Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 12 فبراير 2026 06:31 م

التعليم بين الرسالة والآلة: هل صارت مدارسنا مصانع شهادات؟

لم يعد السؤال الحقيقي: هل لدينا مدارس وجامعات؟ بل: هل لدينا تعليمٌ يصنع إنسانًا حرًّا قادرًا على الفهم والإنتاج… أم جهازٌ ضخمٌ لترويض الأجيال وتمريرهم عبر “سُلَّم الشهادات”؟

هذا المقال لا يكتب للتجميل ولا للمجاملة. إنه صرخة عقلٍ يخشى على أمةٍ تُبدِّد أثمن ما تملك: إنسانها.


1) ماذا يُفترض أن يحقق التعليم؟

التعليم في جوهره ليس تلقينًا، ولا دفتر واجبات، ولا اختبارًا موحدًا. التعليم الحقيقي يفترض أن يحقق على الأقل:

  • بناء عقلٍ ناقدٍ لا عقلٍ مطيعٍ.

  • تدريب المتعلم على السؤال قبل الجواب.

  • تحويل المعرفة إلى قدرة: تحليل، تجربة، ابتكار، بناء.

  • تأسيس معنى للحياة والعمل والأخلاق والمسؤولية.

  • تربية ذائقة القراءة والبحث، لا ذائقة “الملخصات” و”السلايدات”.

فإن لم يحقق التعليم هذه الأهداف، فهو يتحول تلقائيًا إلى نظام فرزٍ اجتماعي: من ينجح فيه لا يعني بالضرورة أنه فهم، بل قد يعني أنه أتقن “لعبة الامتحان”.


2) التعليم القهري: حين تصبح المدرسة أداة كسر لا أداة بناء

حين يُدار التعليم بروحٍ قهرية تراتبية، يصبح هدف الطالب: النجاة لا الفهم، والشهادة لا الكفاءة، والوظيفة لا الرسالة.

في هذا النموذج القهري:

  • يُكافأ الحفظ الأعمى، ويُعاقَب السؤال.

  • تُستبدل التجربة بالشرح، والبحث بالنقل، والقراءة بالمنهج المغلق.

  • يصبح المعلم مراقبًا والطالب متهمًا، والصف غرفة تحقيقٍ لطيفة الشكل قاسية الجوهر.

  • ينشأ جيلٌ يتعلم “كيف يمر” لا “كيف يبدع”.

والأخطر: أن التعليم القهري لا يقتل الذكاء فقط… بل يقتل الفضول. وإذا مات الفضول مات العلم.


3) مقارنة بالأجيال القديمة: كيف خرج “العظماء” من بيئاتٍ أقل موارد؟

هنا المفارقة الموجعة: الأجيال السابقة لم تكن تملك “ثورة معلوماتية” ولا شاشات ولا ذكاءً اصطناعيًا… ومع ذلك خرج منها علماء غيّروا مجرى العلم، ولا يزال منصفو العالم يذكرون فضلهم.

السبب ليس “جينات خارقة”، بل ثقافة مختلفة:

  • احترام العلم بوصفه “شرفًا” لا “وسيلة ترقية”.

  • تقديس الكتاب لا بوصفه ورقًا… بل بوصفه “وطنًا للعقل”.

  • وجود قدوات علمية حقيقية تُلهم الشباب بالعمل لا بالخطابة.

  • الانتماء لفكرة العلم كعبادة عقلية، وكمسؤولية اجتماعية.

أما اليوم فقد أصبح كثير من التعليم عندنا “مظاهر”: مبانٍ، شعارات، مؤتمرات، أختام، شهادات… بينما جوهر المعرفة يتآكل.


4) التجربتان اليابانية والصينية: لماذا تستحقان الدراسة عند العرب؟

اليابان والصين ليستا “ملائكة”، لكنهما تقدمان درسًا كبيرًا: التعليم مشروع دولة لا زينة دولة.

  • انضباطٌ مؤسسي طويل النفس، لا إصلاحات متقطعة كل عام.

  • ربط التعليم بالإنتاج، بالصناعة، بالتطبيق، بالبحث.

  • ثقافة إجلال للمعلم، وتحويل المدرسة إلى بيئة عملٍ جاد لا مسرح علاقات.

  • بناء “عادات تعلم” تتجاوز الامتحان: قراءة، تدريب، تكرار، وممارسة.

لكن الاستفادة العربية لا تكون بالنسخ الأعمى؛ بل بـ التكييف:

  • مراعاة اللغة والهوية والقيم.

  • تحويل احترام المعلم إلى احترام للعلم، لا إلى خوفٍ مرضي من السلطة.

  • بناء نظام يُخرج “الكفاءة” لا “المطيع”.


