المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 30 يناير 2026 01:13 م
هناك حقيقة مزعجة لا نحب الاعتراف بها: نحن لا نُخطئ لأننا لا نعلم، بل لأننا لا نريد أن نلتزم بما نعلم.
الطفل الصغير، حين يتعلّم، يتعلّم بصدق. أما نحن، فحين نكبر، نتعلّم… ثم نخون ما تعلّمناه.
حين يكون الطفل رضيعًا أو في بدايات وعيه، يبدأ بتكوين “خريطة الحياة” في دماغه. تُعلَّم له الحدود بوضوح: هذا خطر — هذا آمن — هذا يؤلم — هذا يُبعد عنه.
حين يقترب من شيء ساخن ويشعر بحرارته، لا يحتاج إلى محاضرة فلسفية. الألم الخفيف يرسم خطًا واضحًا في ذاكرته: لا تقترب.
والعجيب أن الطفل بعد ذلك لا يعود للمس النار ليختبرها مرة ثانية “للتأكد”. لا يقول:
ربما هذه المرة لن تحرقني.
ولا يقول:
الجميع يلمسها، لماذا لا أفعل مثلهم؟
الفطرة تعمل بكفاءة… لأن النفس لم تتلوّث بعد.
حين نكبر، لا تختفي الفطرة… لكنها تُطمس. نبدأ نرى الخطر، ونعرف الضرر، ونعيش الألم… ثم نعود إليه بإرادتنا.
وهنا السؤال الصادم: ما الفرق بين طفلٍ يتعلّم من تجربة واحدة، ورجلٍ يكرر التجربة المؤذية عشرات المرات؟
الفرق ليس في الذكاء. بل في الهوى، والتبرير، والمعصية، وخداع النفس.
خذ أمثلة نعيشها جميعًا — بلا استثناء:
يعرف أنه مضر. يعرف أنه قاتل. يعرف أنه يدمّر الرئة والقلب. يعرف أن الأطباء أجمعوا على خطره.
ثم يستمر.
لماذا؟ ليس جهلًا… بل اتباعًا للنفس الخبيثة التي تقول:
سأستمتع الآن… وبعدها نفكر.
وهكذا تُقدَّم الشهوة على الأمانة، وتُقدَّم اللذة المؤقتة على صحةٍ سيُسأل عنها أمام الله.
يعرف أن هذا الأكل يؤذيه. يعرف أنه سبب أمراضه وتعبه وخموله. ثم يقول:
مرة واحدة لا تضر.
وتمر السنوات… وتصبح “المرة الواحدة” نمط حياة.
نسي أن الجسد أمانة، وأن الإهمال فيه خيانة، لا حرية شخصية.
يقع في الذنب. يتألم قلبه أول مرة. ثم يكرر. ثم يعتاد. ثم يبرر. ثم لا يعود يشعر بشيء.
وهنا المصيبة الكبرى: حين تموت الحساسية، لا يعود القلب ينذر بالخطر.
نغضب، نجرح، نكسر خواطر، ثم نندم… ثم نغضب مرة أخرى.
نجالس من يجرّنا للغيبة والفتنة، ونخرج بضيق صدر، ثم نعود.
نسهر، فنضيع الصلاة والعمل، ثم نقول: “غدًا ألتزم”.
نؤجل، فنفشل، ثم نكرر التسويف.
نكذب، فتتعقّد الأمور، ثم نكذب مرة أخرى.
نلاحق متعة محرّمة، فتنطفئ أرواحنا، ثم نعود لها سرًا.
كل هذا ليس ضعفًا في العقل… بل انفصالًا بين المعرفة والفطرة.
الشيطان لا يخترع معاصي جديدة. هو فقط يغيّر العناوين:
يسمي الإدمان “تسلية”
يسمي الذنب “ضعفًا إنسانيًا”
يسمي التسويف “راحة”
يسمي الشهوة “حرية”
يسمي الخيانة “ظروفًا”
حتى تنقلب الفطرة، ويصبح الخطأ مألوفًا، ويصبح الحق ثقيلًا.
لأن الطفل:
لا يبرر
لا ينافق نفسه
لا يجادل الحقيقة
لا يقدّس شهوته
لا يؤجل قراره
أما نحن:
نعرف… ولا نعمل
نرى… ونتغافل
نتألم… ونعتاد الألم
العودة ليست شعارات ولا نوايا طيبة فقط.
لا تقل: “عادة سيئة”. قل: “معصية”، “إهمال”، “خيانة أمانة”.
ما أثبت فشله مرة… سيفشل ألف مرة. لا تنتظر نتيجة مختلفة من الطريق نفسه.
غيّر البيئة، الصحبة، الروتين، المثيرات. النية وحدها لا تكفي.
كل ما تفعله ليس حرًّا بلا ثمن. هناك سؤال، ووقوف، ومحاسبة.
ليس الذكاء. ولا التجارب الكثيرة. ولا كثرة الكلام.
الذي يرفع شأن الإنسان هو:
أن يتعلّم من الخطأ ثم يتوقف
أن يحترم فطرته
أن لا يخدع نفسه
أن يكون صادقًا مع الله ومع ذاته
الطفل يتعلّم من الألم مرة واحدة. أما بعض الكبار، فيعيشون عمرًا كاملًا يكررون الألم… ثم يسمونه “نصيبًا”.
الفطرة ما زالت فيك. لكنها لن تصرخ إلى الأبد.
إما أن تسمعها اليوم، أو تسكت غدًا… وتبقى تكرر ما يؤذيك حتى تلقى الله.