المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 12 مارس 2026 07:26 م
ليست المروءة كلمة عابرة في التراث الإسلامي، ولا خُلقًا ثانويًا يُذكر على هامش الفضائل، بل هي من أرفع ما يتزيّن به الإنسان، ومن أجلّ الصفات التي تجمع بين الدين، والعقل، والحياء، والكرم، والنجدة، وحسن المعاملة. وهي في حقيقتها ميزان دقيق يكشف معدن الرجال والنساء عند المواقف الصعبة، وعند القدرة، وعند الخصومة، وعند الحاجة، وعند التعامل مع الضعفاء والأقربين قبل الغرباء.
وقد عرفت الأمة الإسلامية المروءة لا بوصفها شعارًا نظريًا، بل بوصفها سلوكًا حيًّا تُبنى به البيوت، وتُصان به الحقوق، وتُحفظ به الكرامات، وتُقضى به الحاجات، وتُطفأ به نار الفتنة، ويُعرف به شرف النفس ونبل الطبع. ولكن الناظر في واقع الناس اليوم يرى أن هذا الخلق الجليل قد ضعف في كثير من المجتمعات، وأن الطمع وحب الذات والمصلحة الشخصية غلبت على كثير من النفوس، حتى صار بعض الناس يبخل بمروءته على أقرب الناس إليه.
المروءة في أصل معناها تدور حول كمال الإنسانية في السلوك الظاهر والباطن، مع الالتزام بما يجمل الإنسان شرعًا وعقلًا وعرفًا صحيحًا، وترك ما يدنسه ويشينه. وهي ليست مجرد كرم مالي، ولا مجرد شهامة وقتية، بل هي منظومة أخلاقية متكاملة.
وإذا أردنا تعريفًا دقيقًا لها قلنا:
المروءة هي التزام الإنسان بما يليق بأهل الفضل من مكارم الأخلاق، واجتناب ما يخل بالشرف والحياء والكرامة، مع حفظ حقوق الله وحقوق العباد، وإغاثة المحتاج، ونصرة المظلوم، والسموّ عن الدناءة والخسة في القول والفعل.
فالمروءة تشمل:
صدق المعاملة
حفظ الجميل
الوفاء بالعهد
ستر العيوب
إغاثة الملهوف
الترفع عن السباب والخيانة
إكرام الجار والضيف
حفظ اللسان
ترك الاستغلال عند الحاجة
صيانة النفس عن مواطن الذل والدناءة
ولهذا كانت المروءة مرتبطة في الإسلام بالإيمان والحياء والتقوى وحسن الخلق. فالمؤمن الحق لا يكتفي بأن يتجنب الحرام الظاهر، بل يسمو بنفسه عن سفاسف الأمور، ويتعامل مع الناس بخلق رفيع حتى في أشد الأحوال.
الإسلام لم يأت ليصنع إنسانًا يؤدي العبادات مجردة عن الأخلاق، بل جاء ليبني إنسانًا ربانيًا كريم النفس، عفيف اليد، طيب اللسان، رحيم القلب، عظيم الموقف. ولهذا جاءت نصوص الشريعة تحث على مكارم الأخلاق، وعلى الإحسان والعدل والعفو والوفاء والنجدة، وكل ذلك من صميم المروءة.
فالمروءة في الإسلام ليست ترفًا أخلاقيًا، بل هي ثمرة من ثمرات الإيمان الصحيح. وهي تظهر حين يقدر الإنسان فيعفو، وحين يملك فينفق، وحين يغضب فيضبط نفسه، وحين يرى ضعف غيره فلا يستغله، وحين يعلم حاجة قريبه فلا يتركه للذل والسؤال.
ومن أعظم ما يميز المروءة الإسلامية أنها مروءة منضبطة بالشرع، لا مروءة جاهلية تقوم على العصبية العمياء أو التفاخر أو نصرة القريب ظالمًا. فالمروءة الحقة لا تنفصل عن العدل، ولا تنفصل عن الحق، ولا تنفصل عن مراقبة الله.
