المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 19 فبراير 2026 12:10 م
الجمال نعمة. والأنوثة نعمة. والرجولة نعمة. لكن أعظم النعم بعد الإيمان: حسن الخلق وضبط النفس.
كم من وجهٍ جميلٍ أفسده صوتٌ صاخب. وكم من رجلٍ ظنّ أن صراخه هيبة، فإذا به يسقط من أعين أهل بيته.
إن الله لم يجعل ميزان الكرامة في الملامح ولا في القوة الجسدية، بل قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
والتقوى تظهر أول ما تظهر في اللسان… في النبرة… في لحظة الغضب.
الصوت المرتفع لا يدل غالبًا على قوة، بل يدل على عجز عن ضبط الانفعال.
قال تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾
هذا تشبيه يهزّ النفس. فالقبح ليس في الصوت ذاته، بل في فقدان السيطرة عليه.
وقال ﷺ: "ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب."
القوة الحقيقية ليست في ارتفاع الصوت… بل في القدرة على خفضه.
المرأة قد تجتهد في:
ترتيب شعرها
تنسيق ثيابها
اختيار عطرها
لكن أعظم زينة لها:
خفض الصوت
لين العبارة
رفق النبرة
حين يعلو صوت المرأة، يسقط جزء من أثر أنوثتها، ويتحول الجمال الظاهر إلى حضور مرهق.
الناس قد يُعجبون بوجهك لحظة، لكنهم يحكمون عليك بأسلوبك عمرًا.
قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾
فإذا كان المؤمن مأمورًا بالهَون في مشيته، فكيف بالكلام؟
قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾
حتى “أف” لم تُجز. فكيف بالصراخ؟ وكيف بحدة النبرة؟
الصوت مع الوالدين ليس مسألة أسلوب… بل مسألة إيمان.
قد يُقال: الرجل قائد البيت، فهل يُغتفر له ما لا يُغتفر لغيره؟
القيادة لا تعني الصراخ. والقوامة لا تعني الفظاظة.
قال تعالى في وصف النبي ﷺ: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
فإذا كان أعظم قائد لو كان فظًا لانفض الناس من حوله، فكيف برجل في بيته؟
نعم، قد يتسامح المجتمع أحيانًا مع شدة عابرة من الرجل على أنها حزم، لكن هذا توصيف اجتماعي لا تبرير شرعي.
الصراخ يسقط هيبة الرجل كما يسقط وقار المرأة.
الرجل حين يصرخ يزرع خوفًا. والمرأة حين تصرخ تزرع نفورًا. وكلاهما يزرع خللًا.
ليس كل صوت مرتفع سببه سوء نية. هناك شخصيات بطبعها:
حساسة جدًا
سريعة الاشتعال
متوترة داخليًا
تفسر الكلمات كتهديد
هذه ليست بالضرورة شخصيات سيئة… لكنها إن لم تُضبط تهدم الحياة الزوجية.
هنا السؤال الأهم: ماذا يفعل الطرف الآخر؟
الشخص الانفعالي في لحظة غضبه:
لا يسمع جيدًا
لا يفكر بوضوح
لا يقبل منطقًا
الدخول معه في جدال في ذروة انفعاله كصب الزيت على النار.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾
ليس سلامًا ضعفًا… بل اختيارًا للوقت المناسب.
عند اشتداد الانفعال:
اخفض صوتك
قل كلمات قصيرة
أوقف النقاش مؤقتًا
غيّر المكان إن لزم
ليس هروبًا… بل منعًا لانفجار أكبر.
النقاش تحت الغضب ينتج:
كلمات لا تُنسى
جروحًا عميقة
قرارات متهورة
بينما الصمت المؤقت قد يمنع سنوات من الندم.
“لا نقاش عند ارتفاع الصوت.”
إذا بدأ أحد الطرفين بالصراخ، ينسحب الآخر بهدوء.
لا تصحح. لا تُحلل. لا تُجادل.
انتظر حتى تهدأ العاصفة.
إذا كان الانفعال:
متكررًا
مهينًا
جارحًا
يُخيف الأبناء
أو يُحطم النفسية
فهنا لا يكفي الصمت.
بل يجب:
جلسة مصارحة جادة
وضع حدود واضحة
طلب استشارة أسرية
علاج أسباب التوتر
البيت لا يقوم على الصبر الأعمى… بل على إصلاح واعٍ.
الصدام المتكرر بين شخصين انفعاليين قد يحول البيت إلى ساحة حرب.
تراكم الصراخ ينتج:
برودًا عاطفيًا
نفورًا دائمًا
فقدان احترام
عزلة نفسية
وربما طلاقًا صامتًا قبل الطلاق الرسمي
البيوت لا تنهدم فجأة… بل تهتز طويلًا قبل أن تسقط.
الانفعالي ليس شيطانًا. والصابر ليس ضعيفًا.
لكن الانفعال إن لم يُضبط، يهدم. والصمت إن طال دون إصلاح، يخنق.
البيت لا يُدار بالصوت العالي… بل بالعقل العالي.
القيادة لا تُثبت بالصراخ… بل بالحكمة.
الأنوثة لا تُحفظ بالعناد… بل بالسكينة.
ومن ملك صوته عند الغضب… ملك بيته.