المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 12 يونيو 2026 10:02 م
لا أذكر أنني كتبت أو شاركت في نقاشات عامة خلال سنوات شبابي الأولى.
لكنني أتذكر جيداً شيئاً آخر كان أكثر أهمية:
كنت أقرأ.
أقرأ الأدب والشعر والتاريخ والجغرافيا والخرائط والعلوم والثقافة العامة، وكل ما تقع عليه يدي من كتب ومجلات، في زمن كانت فيه مصادر المعرفة محدودة مقارنة بما نملكه اليوم.
وحتى الآن يستغرب أبنائي عندما أذكر لهم أحداثاً تاريخية أو تواريخ أو معلومات جغرافية، فأقول لهم إنني قرأتها أو درستها قبل أكثر من أربعين عاماً، قبل أن أدخل الجامعة أصلاً.
كانت القراءة جزءاً من الحياة اليومية.
لم تكن هواية موسمية.
ولم تكن نشاطاً نخبوياً.
بل كانت نافذة يطل منها الإنسان على العالم.
ثم دخلت الجامعة.
وبعد أشهر قليلة دخلت عالم الحاسوب والبرمجة.
ومنذ ذلك الوقت أصبحت معظم قراءاتي تدور حول هذا العالم الساحر.
عاصرت أجيالاً متعددة من التقنية:
من جيل الثمانينيات...
إلى التسعينيات...
ثم الألفية الجديدة...
ثم عصر الهواتف الذكية...
وصولاً إلى ثورة الذكاء الاصطناعي التي نعيشها اليوم.
وخلال هذه الرحلة الطويلة تخبطت كثيراً كما يفعل معظم العاملين في التقنية.
انتقلت بين لغات برمجة مختلفة وتقنيات متعددة.
أحياناً بدافع السوق.
وأحياناً بسبب متطلبات العمل.
وأحياناً بسبب موجات الترند التي تجر الشركات والأفراد في اتجاهات متغيرة باستمرار.
لكن شيئاً واحداً بقي ثابتاً في حياتي:
حبي للمعرفة.
حبي للبرمجة العميقة.
حبي للقراءة.
لعل أكثر ما أفادني خلال هذه العقود هو إصراري على العودة دائماً إلى الأساسيات.
إلى لغة C و++C.
إلى البرمجة منخفضة المستوى.
وإلى لغة Assembly التي أعشقها رغم أن سوقها شبه معدوم في منطقتنا، ورغم أن العائد المالي منها يكاد يكون معدوماً.
فالمعرفة العميقة لا تفقد قيمتها مهما تغيرت الاتجاهات.
والأساس القوي يبقى أساساً مهما ارتفعت الأبنية فوقه.
اليوم، وبعد أن خرجت من سوق العمل التقليدي مضطراً بسبب ضيق الفرص التي تناسب اهتماماتي، وجدت نفسي متفرغاً لما أحب حقاً.
بدأت مشروع أحلامي.
مشروعاً قد يراه البعض مستحيلاً.
وقد لا يكتمل أبداً.
وقد لا يحقق سوى جزء بسيط مما أطمح إليه.
لكنني مؤمن بأن الإنسان لا يُقاس فقط بما ينجزه.
بل أيضاً بما يحاول إنجازه.
فإن حققت واحداً بالمئة مما أحلم به فسأعتبر نفسي ناجحاً.
تعلمت من التاريخ أن كثيراً من الإنجازات العظيمة بدأت بأشخاص لم يؤمن بهم أحد.
وأكثر ما يلهمني في هذا الطريق شخصيات صنعت فرقاً حقيقياً في عالم التقنية دون أن يكون المال هو دافعها الأول.
من أمثال Richard Stallman الذي أطلق مشروع GNU وغير مفهوم البرمجيات الحرة إلى الأبد.
ومن أمثال Chris Lattner الذي قدم للعالم LLVM وClang وSwift وأسهم في تطوير أدوات برمجية أثرت على ملايين المطورين.
ومن أمثال Linus Torvalds الذي بدأ مشروعاً شخصياً صغيراً فتحول إلى أحد أهم أنظمة التشغيل في تاريخ البشرية.
ومن أمثال Bjarne Stroustrup الذي تجاوز الخامسة والسبعين من عمره وما زال يتابع تطوير اللغة التي قدمها للعالم قبل أكثر من أربعة عقود.
هؤلاء لم يبنوا شهرتهم بالكلام.