5) لماذا أثرت علينا التقنية الحديثة أكثر من غيرنا؟

كان من المفترض أن تكون الثورة المعلوماتية فرصة ذهبية لنا: المعرفة متاحة، الدورات متاحة، المكتبات متاحة، حتى أدوات الإنتاج متاحة… ومع ذلك أصابنا الخمول.

لماذا؟

لأن التقنية حين تدخل مجتمعًا بلا حصانة معرفية تصبح مخدرًا لا أداة.

  • من لا يملك عادة القراءة سيستخدم الهاتف للترفيه لا للتعلم.

  • من لم يتربَّ على الانضباط سيحول الإنترنت إلى هروبٍ دائم.

  • من لم يتعلم التفكير سيستبدل العقل بـ “المحتوى السريع”.

فصرنا نرى ظاهرة فاضحة: جيلٌ يتباهى بأنه لا يقرأ. بل وبعضهم يتباهى أنه لا يفتح كتابًا، ولا يقرأ القرآن إلا القليل في رمضان تقليدًا… ثم يتحدث عن “النجاح” و”الوعي” و”التطوير”!

هذا ليس اختلاف أذواق. هذا انهيار معنى.


6) وهم “سأكتفي بالقراءة والكتابة وأتعلم وحدي”

نعم، التعلم الذاتي ضروري، بل هو شرط التفوق في العصر الحديث. لكن “التعلم الذاتي” لا يعني الهروب من الالتزام، ولا يعني بناء عقلٍ بلا أساس.

الذي يقول: سأتعلم وحدي ولا أحتاج مدرسة ولا منهج ولا انضباط في الغالب لا يطلب حرية المعرفة… بل يطلب حرية الفوضى.

المدرسة ليست سجناً حين تكون صحيحة؛ إنها “ورشة بناء”:

  • تعلمه الصبر، والجدولة، والمسؤولية.

  • تمنحه أساسًا معرفيًا متدرجًا.

  • تدربه على تقييم نفسه عبر معايير واضحة.

ثم يأتي دور التعلم الذاتي ليكمل ويتفوق، لا ليبدأ من فراغ.


7) نخبة الشهادات: حين تتحول الدكتوراة إلى ختم وجاهة

ومن أكبر مآسينا: أن بعض من تقلدوا أعلى الشهادات لم يحملوا أمانة العلم، بل حملوا زهو العلم.

  • يتعالون بالشهادة بدل أن يخدموا بها المجتمع.

  • يحاضرون عن “المنهجية” ولا ينتجون معرفة.

  • يهاجمون المجتهدين لأن المجتهد يفضح خواءهم.

ولا أقول كلهم… لكن الظاهرة موجودة ومؤذية. وفي ظل هذه الأمواج، يغرق المجتهد، لأنه لا يجد دعمًا، ويُحارب لأنه لا يجيد لعبة المجاملة.


8) ما الذي نحتاجه؟ إصلاحٌ جذري لا ترقيع

أ) تغيير فلسفة التقييم

  • تقليل وزن الامتحان الواحد، وزيادة وزن المشاريع والبحوث والتجارب.

  • قياس الفهم والتحليل، لا قياس الذاكرة فقط.

ب) بناء “عادة قراءة” وطنية

  • مكتبات مدرسية حقيقية، ساعات قراءة إلزامية ذكية، مسابقات بحث لا مسابقات حفظ.

  • جعل القراءة جزءًا من “الهوية اليومية” لا نشاطًا موسميًا.

ج) ربط التعليم بالإنتاج

  • مختبرات، ورش، نوادٍ علمية، مسابقات هندسية، تطبيقات عملية.

  • الطالب يجب أن يصنع شيئًا: برنامجًا، تجربة، نموذجًا، تقرير بحث.

د) كرامة المعلم وكفاءة المعلم

  • تدريب حقيقي، تقييم مهني، دعم مادي ومعنوي.

  • لا نهضة بلا معلمٍ محترمٍ ومتمكن.

هـ) صناعة قدوات علمية

  • إبراز الباحثين والمخترعين، لا مشاهير التفاهة.

  • تقديم العلماء للشباب بوصفهم “نجوم المستقبل”.


خاتمة: هذا ليس هجومًا على الشباب… بل دفاعًا عنهم

نعم، هناك جيلٌ ضائع في تفاهات التواصل، لكن هذا الضياع ليس قدرًا مكتوبًا، بل نتيجة منظومة: منظومة تعليمٍ مملٍّ، وإعلامٍ مسفٍّ، وقدواتٍ مزيفة، ونخبٍ تتباهى بالشهادات دون أثر.

الأمة التي لا تُحسن تعليم أبنائها، ستدفع ثمن ذلك في أمنها واقتصادها وكرامتها وثقافتها. والعلم ليس ترفًا. العلم هو عمود الحضارة.

Responsive Counter
General Counter
32111
Daily Counter
812