Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 16 يونيو 2026 01:47 م

الاعتراف بأهل الفضل وتقديرهم بما يستحقون

الاعتراف بأهل الفضل وتقديرهم بما يستحقون

نعيش في زمن كثرت فيه المطالب وقل فيه الشكر، وكثر فيه الحديث عن الحقوق وقل الحديث عن الواجبات، حتى أصبح الاعتراف بالفضل لدى بعض الناس أمراً نادراً، مع أنه من أعظم الأخلاق التي تقوم عليها المجتمعات السليمة والعلاقات الإنسانية الناجحة.

ولعل من يتأمل أحوال الناس يجد أن كثيراً من الفساد في العلاقات الأسرية والاجتماعية سببه نسيان الفضل أو تجاهله أو التقليل من شأنه.

فلو أن طالباً اجتهد عاماً كاملاً، وسهر الليالي، وبذل وقته وجهده، ثم دخل الاختبار فوجد نفسه قد حصل على درجة متدنية أو رسب رغم كل ما قدمه، فكيف سيكون شعوره؟

لا شك أنه سيصاب بالإحباط، وقد يفقد ثقته بنفسه، وربما يترك الدراسة كلها لأنه لم يجد تقديراً لجهده وعمله.

فإذا كان الإنسان يتأثر إلى هذا الحد عندما لا يُعترف بجهده المحدود، فكيف بفضل الله سبحانه وتعالى على عباده؟

أول الفضل: فضل الله سبحانه وتعالى

إن أول من يجب أن نعترف بفضله ونشكره هو الله عز وجل.

فهو الذي خلقنا من العدم، ورزقنا، وحفظنا، وهيأ لنا أسباب الحياة، وسخر لنا ما في السماوات والأرض، وأغدق علينا من نعمه الظاهرة والباطنة ما لا نستطيع إحصاءه.

ومع ذلك فإن بعض الناس إذا أصابته مصيبة صغيرة أو ضاقت عليه الدنيا في جانب من جوانبها، نسي آلاف النعم التي يعيش فيها كل يوم.

وقد بيّن الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أن ما يصيب الإنسان من خير فمن الله، وأن كثيراً مما يصيبه من الشرور والمصائب إنما يكون بسبب تقصيره وأخطائه وذنوبه.

ولهذا كان الشكر لله من أعظم العبادات، وكان الاعتراف بفضله أساس كل خير في الدنيا والآخرة.

فضل النبي صلى الله عليه وسلم

ثم يأتي بعد ذلك فضل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله رحمة للعالمين.

فقد تحمل الأذى والمشقة والحروب والابتلاءات ليبلغ رسالة ربه كاملة غير منقوصة.

وبسببه بعد فضل الله عرفنا الحق من الباطل، والهدى من الضلال، والطريق الذي يوصل إلى رضوان الله وجنته.

ولهذا أمرنا الله تعالى بطاعته واتباعه ومحبته، وجعل محبته من أعظم علامات الإيمان.

فضل الوالدين

ثم يأتي بعد ذلك فضل الوالدين.

فهما السبب الذي جعله الله لوجودنا في هذه الحياة.

حملتنا أمهاتنا وهناً على وهن، وسهر آباؤنا وأمهاتنا على تربيتنا ورعايتنا وتوفير احتياجاتنا سنوات طويلة.

وليس هناك أب أو أم كاملان، فالوالدان بشر يخطئون ويصيبون، ويختلفون في طبائعهم وشخصياتهم وظروفهم وتربيتهم.

لكن المشكلة أن بعض الأبناء لا يتذكرون إلا الأخطاء، وينسون سنوات التعب والبذل والعطاء.

فتجده يحتفظ في قلبه بكل موقف لم يعجبه، ويضخم كل خطأ، وينسى آلاف المواقف التي ضحى فيها والداه من أجله.

ثم إذا كبر وقويت شوكته بدأ يرد الإساءة بالإساءة، ويقابل النقص بالجفاء، ويظن أن ذلك انتصار لنفسه، بينما هو في الحقيقة يخسر أعظم الناس حقاً عليه بعد الله ورسوله.

بر الوالدين وأثره في التوفيق

ومن أعظم ما تدل عليه التجارب والنصوص الشرعية أن بر الوالدين من أكبر أسباب التوفيق في الحياة.

فكم من إنسان فُتحت له أبواب الخير والرزق والتيسير بسبب دعوة صادقة من والديه.

وكم من إنسان حُرم من بركات كثيرة بسبب عقوقه أو إساءته أو تقصيره في حقهما.

وليس بر الوالدين مجرد طاعة عابرة، بل هو عبادة عظيمة تشمل الاحترام، والرحمة، والإحسان، والصبر، وخفض الجناح، والكلمة الطيبة، وخدمة الوالدين عند حاجتهما.

ومن أعظم علامات العقل والنضج أن يدرك الإنسان أن والديه ليسا ملائكة معصومين من الخطأ، وإنما بشر لهم حسناتهم وأخطاؤهم، وأن الواجب عليه أن يتذكر إحسانهما قبل أن يتذكر أخطاءهما.

الاعتراف بالفضل خلق الأنبياء والصالحين

إن الاعتراف بالفضل ليس مجرد خلق اجتماعي جميل، بل هو عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله.

فالشخص الذي يشكر الله ويعترف بفضله، ويشكر والديه، ويشكر من أحسن إليه من الناس، يعيش بقلب سليم مليء بالرضا والطمأنينة.

أما الجحود ونكران الجميل فيورث صاحبه قسوة القلب، وسوء الظن، والحرمان من كثير من الخيرات.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"من لا يشكر الناس لا يشكر الله."

فشكر أهل الفضل والاعتراف بإحسانهم ليس منةً عليهم، بل هو دليل على كمال الأخلاق وسلامة الفطرة.

الخاتمة

إن أول طريق الإصلاح يبدأ من الاعتراف بالفضل.

فضل الله علينا، وفضل رسوله صلى الله عليه وسلم علينا، وفضل الوالدين علينا، وفضل كل من أحسن إلينا وعلمنا وربانا وأخذ بأيدينا إلى الخير.

فإذا امتلأت القلوب بالشكر والاعتراف بالجميل، صلحت العلاقات، وزالت كثير من الأحقاد، وانتشرت الرحمة بين الناس.

نسأل الله أن يجعلنا من الشاكرين لنعمائه، المعترفين بفضله، البارين بوالدينا، المحسنين إلى من أحسن إلينا، وأن يطهر قلوبنا من الجحود والحقد وسوء الظن، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

Responsive Counter
General Counter
105553
Daily Counter
300