Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 13 يونيو 2026 12:45 م

الأبوة... المهمة التي لا يسبقها تدريب

الأبوة... المهمة التي لا يسبقها تدريب

من السهل أن تتعلم قيادة سيارة.

ومن الممكن أن تتعلم مهنة أو حرفة أو تخصصاً جامعياً.

لكن من أصعب المهام التي قد توكل إلى إنسان في حياته أن يصبح أباً.

والأصعب من ذلك أن يكون أباً صالحاً.

فالأب حين يرزق بطفله الأول لا يحصل معه على دليل استخدام، ولا يرافقه خبير نفسي، ولا يجلس إلى جانبه مستشار تربوي يرشده في كل موقف.

بل يجد نفسه فجأة مسؤولاً عن إنسان صغير سيؤثر فيه كل ما يقوله ويفعله، وربما حتى ما يشعر به دون أن ينطق به.

لكل طفل عالمه الخاص

من أعظم الأخطاء التي يقع فيها بعض الآباء الاعتقاد أن أبناءهم نسخة متشابهة يمكن تربيتها بالطريقة نفسها.

لكن الواقع يقول غير ذلك.

فالطفلان اللذان يعيشان في البيت نفسه، ويأكلان الطعام نفسه، ويتلقيان التربية نفسها، قد يختلفان اختلافاً كبيراً في الطباع والمشاعر والاستجابة للأحداث.

فهذا حساس يتأثر بكلمة.

وذاك قوي الشخصية لا يتأثر بسهولة.

وهذا انطوائي يحتاج إلى الاحتواء.

وذاك اجتماعي يحتاج إلى التوجيه.

وهذا عاطفي.

وذاك عقلاني.

ولهذا فإن التربية الحقيقية ليست مجرد إصدار أوامر وتعليمات، بل هي محاولة دائمة لفهم طبيعة كل طفل والتعامل معه بما يناسب شخصيته.

ولهذا يؤكد علماء النفس والتربية أن من أهم واجبات الوالدين دراسة أبنائهم قبل محاولة تغييرهم.

مهمة تكاد تكون مستحيلة

لكن عندما نقرأ الكتب التربوية الحديثة قد نشعر أحياناً أن المطلوب من الأب أن يكون في الوقت نفسه:

عالماً في التربية.

ومتخصصاً في علم النفس.

وخطيباً بارعاً.

ومدرباً سلوكياً.

وصاحب صبر لا ينفد.

وحكيماً لا يخطئ.

وهذا بعيد عن الواقع.

فالأب في النهاية إنسان.

له شخصيته الخاصة.

وله نقاط ضعفه.

وله ضغوطه المادية والنفسية.

وله هموم الحياة التي تستنزف طاقته كل يوم.

وقد يكون سريع الغضب بطبيعته.

أو قليل التعبير عن مشاعره.

أو شديد الحزم.

أو شديد الحساسية.

وكل هذه الصفات لا تختفي بمجرد أن يصبح أباً.

ولهذا فإن التربية ليست معركة بين أب كامل وأبناء ناقصين.

بل رحلة يخوضها بشر غير كاملين يحاولون الوصول إلى أفضل ما يستطيعون.

نحن نربي أبناءنا... كما رُبِّينا غالباً

هناك حقيقة قد تكون مؤلمة أحياناً.

كثير من الآباء يعتقدون أنهم يختارون أساليبهم التربوية بحرية كاملة.

لكن الواقع النفسي يقول إن جزءاً كبيراً من سلوكنا تجاه أبنائنا يتشكل دون وعي من خلال ما عشناه في طفولتنا.

طريقة الحديث.

طريقة العقاب.

طريقة التعبير عن الحب.

طريقة إدارة الخلافات.

كلها تنتقل عبر الأجيال بصورة أو بأخرى.

فالإنسان غالباً يعيد إنتاج ما تعلمه من بيئته الأولى، إلا إذا توقف وتأمل وحاول تغيير ما يراه غير مناسب.

ولهذا فإن تربية الأبناء تبدأ أحياناً من تربية النفس.

عندما رأيت آثار تربيتي بعد عشرات السنين

ولعل من أصعب اللحظات التي قد يعيشها الأب أن يرى بعض نتائج تربيته بعد مرور عشرين أو ثلاثين عاماً.

وأقول ذلك من تجربة شخصية.

فأنا بطبيعتي شخص مزاجي وحاد الانفعال إلى حد كبير.

وخلال سنوات تربية أبنائي انعكست هذه الحدة أحياناً على أسلوبي معهم.

لم يكن ذلك لقلة حب أو اهتمام.

بل على العكس تماماً.

كنت أريد لهم النجاح والتفوق والانضباط، لكن الإنسان لا يدرك دائماً كيف تترك كلماته ونبرات صوته وآثار غضبه بصماتها العميقة في نفوس أبنائه.

واليوم، وبعد أن كبر أبنائي وكبرت معهم، أستطيع أن أرى بعض النتائج بوضوح أكبر.

والحمد لله، جميعهم ناجحون ومتميزون في حياتهم.