يظن بعض الناس أن المروءة تعني أن يدفع الإنسان المال فحسب، وهذا فهم ناقص. فقد يكون الرجل غنيًا سخي المال، ولكنه عديم المروءة إذا أهان المحتاج، أو ذكّر الناس بعطائه، أو خذل قريبه، أو غدر بمن أحسن إليه، أو كشف سرًّا اؤتمن عليه.
المروءة أوسع من ذلك بكثير. فمن المروءة:
أن تحفظ مكانة من ضعفت حاله
أن لا تفضح من أخطأ إذا كان الستر أصلح
أن تقف مع أخيك عند الشدة لا عند المصلحة فقط
أن لا تتغير على من تحب إذا افتقر أو مرض أو ضعف
أن ترد الإساءة بالحكمة عند القدرة على الانتقام
أن تكون كريم النفس لا كريم الجيب فقط
فقد يوجد فقير صاحب مروءة، وغني بلا مروءة. وقد يوجد صاحب منصب صغير النفس، وآخر بسيط المكانة لكنه عالي القدر بما يحمل من خلق وشهامة.
لقد حفلت السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي بصور مضيئة من المروءة، كانت فيها العظمة الأخلاقية أوضح من مجرد الانتصار أو القوة.
من أعظم مشاهد المروءة في التاريخ الإنساني كله ما كان يوم فتح مكة. فقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم البلد الذي أُوذي فيه، وكُذّب، وشُتم، وحورب، وأُخرج منه، وقُتل أصحابه بسببه، وكان قادرًا على الانتقام ممن آذوه أعوامًا طويلة. ومع ذلك اختار العفو العام وقال لأهل مكة ما معناه أنه لا تثريب عليهم.
هذا الموقف ليس مجرد رحمة، بل هو قمّة المروءة؛ لأن كثيرًا من الناس يحسنون عند الضعف، أما العفو عند القدرة فهو امتحان النفوس الكبيرة. وهنا ظهرت المروءة النبوية في أبهى صورها: قوة بلا بطش، وانتصار بلا تشفٍّ، وقدرة بلا انتقام أعمى.
لما وقعت حادثة الإفك، وكان مِسطح ممن خاض في الكلام على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حلف أبو بكر رضي الله عنه أن يقطع عنه النفقة، وكان ينفق عليه لفقره وقرابته. لكن لما نزل التوجيه الإلهي بالعفو والصفح، رجع أبو بكر إلى نفقته وقال ما يدل على أنه يحب أن يغفر الله له.
هنا تظهر المروءة في أرقى معانيها: رجل أُوذي في أعز ما يملك، في عرضه وأهله، ثم لا يدعه غضبه إلى قطع المعروف إلى الأبد، بل يعود إلى الإحسان. هذه نفس كبيرة لا تقف عند جراحها الشخصية، بل ترتفع طلبًا لمرضاة الله.
كان عثمان رضي الله عنه مثالًا للمروءة في الحياء والإنفاق وسلامة الصدر. ومن أشهر مواقفه تجهيزه جيش العسرة وبذله المال الكثير للمسلمين في وقت الشدة. لم يكن ذلك مجرد صدقة، بل كان موقف مروءة عظيم؛ لأن الأمة كانت بحاجة إلى من يحمل العبء عنها، فقام به طيب نفس.
والمروءة هنا لا تُقاس بمقدار المال فقط، بل بسرعة الاستجابة، وصدق الإخلاص، وحمل همّ الجماعة، والشعور بمسؤولية الإنسان تجاه أمته.
من صور مروءته رضي الله عنه ما ظهر في مواقف كثيرة من عدله وإنصافه حتى مع من خالفه. فالمروءة لا تظهر فقط في السخاء، بل تظهر في أدب الخصومة، وفي رفض الظلم، وفي الترفع عن الدناءة عند الصراع. والإنسان قد يُعرف كرمه في الرخاء، لكن حقيقته تظهر في النزاع والغضب.
