المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 19 فبراير 2026 04:33 م
قبل أيام قليلة، تابع العالم واقعة مؤلمة في مباراة بنفيكا وريال مدريد ضمن دوري أبطال أوروبا (ذهاب الملحق)؛ حيث اشتكى فينيسيوس جونيور من إساءة عنصرية من لاعب بنفيكا جيانلوكا بريستياني، فتوقفت المباراة دقائق بعد تفعيل الحكم بروتوكول مكافحة العنصرية، ثم تحولت اللحظة إلى توتر وملاسنات داخل الملعب، وسط دعمٍ واضح لفينيسيوس من زملائه—ومنهم كيليان مبابي—ومع تصريحات لاحقة من جوزيه مورينيو أثارت انتقادات واسعة لأنها بدت وكأنها تُهوِّن من خطورة الادعاء أو تُلقي اللوم على الضحية. وفي النهاية، دخلت UEFA رسميًا على الخط وفتحت تحقيقًا.
هذه الحادثة ليست “خبرًا رياضيًا” عابرًا. إنها مرآة تكشف عطبًا إنسانيًا قديمًا: العنصرية… ذلك المرض الذي يُحوّل الإنسان إلى قاضٍ يوزّع الكرامة على الناس حسب لونٍ أو نسبٍ أو مالٍ أو مدينةٍ أو منصبٍ، وكأن الله فوّضه بذلك!
حين نقول “عنصرية”، كثيرون يتصورونها لون بشرة أو أصل قومي فقط. لكن الحقيقة أوسع وأخطر:
عنصرية المال: “أنا أفضل لأنني أغنى.”
عنصرية النسب: “أنا أرفع لأن أصلي كذا.”
عنصرية المنصب: “أنا أحق لأنني مدير/مسؤول/صاحب سلطة.”
عنصرية المدينة: “نحن أهل الحاضرة… وأنتم أهل القرى!”
عنصرية العلم والدين: وهي الأشد قسوة، لأن صاحبها يتزين بلباس القداسة، فيرى نفسه فوق الناس لأنه “يعلم” أو “يتدين”.
هذه كلها “تمييز” — والتمييز هو جوهر العنصرية: أن ترى نفسك ميزانًا، وترى الآخرين درجات.
الإسلام لم يترك هذا الباب مفتوحًا للتأويل العاطفي. وضع قاعدة تهدم كل أشكال الاستعلاء:
الناس سواء في الكرامة الإنسانية، والتفاضل الحقيقي بالتقوى والعمل لا بالمظاهر.
وأخطر ما تفعله العنصرية أنها “تُعوّد القلب” على احتقار الآخرين… ثم يُصبح الاحتقار أسلوب حياة: في الكلام، في النظرات، في المجالس، في الوظائف، وحتى في العبادة.
ومن هنا تأتي المفارقة المؤلمة: نحن أمةٌ يُفترض أن يكون العدل أصلها، وأن يكون التواضع سمتها، وأن تكون الأخوة سياجها… ومع ذلك تسربت العنصرية إلى تفاصيلنا حتى صرنا نمارسها أحيانًا بلا وعي، ونُسميها “هيبة” أو “مكانة” أو “عرف” أو “مقام”.
في رمضان تحديدًا، تُفترض في الناس الرحمة، ويُفترض في أئمة المساجد الرفق، وتخفيف العبادة على الكبير والصغير والمريض وصاحب الحاجة. ومع ذلك نرى أحيانًا من يجعل التراويح موسمًا لاستعراض الحفظ أو اختبار النفس على حساب الناس:
يطيل إطالة تُرهق المصلين،
لا يراعي ضعف كبار السن،
ولا حاجة العامل الذي سيستيقظ مبكرًا،
ولا المريض الذي جاء يطلب السكينة لا المشقة.
وهنا تبرز صورة من صور عدم المراعاة : أن يربط الإمام الناس بما يريد هو، لا بما يحتاجه الناس، وكأن العبادة وُضعت لإثبات قدرته هو لا لرحمة الخلق.
إن أراد المراجعة والتسميع فليكن ذلك في صلاته وحده؛ أما الناس فحقهم عليك الرفق، لا الإرهاق وبالتالي هي سنة بدأها الرسول صلى الله عليه وسلم بركعات خفيفات بعد صلاة العشاء في أيام رمضان فردية ثم اجتهد سيدنا عمر رضي الله عنه عندما كثر المصلين و كل واحد يصلي وحده فجمعهم على إمام كنظرة لتجمع المسلمين كما في الصلوات الجماعية و كان عهد تأسيس الدولة الإسلامية الأولى.
العنصرية لا تأتي بخير—لا على صاحبها ولا على المجتمع:
العنصري يتغذى على الكِبر. والكِبر لا يرفع أحدًا، بل يفضحه: يُقسّي القلب، ويقتل الرحمة، ويصنع إنسانًا قاسيًا بلا مروءة.
حين تتسع العنصرية:
تسقط الثقة بين الناس،
تتكسر الأخوة،
تصير الوظائف علاقات لا كفاءة،
وتُدفن العدالة تحت “الواسطة” و”الاعتبارات”.
ليعلم كل متعالٍ: قد تكون المسألة لحظات… ويخرج الإنسان من الدنيا بلا مالٍ ولا لقبٍ ولا نسبٍ ولا جاه. لا يحمل معه إلا ما بناه بتقوى وإيمان وعمل صالح.
ثم—وهذه الحقيقة التي لا يحبها المتكبر—يمضي، ويحزن عليه الناس يومًا أو يومين أو ثلاثة… ثم تنشغل الحياة، ويتقاسم الورثة التركة، ويُطوى الاسم إلا من أثرٍ صالح.
السعيد ليس من جمع المظاهر، بل من رحل وقد ترك:
ذكرًا طيبًا،
أو صدقة جارية،
أو ولدًا صالحًا يدعو له،
أو علمًا يُنتفع به.
إن كنت تظن أنك أكبر من الناس بمالك أو منصبك أو علمك أو بلدك أو لونك… فتذكر:
أنك لم تختر معظم ما تتفاخر به.
وأن ما عندك قد يُسلب في لحظة.
وأن الله لا يسأل عن “الهيئة”، بل عن “الحقيقة”: ماذا في قلبك؟ ماذا في عملك؟ كيف عاملت عباده؟
العنصرية ليست “قوة شخصية”… إنها ضعف أخلاقي، وفقر إنساني، وهزيمة روحية.
فلنُصلح الميزان داخلنا قبل أن نطالب العالم بإصلاح ميزانه. ولنبدأ بأن نكسر صنم “أنا” — ونُعيد الإنسان إلى قدره الطبيعي: عبدٌ لله… لا سيدٌ على خلق الله.