فأحد أبنائي تفوق في المجال الذي أحببته طوال حياتي، وهو البرمجة، حتى حصل على درجات علمية متقدمة ووصل إلى مناصب هندسية رفيعة في شركات تقنية كبرى.

وأفتخر به كثيراً.

لكنني ألاحظ في الوقت نفسه أنه لا يكاد يستجيب لأي توجيه أو نصيحة مهنية مني، رغم خبرتي الطويلة.

وربما يرى أنه أصبح صاحب طريقه وخبرته الخاصة، وهذا أمر مفهوم وطبيعي.

وأحياناً أرسل له مقالاً كتبته أو كتاباً أنجزته، فيعيد نشره مجاملةً واحتراماً، لكنني أشعر أن ذلك يتم بدافع الأدب أكثر من الاقتناع.

ومع ذلك فأنا أقدّر منه هذا الاحترام.

أما ابني الآخر فقد لمع اسمه في بعض المجالات التقنية وحقق نجاحات جميلة أفخر بها أيضاً.

وفي إحدى المرات كتبت تعليقاً مشجعاً له على أحد منشوراته، وكان واضحاً من اسمي أنني والده.

لكنه حذف التعليق بعد ذلك.

ولا أعرف حتى اليوم إن كان فعل ذلك خجلاً أو رغبة في الاستقلالية أو لأي سبب آخر.

واعترف أنني غضبت يومها وحظرته ولم أعد أتابع حسابه بعد ذلك.

أما الثالث فما زال حديث التخرج وما زلت أراقب رحلته وهو يبدأ بناء مستقبله.

لكن ما ألاحظه اليوم أن أبناءي الثلاثة لا يبدون حماساً كبيراً للعمل معي أو الدخول في مشاريع مشتركة، رغم قرب بعض تخصصاتهم من مجالات عملي.

وأحياناً أسأل نفسي بصراحة:

هل كان لحدة طبعي ومزاجيتي في سنواتهم الأولى أثر في ذلك؟

لا أملك جواباً يقينياً.

لكنني تعلمت أن آثار التربية لا تظهر كلها في مرحلة الطفولة.

فبعضها لا يظهر إلا عندما يكبر الأبناء ويصبحون قادرين على رسم حدودهم الخاصة واتخاذ قراراتهم بأنفسهم.

ولهذا أصبحت أكثر اقتناعاً بأن الكلمة الحادة قد ينساها الأب بعد دقائق، لكنها قد تبقى سنوات طويلة في ذاكرة الابن.

وأن الحب وحده لا يكفي دائماً.

بل يحتاج إلى حكمة في التعبير عنه وإلى هدوء في إيصاله.

وربما كان هذا من الدروس التي تعلمتها متأخراً، لكنه يبقى درساً ثميناً لكل أب ما زال في بداية رحلته مع أبنائه.

كلمة لا أنساها من والدي

رحم الله والدي.

كنا ثمانية أبناء وبنات.

وكان يحمل فوق كتفيه أعباء الحياة ومسؤوليات أسرة كبيرة في ظروف لم تكن سهلة.

ورغم حرصه الدائم على أن يفعل ما يراه صحيحاً، ورغم محاولاته المستمرة لفهمنا والتعامل معنا، كانت الفروق بيننا كبيرة جداً.

فلكل واحد منا شخصيته المختلفة وطباعه الخاصة.

وأتذكر أنه كان يقول لنا أحياناً، من شدة حرصه وتعبه في الوقت نفسه:

"والله يا أولادي، كل واحد فيكم يحتاج طبيباً نفسياً خاصاً حتى يعرف كيف يتعامل معه."

لم يكن يقولها سخرية.

ولم يكن يقولها غضباً.

بل كان يقولها بحسرة الأب الذي يريد أن يعطي كل واحد من أبنائه ما يحتاجه، لكنه يشعر أحياناً أن المهمة أكبر من قدراته.

ومع مرور السنين أصبحت أفهم عمق تلك العبارة أكثر فأكثر.

فالأب لا يتعامل مع طفل واحد فقط.

بل مع عوالم متعددة وشخصيات مختلفة ومشاعر متباينة داخل بيت واحد.

الخلاصة

الأبوة ليست علماً كاملاً ولا معادلة دقيقة.

إنها رحلة طويلة بين الحب والخوف والأمل والخطأ والتعلم.

وسيظل كل أب يحمل معه شيئاً من تربيته وبيئته وتجربته الشخصية.

وسيخطئ أحياناً ويصيب أحياناً أخرى.

لكن ما دام يحمل في قلبه نية صادقة، ويسعى إلى العدل، ويحاول أن يتعلم ويتطور، فإن جهوده لن تضيع.

فالأبناء لا يحتاجون إلى آباء معصومين من الخطأ.

بل يحتاجون إلى آباء صادقين في الحب، مخلصين في التربية، ومستعدين للتعلم حتى آخر يوم من حياتهم.

وهكذا تستمر دورة الحياة...

جيل يتعلم من الجيل الذي سبقه.

ويخطئ أقل قليلاً.

ويحب أكثر قليلاً.

ويترك لأبنائه ما هو أجمل مما ورثه هو من آبائه.

Responsive Counter
General Counter
103885
Daily Counter
475