية أو أخلاقية.

فيصبح الأب الناصح متسلطاً في نظر الابن.

وتصبح النصيحة تدخلاً.

ويصبح التذكير بالصلاة إزعاجاً.

ويصبح الأمر بالمعروف اعتداءً على الحرية الشخصية.

وهنا يكون الشيطان قد نجح في قلب الموازين.

لماذا يحقد بعض الأبناء على من يوقظهم للصلاة؟

من الناحية النفسية، كثير من الناس لا يكرهون الناصح لذاته، وإنما يكرهون الشعور الداخلي بالتقصير.

فعندما ينام الإنسان عن الصلاة أو يقصر في حق الله، ثم يأتي من يذكره، يشعر في داخله بوخز الضمير.

وبدلاً من معالجة التقصير، قد يحاول التخلص من مصدر التذكير نفسه.

ولهذا نجد أن بعض الأبناء لا يغضبون من السهر الطويل الذي تسبب في ضياع الصلاة، بل يغضبون ممن أيقظهم.

وكأن المشكلة في المنبه لا في النوم.

وكأن الخطأ في الناصح لا في التقصير.

وهذا نوع من خداع النفس الذي وصفه علماء النفس بآليات الدفاع النفسي، حيث ينقل الإنسان غضبه من نفسه إلى شخص آخر.

الغرور عندما يأتي بعد النجاح

من الآفات الخطيرة أن يظن الإنسان أن ما وصل إليه من نجاح كان بجهده وحده.

فينسى:

  • فضل الله عليه.

  • تعب والديه.

  • دعاء أمه.

  • سهر أبيه.

  • نصائح المربين.

وعندها يبدأ بالتعالي على من كان لهم فضل عليه.

وقد قال الله تعالى:

﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾

فالطغيان كثيراً ما يبدأ عندما يتوهم الإنسان أنه استغنى عن غيره.

لكن الحياة تعلمه أحياناً دروساً قاسية.

فيكتشف بعد سنوات أن الذين كان يراهم عائقاً كانوا في الحقيقة سنداً له.

وأن الذين ضاق بنصحهم كانوا أصدق الناس حباً له.

من الدروس التي تتكرر في الحياة

كثير من الشباب يتصور أن السعادة الكاملة ستكون عندما:

  • يبتعد عن أسرته.

  • لا يسأله أحد عن الصلاة.

  • لا يوجهه أحد.

  • لا ينصحه أحد.

ثم يكتشف بعد مدة أن المشكلة لم تكن في أهله.

بل كانت في نفسه.

فإذا انتقل إلى مكان آخر حمل معه:

  • عاداته السيئة.

  • ضعف انضباطه.

  • تسويفه.

  • تقصيره.

ولذلك لا تنجح الهجرة من الذات.

فالإنسان يأخذ نفسه معه أينما ذهب.

الحرية الحقيقية

الحرية الحقيقية ليست أن يفعل الإنسان ما يشاء.

بل أن يملك نفسه عندما تدعوه إلى الخطأ.

فالذي لا يستطيع أن يستيقظ للصلاة ليس حراً بالكامل، بل هو أسير لعاداته وشهواته وراحته.

أما الحرية التي يمدحها الشرع فهي حرية الإنسان من عبودية الهوى.

قال بعض السلف:

"المأسور من أسره هواه."

فالإنسان قد يعيش وحده ولا يأمره أحد بشيء، ومع ذلك يكون عبداً لشهواته ورغباته.

رسالة للآباء

على الآباء أن يستمروا في النصح والتوجيه ما استطاعوا، لكن مع الحكمة والرفق والدعاء.

فالهداية ليست بيد الآباء.

وقد كان الأنبياء أنفسهم لا يملكون هداية من يحبون.

ولذلك فإن الأب يؤدي ما عليه من:

  • تعليم.

  • نصح.

  • تذكير.

  • دعاء.

ثم يفوض الأمر إلى الله.

رسالة للأبناء

قبل أن تغضب من والد يوقظك للصلاة، اسأل نفسك:

لو كان لا يحبني، هل كان سيهتم أصلاً؟

ولو كان يريد راحته فقط، ألم يكن أسهل له أن يتركني نائماً؟

إن كثيراً من الآباء الذين يوقظون أبناءهم للصلاة يفعلون ذلك بدافع الرحمة والخوف عليهم، لا بدافع السيطرة عليهم.

وقد يأتي يوم يتمنى فيه الإنسان أن يسمع صوت أبيه أو أمه مرة أخرى يذكرانه بالله فلا يجد ذلك.

الخلاصة

من أكبر أخطاء بعض الشباب أن يظن أن الحرية تعني التخلص من كل من يذكره بالله أو ينصحه أو يوجهه. والواقع أن الشيطان قد يزين له ذلك حتى يقطع أسباب الهداية من حوله. أما الحرية الحقيقية فهي أن يكون الإنسان قادراً على أداء واجباته الدينية والأخلاقية بإرادته، وأن يعترف بفضل والديه ومربيه، وأن يتواضع عند النجاح، لأن من نسي فضل الله وفضل الناس عليه قد يتعلم هذا الدرس لاحقاً بطريقة مؤلمة بعد أن يفقد ما كان بين يديه من نعم وسند ومحبة.

Responsive Counter
General Counter
105549
Daily Counter
296