المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 18 أبريل 2026 12:22 م
خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، لكنه سبحانه صرّح بأنه خلقه ضعيفًا: «وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا» (النساء: 28). وهذا الضعف ليس قاصرًا على الجسد الذي ينهكه المرض وتكسره السنون، بل يمتد ليشمل ضعف النفس التي تستجيب لأدنى مؤثر خارجي، وضعف الفكر الذي يعجز عن رؤية الغد ولو بعد ساعة. نحن كائنات تخاف، ترتجف من فكرة المستقبل المجهول، وتسعى في الأرض جاهدةً لتأمين قوت يومها وغدها، ظانّةً أن الأمان يكمن في كومة المال التي تجمعها، وفي الرصيد الذي يزداد رقمه في دفاتر البنوك.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى، والمأساة الإنسانية العميقة: نركض خلف المال هربًا من الخوف، فلا يزيدنا المال إلا خوفًا. كلما جمعنا أكثر، اشتد قلقنا عليه، وصرنا عبيدًا لحراسته، نخشى الفقر ونحن في قصورنا، ونجوع من البخل وملؤنا الشبع.
يقف العقل حائرًا أمام حديث يرويه لنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، حين قال: «لو أن لي مثل أحد ذهبًا، لسرني ألا يمر علي ثلاث وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدين». وفي رواية أخرى أنه كان يقول: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا».
تأملوا معي هذا المشهد العجيب: إنه محمد بن عبد الله، الذي لو سأل ربه أن يحوّل جبال مكة ذهبًا لفعل، ولو طلب مفاتيح خزائن الأرض لأعطيها. إنه الحبيب الذي عرضت عليه الجبال أن تكون ذهبًا معه فقال: "لا يا رب، أشبع يومًا وأجوع يومًا". إنه يتمنى لو كان من المساكين، لا رغبةً في الفقر الذي هو بلاء، ولكن اختيارًا للخفة، وهروبًا من ثقل المسؤولية عن المال الذي سيُسأل عنه من أين اكتسبه وفيم أنفقه.
لماذا تمنى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؟ لأنه كان يعلم علم اليقين الذي لا تشوبه شائبة أن هذه الدنيا دار ابتلاء وامتحان. هي ميدان تُعرف فيه النفوس اللئيمة من الكريمة، والمؤمنة من الكافرة. فيها يُختبر الواثق برزق الله وعدله، وفيها ينهار الخائف الوجل الذي يكفر بنعمة ربه، فيظل يطلب المزيد خوفًا من الغد وطمعًا في العلو والتفاخر على العباد.
إن جوهر العقيدة الذي يريح النفس ويهدئ روعها هو الإيمان الكامل بأن الرازق هو الله. إنه سبحانه قد فرغ من الأقدار، وكتب رزقك وأنت في بطن أمك. لن يموت عبد حتى يستوفي رزقه كاملًا غير منقوص. «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا» (آل عمران: 145).
ما كتبه الله لك من رزق فهو آتيك لا محالة، ولو ضعفت حيلتك وقل سعيك. وما لم يكتبه لك، فلن تناله ولو طلبتَه بكل جهد أهل الأرض، ولو تقاتل الناس عليه دونه. «وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى» (النجم: 39)، وهذه الآية تحمل مفتاح التوازن: السعي مطلوب، والحركة في مناكب الأرض واجبة، ولكن القلب لا يتعلق بالنتيجة، بل بمن بيده النتيجة.
إن الأمان الحقيقي لا يسكن في رصيد البنك، بل في رصيد اليقين بالله. الأمان هو أن تخرج من بيتك ولا تدري هل تعود إليه، ولكنك تدري أن الله معك. الأمان هو أن تنفق مما تحب واثقًا أن الله سيخلفه عليك، فهو خير الرازقين.
لكن للأسف، يعيش معظم الناس في حرب نفسية طاحنة. حتى بعض الصالحين - نسأل الله السلامة - يداخلهم الشك في هذا اليقين الرباني. تراهم يجتهدون في السعي، وهذا مطلوب، لكنهم يتحولون إلى آلات للجمع بلا حد. يجتهدون بأكثر من اللازم، بأكثر مما يرضي الله، وبما ينسيهم حق النفس والأهل والعبادة. يكنزون الذهب والفضة، ويحسبون أنهم قد أحسنوا صنعًا، ثم تأتي لحظة الحقيقة:
كم من جامع للمال وهو حريص عليه، مات فجأة وهو مديون لله في فرض لم يؤده، أو مديون للناس في حق لم يرده. كم من إنسان بنى قصورًا في الوهم وجمع ملايين في الحسابات، فإذا بلحظة واحدة، بزلزال أو حريق أو قرار نافذ، فقد بيته ورصيده، ولم يبق له من دنياه إلا كفنه، وبقي من حسنات الناس يلاحقه، ومن مظالم العباد تطارده في قبره!
أين ذهب تعبهم؟ أين راح سهرهم وحساباتهم التي شغلتهم عن ذكر الله وعن صلة الرحم؟ تبخر كل شيء، وبقي الحساب طويلًا ثقيلًا.
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ».
"تعس".. كلمة تحمل معنى الهلاك والسقوط والانحطاط. إنه العبد الذي باع حريته وشرفه وعقله من أجل قطع معدنية وأوراق ملونة. إنه المسكين الذي يظن أنه غني، وهو أفقر خلق الله، لأنه يملك الدنيا ولا يملك من الدنيا إلا القلق والأرق.
فلا نامت أعين البخلاء.. كيف تنام عين تخاف فوات الرزق الذي تكفل به الغني الحميد؟ كيف يغمض جفن من يرى المال يكبر وقلبه يصغر؟ كيف يرتاح من يمنع حق الله في ماله، وحق المسكين، وحق السائل والمحروم؟
إن خير ما يملكه الإنسان هو ما يسد حاجة يومه وليلته، مع قلب عامر بالثقة في الله. أن تسعى سعيًا حلالًا، أن تأخذ بالأسباب المشروعة، ثم تقف عند باب الله طارقًا راجيًا، وتقول كما علّمنا نبينا: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ».
فليطمئن قلبك أيها الإنسان الضعيف.. رزقك مضمون، وغدك مكتوب. لا تجعل الخوف من الفقر يسرق منك لذة الإيمان. كن عبدًا لله حرًا، ولا تكن عبدًا للدينار ذليلًا.
فالمال يأتي ويمضي، وما يبقى هو العمل الصالح، والصدقة الجارية، والقلب السليم الذي لقي الله به، ليس معه دينار ولا درهم، بل إيمان ويقين.
فلتنم أيها المؤمن قرير العين، فالرزاق لا ينام.