المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 18 أبريل 2026 01:05 م
أيها العزيز، أعلم أنك تقرأ هذه السطور وربما تتوجس خيفة، أو ربما تبحث بين الكلمات عن مرآة ترى فيها وجهك الحقيقي لا وجهك الذي تصطنعه أمام الناس. أعلم أن الألم الذي تعيشه ليس ألماً جسدياً يزول بحبة دواء، إنه وخز الروح الذي لا يسكن إلا بجرعة مدح، أو نخزة الحسد التي لا تهدأ إلا حين ترى أنك "أفضل" ممن حولك بمالك، أو جمالك، أو منصبك، أو حتى بمرضك النفسي نفسه الذي حولته إلى وسام شجاعة مزيف تنتظر التصفيق عليه.
أنت لست وحدك، بل إنك مصاب بداء قديم قِدم إبليس حين قال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ}، وداء حديث نراه في عيادات الطب النفسي تحت مسميات مختلفة، لكن جذره في القرآن واحد: "إرادة العلو في الأرض".
دعني أخاطبك بصدق قاسٍ لأن المداهنة هي التي أوصلتك إلى هنا. حالتك النفسية، مهما كان اسمها العلمي، تعقدت لأنها ارتبطت بشرط خفي في عقلك الباطن: "لن أكون بخير إلا إذا كنت (الأفضل) في نظر من حولي". أنت تتنفس المدح كما نتنفس الأكسجين. إن انقطع عنك ولو ليوم، تشعر بالاختناق والانهيار. لماذا؟ لأنك بنيت "أناك" على عمود فقري مكسور هو "مقارنة النفس بالغير". حين تمتلك مالاً، لا تفرح بقيمته الشرائية بل بكونه أكثر من مال فلان. حين تلبس ثوباً، لا يهمك ستره بل ثمنه مقارنة بثوب علان. حتى في العلاج النفسي، قد تتعالى على زملائك في الجلسات لأنك ترى "أزمتك أعمق" أو "تحليلك لنفسك أذكى".
هذا هو العلو بغير الحق. أنت تنتفخ انتفاخ البالون، ومع كل إبرة نقد أو تجاهل، تفرقع وتعود مريضاً مهدماً. الله سبحانه وتعالى لم ينه عن هذا العلو عبثاً، بل لأنه مفسدة للنفس قبل أن يكون مفسدة في الأرض.
في أواخر سورة القصص، يصف الله مشهداً مخيفاً يخصك:
{فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}
أرأيت؟ قارون لم يكتفِ بالمال، بل خرج "في زينته" ليُرى، ليمتص إعجاب الناس وأمنياتهم. هذا هو دواؤك المخدر. أنت لا تريد الشيء لذاته، بل تريد نظرة الناس إليه. وهذا هو الفساد بعينه.
ثم يأتي قانون السماء ليضرب مثالاً علاجياً صادماً:
{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}
الآية هنا وصفة طبية إلهية. لاحظ كيف ربط الله بين "عدم إرادة العلو" وبين "الدار الآخرة". المعنى العلاجي لك أيها المريض: شفاؤك النفسي الحقيقي مرهون بترك إرادة العلو. طالما في قلبك ذرة من رغبة في أن يراك الناس أفضل منهم، فأنت مريض، وستبقى مريضاً، لأن هذه الرغبة هي السم الذي يشرب ماء الحياة من روحك.
أنت تبحث عن "تحسن الحال". حسناً، ما هو تعريف تحسن الحال عند الله؟ ليس أن تصبح أجمل الناس، ولا أغنى الناس، ولا أعلى الناس منصباً. هذا هو ميزان الدنيا المكسور الذي وزنك به فأصابك بالجنون. تعريف تحسن الحال عند الله هو: أن تزداد تقوى.
والتقوى هنا ليست مجرد صلاة وصيام، بل هي كما فسرها السلف: "أن يجعل العبد بينه وبين عذاب الله وقاية، ومن أعظم العذاب عذاب الكبر والعلو في الأرض". التقي هو الذي يزين أمره بستر عيوب الناس لا بإظهار فضائله عليهم. التقي هو الذي يعلم أن الفضل بيد الله، فإذا رُزق مالاً قال: هذا فضل من ربي، لا فضل مني على غيري.
التشخيص الصادم: كلما شعرت بالراحة بعد مدح، اسأل نفسك: "لماذا ارتحت؟" إذا كان الجواب: "لأني شعرت أني أفضل من فلان"، فاعلم أنك شربت للتو جرعة السم القاروني. توقف وقل: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
قانون "لا فضل إلا بالتقوى": في كل صباح، ذكّر نفسك أن فلاناً الفقير القبيح الذي تراه في الشارع قد يكون أكرم على الله منك إن كان في قلبه ذرة تواضع ليست في قلبك. هذا ليس كلاماً نظرياً، هذا هو ميزان: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}. متى تقتنع بهذا يقيناً، تنفك عقدة الانتفاش.
ممارسة العكس النفسي: نفسك تريد العلو؟ ألجمها بالخفض. نفسك تريد أن يتحدث الناس عن جمالك أو ذكائك؟ امدح غيرك بصدق. اذكر محاسن إخوانك. ارفع من شأن من حولك. ستجد ألماً في البداية، لأن النفس تريد العكس، لكن هذا الألم هو جراحة استئصال الورم.
التعلق بالعاقبة لا بالمشهد: الآية تقول: "والعاقبة للمتقين". المشهد الآن قد يكون لغيرك، قد يمدح الناس غيرك، قد يكون منصب غيرك أعلى. لا يهم. أنت تنتظر العاقبة. من صبر على عدم العلو في الأرض، كانت له العاقبة في السماء وفي قرارة نفسه المطمئنة.
أيها المعالج الكريم، وأيها الصديق الرفيق، لا تداهنوا هذا المريض. لا تمنحوه المديح كدواء مسكن للألم، بل أعطوه الحق كدواء مرّ للعلة. لا تقولوا له: "أنت جميل حقاً" حين يطلب التقييم، بل قولوا له: "أنت عبد الله، والله يحب المتواضعين".
ختاماً أيها المريض الحبيب: أنت لست ملزماً أن تكون الأفضل، أنت ملزم أن تكون الأتقى. وهنا المفارقة العجيبة في العلاج الإلهي: حين تكف عن محاولة إثبات أنك الأفضل في الدنيا، سيريح الله قلبك ويرفعك في الآخرة، وحتى في نفوس الخلق حقيقةً لا زيفاً.
اخرج من سجن "قارون" إلى فضاء "التقوى". هناك فقط، سيزول انتفاخ الروح، وتبدأ في التنفس حقاً.