من الصور المشهورة في التاريخ الإسلامي مواقف صلاح الدين الأيوبي بعد تحرير القدس، فقد ظهرت فيه معاني الرفق والعفو وحسن المعاملة مع كثير من المهزومين، مع قدرته الكاملة عليهم. ولو كان ذا نفس منتقمة لأشبع الناس قتلًا وتشفيًا، لكنه اختار صورة أرقى من صور القوة، وهي القوة المهذبة بالمروءة.
وهنا نفهم أن المروءة ليست ضعفًا، بل هي أدب القوة، وأن الإنسان كلما عظم قدره كان أحوج إلى هذا الخلق حتى لا تتحول قدرته إلى ظلم.
المروءة إذا انتشرت في الناس صنعت مجتمعًا صالحًا للحياة، لأن كل فرد فيه يكون سترًا لغيره، وعونًا له، وسندًا عند الشدة. فالفقير يجد من يرفعه، والضعيف يجد من يحميه، والمخطئ يجد من ينصحه، والقريب يجد من يواسيه، والجار يجد من يكرمه.
وكانت المروءة قديمًا سببًا في:
حفظ الروابط العائلية
صيانة حقوق الجوار
نصرة المظلوم
إكرام الضيف
منع الفضيحة والتشهير
تقديم الواجب على المصلحة الخاصة
تقديم حق القريب والمحتاج على الكماليات الشخصية
ولذلك كان الرجل يُمدح بقولهم: “صاحب مروءة”، لأن هذه الكلمة تختصر معاني عظيمة لا يجمعها وصف واحد سواها.
المؤلم اليوم أن المروءة ضعفت عند كثير من الناس، لا لأنهم لا يعرفون معناها فقط، بل لأن أنماط الحياة الحديثة غذّت في النفوس أمراضًا كثيرة، أهمها: الأنانية، والطمع، وحب الظهور، وتقديس المصلحة، وعبادة الراحة الشخصية.
فأصبح بعض الناس:
لا يسأل عن والديه إلا إذا احتاج شيئًا
ولا يعرف إخوته إلا عند المنفعة
ولا يزور رحمه إلا لحسابات خاصة
ولا يساعد المحتاج إلا إذا صوّر مساعدته أو تفاخر بها
ويحسب كل معروف بالخسارة والربح
ويعتذر عن نجدة أقرب الناس إليه بحجة الانشغال، ثم يبذل وقته وماله فيما لا ينفع
بل إن أخطر ما في هذا التراجع أن انعدام المروءة لم يعد عند الغرباء فقط، بل ظهر مع أقرب الناس: بين الإخوة، وبين الأبناء والآباء، وبين الأزواج، وبين الأقارب الذين تجمعهم الدماء ثم تفرّقهم المصالح.
كم من قريب يرى حاجة قريبه ثم يدير وجهه! وكم من أخ يعلم ضيق أخيه ثم يتظاهر بعدم الفهم! وكم من ابن ينشغل بنفسه ويترك أبويه في الوحدة والحاجة! وكم من إنسان ينفق في الكماليات ببذخ، لكنه يضيق إذا طلبت منه أمه أو أخته أو قريبه ما يسد حاجة ضرورية!
هذه ليست مجرد قسوة عابرة، بل هي علامة على ضعف المروءة وفساد الطبع.
هناك أسباب كثيرة لهذا التراجع، منها:
صار كثير من الناس لا يسألون: ما الحق؟ وما الواجب؟ وما الكريم؟ بل يسألون فقط: ماذا سأستفيد أنا؟
كثير من البيوت تعلّم أبناءها النجاح المادي، لكنها لا تعلّمهم الشهامة، ولا الوفاء، ولا نصرة الضعيف، ولا احترام الكبير، ولا معنى أن يكون الإنسان سندًا لأهله.
