Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 20 مايو 2026 02:09 م

لا... يا ابنتي العزيزة

لا... يا ابنتي العزيزة

لا يزال هذا النداء يرن في أذني منذ عشرات السنين، نداء حزين مكلوم خرج من قلب أب أنهكته الغربة، وفتت قسوة السجن كبده، ليخرج إلى عالم تغير، ليجد أسرته التي تركها صغيرة قد تبعثرت، وزوجته قد تزوجت، وبناته الثلاث قد مشين في دروب الحياة دون سنده ورقابته.

كان ذلك في مسلسل مصري قديم من أوائل الثمانينات، بطولة الراحلين عبد المنعم مدبولي وهدى سلطان. قصة أب ربى بناته صغاراً، ثم سُجن طويلاً ظلماً، وحين خرج كانت الصدمة: زوجته طُلقت منه غيابياً وتزوجت، وبناته كبرن في غيابه. المشهد الذي لا أنساه، وقد كنا نراه في السعودية محذوف المشاهد الخادشة، هو وقوفه مصدوماً حين رأى إحدى بناته بملابس البحر، فصاح من أعماق قلبه الموجوع: "لا... يا ابنتي العزيزة".

لم يكن صراخه رفضاً لابنتِه، بل كان رفضاً وألماً على ما آلت إليه، خوفاً من ضياع عفتها وانحراف مسارها عن الفطرة التي ربّاها عليها. أما أنا، فقد استعرت هذه الصرخة الأبوية الحانية لأوجهها اليوم إلى كل بناتنا في عصر كثرت فيه الفتن، واشتد فيه هجوم إعلامي كبير يغيّر ويشوّه النفوس، خاصة نفوس بناتنا، لما حباهنّ الله من حب فطري للجمال والظهور والتميز أكثر من الشباب.

لقد أودع الله في المرأة سرّ الجمال، وجعل فيها فتنة للرجل، وذلك لحكمة بالغة: عمارة الكون، واستمرار الحياة، والسكن والمودة والراحة التي تسكن إليها نفس الرجل، ولكن وفق ضوابط إنسانية واجتماعية ودينية سوية، تراعي الأخلاق، وتحفظ السلالات، وتصون العرض، وتمنع اختلاط الأنساب. إنها ضوابط لا تهدف إلى كبت المرأة أو انتقاصها، بل إلى حمايتها من الذئاب البشرية التي تستمتع بجمالها ثم ترميها ولا تقيم لها وزناً.

ولقد نبّهت كل الشرائع السماوية، بل وحتى الأديان والملل الوضعية، من خطر التعري وابتذال المرأة، وحذرت من عواقب تفشي الفواحش في المجتمعات. ودلت كل القصص التاريخية والأمم البائدة على أنه ما تفشت الفاحشة في أمة إلا كانت أحد الأسباب الرئيسية لهلاكها وتدهورها.

إن المتأمل في قدوات بناتنا في المائة عام الأخيرة يجد للأسف أن الإعلام سلّط الضوء على نساء يُبرزن مفاتنهن ويجعلن من أجسادهن سلعة للاستمتاع بالنظر، وربما لأكثر من ذلك في بعض المجتمعات المنحلة. ثم بعد أن يقدّمن كل ما لديهن، يُرمين كعلبة فارغة، ويُنسين، ولا يُقام لهن وزن حقيقي. فأين هؤلاء من نماذج العالمات والمخترعات والأديبات المحتشمات اللاتي خدمن الإنسانية بعقولهن لا بأجسادهن؟

لقد جاء ديننا الحنيف بكل ما يصلح شأن المرأة، مع مراعاة طبيعتها التي خلقها الله عليها، شرط أن تكون هذه الطبيعة منضبطة بالإطار الديني والاجتماعي القويم. وكل ما يرشدنا إليه ربنا في القرآن الكريم، وما جاء به هدي النبي المصطفى ﷺ، إنما هو لخير المرأة وإصلاحها ومستقبلها في الدنيا، ونجاتها في الآخرة. إنه ليس تقييداً لحريتها، بل هو صيانة لها من أن تكون لعبة في أيدي العابثين.

وتذكري يا ابنتي العزيزة أن المرأة بطبعها عاطفية، وهذه نعمة عظيمة إذا وُضعت في مكانها الصحيح: في الأمومة، والزوجة الحانية، وبنت الأهل البارة. ولكنها نقمة مدمرة إذا جرّتها عاطفتها وراء سراب الحب الكاذب والشهرة الزائفة نحو المهالك والمزالق.

فيا بناتي العزيزات، الحذر الحذر من النظر بإعجاب وتقليد إلى المشاهير والممثلات وعارضات الأزياء اللاتي يبرزهن الإعلام في الأفلام والدراما ومواقع التواصل. لا تغرّنكم شهرتهم وعلو ذكرهم، فإنها غالباً ما تكون وبالاً عليهم وزينة فارغة في هذه الحياة الدنيا. والله أعلم بعواقب أمورهم وخواتيم أعمالهم، فلا تجعلوهنّ قدوات لكنّ أبداً، فمن سار وراء سراب مات عطشاً.

لقد فتح الله عليكنّ اليوم كل أبواب العلم والتعلم والتطور في شتى المجالات. فكنّ طبيبات، ومهندسات، ومعلمات، ورائدات أعمال، ومفكرات، ولكن بحشمتنّ ووقاركنّ، محافظات على ما أمر به الدين من ضوابط للسلوك والاختلاط والكلام واللباس. لا تغترنّ بدعوات السفور والتبرج وإبراز المفاتن، فصدقيني، أول من يحقرك ويقلل من شأنك كإنسانة هو ذلك الذي ينظر إليك ويستمتع بمفاتنك. بينما الذي يتقيك حقاً هو الذي يحترم عقلك ودينك وأخلاقك قبل أن ينظر إلى شكلك.

كونوا كالشمس التي تشرق بنورها ودفئها دون أن تسمح لأحد بلمسها، وكونوا كالجوهرة المصونة التي لا تنالها الأيدي العابثة.

لا يا ابنتي العزيزة... لا للضياع في زحام الفتن... ونعم للعزة بالدين والخلق والعلم.

Responsive Counter
General Counter
94653
Daily Counter
1455