بل بنوا تأثيرهم بالعمل.
لم يركضوا خلف الأضواء.
فركضت الأضواء خلفهم.
ولم يقضوا حياتهم يسألون الناس إن كانوا سيحصلون على الإعجابات أو التصفيق.
بل سألوا أنفسهم سؤالاً واحداً:
هل ما نفعله مفيد للبشرية؟
للأسف، بينما كان العالم المتقدم يبني حضاراته على المعرفة، كنا نحن في العالم العربي نهجر القراءة عاماً بعد عام.
تحولت القراءة عند كثيرين إلى نشاط هامشي.
وأصبحت الكتب زينة للرفوف أكثر منها مصدراً للأفكار.
وصارت ساعات طويلة تُهدر يومياً في متابعة المحتوى السطحي والترفيه العابر.
بينما يُنظر إلى القراءة وكأنها ترف لا فائدة منه.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
الأمم لا تتراجع عندما تفتقر إلى المال.
ولا عندما تفتقر إلى الموارد.
بل عندما تتوقف عن القراءة والتعلم.
عندما يصبح الجهل مقبولاً.
وعندما تتحول الثقافة إلى عبء.
وعندما يصبح صاحب المعرفة غريباً بين أبناء مجتمعه.
إن أكثر ما يحزنني ليس أن الناس لا يقرؤون ما أكتب.
بل أن كثيرين لم يعودوا يقرؤون أصلاً.
وكأن الكتاب أصبح شيئاً من الماضي.
وكأن آلاف السنين من التراث الإنساني والمعرفة المتراكمة لم تعد تستحق بضع ساعات من الاهتمام.
وهذا أمر يجب أن نعترف به بشجاعة.
إن عزوف القراءة في عالمنا العربي ليس مشكلة فردية.
بل أزمة حضارية حقيقية.
أمة تهجر القراءة لا يمكن أن تقود العلم.
ولا يمكن أن تقود الاقتصاد.
ولا يمكن أن تقود التقنية.
ولا يمكن أن تقود المستقبل.
فالابتكار يبدأ بفكرة.
والفكرة تبدأ بمعرفة.
والمعرفة تبدأ بكتاب.
أما أنا...
فسأواصل الكتابة.
سأكتب ما أراه نافعاً.
وسأجمع وأعد الكتيبات والكتب والدروس التي أعتقد أنها قد تفيدني وتفيد غيري.
ولن أسأل نفسي كل يوم:
كم شخصاً سيقرأ؟
ولن أتوقف لأن أحدهم قال إن الناس لا تهتم.
ولن أتراجع لأن آخر يعتقد أن الوقت قد فات.
سأكتب لأن الكتابة هي ما يبقى.
سأكتب لأن الأفكار التي لا تُكتب تموت مع أصحابها.
سأكتب لأن المعرفة التي لا تُوثق تضيع مع الزمن.
سأكتب لأنني أؤمن أن كتاباً واحداً قد يغير حياة إنسان.
وأن فكرة واحدة قد تغير حياة أمة.
وسأكتب حتى لو لم يقرأ لي أحد اليوم.
وسأكتب حتى لو لم يقرأ لي أحد غداً.
وسأكتب حتى لو كان القارئ الحقيقي سيأتي بعد مئة عام أو مئتي عام أو خمسمئة عام.
فالأفكار لا تُقاس بسرعة انتشارها.
بل بقدرتها على البقاء.
لقد رحل آلاف العلماء والكتاب والمفكرين.
لكن كتبهم ما زالت حية بينهم وبيننا بعد مئات السنين.
وما زلنا نتعلم منهم حتى اليوم.
وهذا هو سر الكتابة الحقيقي.
فالكتابة كانت وما زالت وستبقى أعظم وسيلة عرفتها البشرية لنقل الأفكار والمعارف والعلوم والخبرات بين الأجيال.
قد تتغير الشاشات.
وقد تتغير الأجهزة.
وقد تتغير وسائل الاتصال.
لكن الكلمة المكتوبة ستبقى دائماً الجسر الذي تعبر عليه الحضارات من زمن إلى زمن.
ولهذا سأستمر.
لا لأنني أبحث عن الشهرة.
ولا لأنني أبحث عن المال.
بل لأنني أبحث عن الأثر.
والأثر الصادق هو الشيء الوحيد الذي يبقى عندما يرحل كل شيء آخر.