الثقافة الحديثة في كثير من صورها دفعت الإنسان إلى أن يعيش لذاته فقط، وأن يعتبر كل التزام نحو غيره عبئًا، حتى لو كان تجاه والديه أو إخوته أو رحمه.
صار بعض الناس يحرص على صورة اجتماعية براقة، بينما هو في حقيقته يفتقد أبسط معاني المروءة داخل بيته ومع عائلته.
لأن المروءة الحقيقية لا تقوم فقط على الأعراف، بل تحتاج إلى قلب يخاف الله، ويعلم أن الوقوف مع الناس، والرحمة بهم، والوفاء لهم، من أعظم أبواب القرب إلى الله.
المروءة ليست استعراضًا أخلاقيًا. فقد يتكلف الإنسان كلمات كبيرة، أو يتحدث عن الشهامة والنخوة، لكنه عند أول اختبار يسقط. وقد يتظاهر بالكرم أمام الناس، فإذا خلا بأهله كان شحيحًا قاسيًا. وقد ينشر صور مساعداته للبعيد، بينما يترك قريبه في الضيق.
المروءة الحقيقية تُعرف في الخفاء قبل العلن، وفي البيت قبل المجلس، ومع الأهل قبل الغرباء، وعند الخسارة قبل المكسب. فمن كان كريمًا مع الناس قاسيًا على أهله، أو متواضعًا أمام الغرباء متكبرًا على أقاربه، فهذه ليست مروءة، بل صورة مصطنعة.
إحياء المروءة يبدأ من النفس، لا من الكلام. ويحتاج إلى مراجعة صادقة للسلوك اليومي:
أن يسأل الإنسان نفسه:
هل أنا سند لأهلي أم عبء عليهم؟
هل أقف مع أقرب الناس إليّ عند حاجتهم؟
هل أحفظ أسرار من حولي؟
هل أراعي مشاعر الضعفاء؟
هل أعفو عند القدرة؟
هل أترفع عن الصغائر؟
هل أبحث عن أعذار الناس أم عن زلاتهم؟
هل مروءتي حاضرة مع من لا يستطيع أن يرد لي الجميل؟
إذا بدأ الإنسان بهذا الصدق، أمكنه أن يرمم في نفسه هذا الخلق العظيم. ثم تأتي التربية، وتعويد الأبناء على احترام الكبير، وإكرام الضيف، ومساعدة المحتاج، وصلة الرحم، وكفّ الأذى، وحفظ الكلمة، والتنازل النبيل عند الخصومة.
المروءة في الإسلام ليست زينة إضافية، بل هي من أعمدة الشخصية المسلمة الكريمة. وهي البرهان العملي على أن الإنسان لم تهزمه شهوته، ولم يبتلعه طمعه، ولم تستعبده مصلحته الخاصة. والمروءة ليست في كثرة الكلام عن الأخلاق، بل في موقف صادق عند حاجة قريب، وعند ضعف صديق، وعند خصومة، وعند أمانة، وعند قدرة.
وقد كان تاريخنا مليئًا بمشاهد المروءة التي صنعت حضارة القلوب قبل حضارة الأبنية. أما اليوم، فإن من أعظم ما نفتقده ليس المال ولا الوسائل ولا المعرفة، بل نبل النفس. ولهذا كثرت القسوة، وضعفت الروابط، واشتد الجفاء، وأصبح الإنسان أحيانًا غريبًا بين أهله.
فما أحوجنا إلى أن نعود إلى هذا الخلق العظيم: مروءةً مع الله بطاعته، ومروءةً مع الناس بإنصافهم، ومروءةً مع الأهل بحفظ حقوقهم، ومروءةً مع الضعفاء بالرحمة، ومروءةً مع النفس بصيانتها عن الدناءة.
فإذا عادت المروءة، عاد كثير من الخير الذي ضاع، وعادت للإنسان هيبته الحقيقية: هيبة الخُلُق، لا هيبة المال؛ وهيبة النبل، لا هيبة المظهر.