Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 30 يناير 2026 01:13 م

كيف نتعلّم من فطرة الطفل الصغير ما يرفع شأننا في الدنيا والآخرة

كيف نتعلّم من فطرة الطفل الصغير ما يرفع شأننا في الدنيا والآخرة

ولماذا نُصرّ — بعد أن نكبر — على تكرار ما يؤذينا؟

هناك حقيقة مزعجة لا نحب الاعتراف بها: نحن لا نُخطئ لأننا لا نعلم، بل لأننا لا نريد أن نلتزم بما نعلم.

الطفل الصغير، حين يتعلّم، يتعلّم بصدق. أما نحن، فحين نكبر، نتعلّم… ثم نخون ما تعلّمناه.


1) الطفل لا يكرّر ما يؤلمه… ونحن نفعل

حين يكون الطفل رضيعًا أو في بدايات وعيه، يبدأ بتكوين “خريطة الحياة” في دماغه. تُعلَّم له الحدود بوضوح: هذا خطر — هذا آمن — هذا يؤلم — هذا يُبعد عنه.

حين يقترب من شيء ساخن ويشعر بحرارته، لا يحتاج إلى محاضرة فلسفية. الألم الخفيف يرسم خطًا واضحًا في ذاكرته: لا تقترب.

والعجيب أن الطفل بعد ذلك لا يعود للمس النار ليختبرها مرة ثانية “للتأكد”. لا يقول:

ربما هذه المرة لن تحرقني.

ولا يقول:

الجميع يلمسها، لماذا لا أفعل مثلهم؟

الفطرة تعمل بكفاءة… لأن النفس لم تتلوّث بعد.


2) الكارثة تبدأ حين نكبر

حين نكبر، لا تختفي الفطرة… لكنها تُطمس. نبدأ نرى الخطر، ونعرف الضرر، ونعيش الألم… ثم نعود إليه بإرادتنا.

وهنا السؤال الصادم: ما الفرق بين طفلٍ يتعلّم من تجربة واحدة، ورجلٍ يكرر التجربة المؤذية عشرات المرات؟

الفرق ليس في الذكاء. بل في الهوى، والتبرير، والمعصية، وخداع النفس.


3) نحن نعرف الخطر… لكننا نحبّه

خذ أمثلة نعيشها جميعًا — بلا استثناء:

التدخين

يعرف أنه مضر. يعرف أنه قاتل. يعرف أنه يدمّر الرئة والقلب. يعرف أن الأطباء أجمعوا على خطره.

ثم يستمر.

لماذا؟ ليس جهلًا… بل اتباعًا للنفس الخبيثة التي تقول:

سأستمتع الآن… وبعدها نفكر.

وهكذا تُقدَّم الشهوة على الأمانة، وتُقدَّم اللذة المؤقتة على صحةٍ سيُسأل عنها أمام الله.


الطعام المضر والعادات الصحية السيئة

يعرف أن هذا الأكل يؤذيه. يعرف أنه سبب أمراضه وتعبه وخموله. ثم يقول:

مرة واحدة لا تضر.

وتمر السنوات… وتصبح “المرة الواحدة” نمط حياة.

نسي أن الجسد أمانة، وأن الإهمال فيه خيانة، لا حرية شخصية.


المعصية المتكررة

يقع في الذنب. يتألم قلبه أول مرة. ثم يكرر. ثم يعتاد. ثم يبرر. ثم لا يعود يشعر بشيء.

وهنا المصيبة الكبرى: حين تموت الحساسية، لا يعود القلب ينذر بالخطر.


4) أمثلة أخرى نكررها ونحن نعلم عواقبها

  • نغضب، نجرح، نكسر خواطر، ثم نندم… ثم نغضب مرة أخرى.

  • نجالس من يجرّنا للغيبة والفتنة، ونخرج بضيق صدر، ثم نعود.

  • نسهر، فنضيع الصلاة والعمل، ثم نقول: “غدًا ألتزم”.

  • نؤجل، فنفشل، ثم نكرر التسويف.

  • نكذب، فتتعقّد الأمور، ثم نكذب مرة أخرى.

  • نلاحق متعة محرّمة، فتنطفئ أرواحنا، ثم نعود لها سرًا.

كل هذا ليس ضعفًا في العقل… بل انفصالًا بين المعرفة والفطرة.


5) الشيطان لا يأتيك بشيء جديد

الشيطان لا يخترع معاصي جديدة. هو فقط يغيّر العناوين:

  • يسمي الإدمان “تسلية”

  • يسمي الذنب “ضعفًا إنسانيًا”

  • يسمي التسويف “راحة”

  • يسمي الشهوة “حرية”

  • يسمي الخيانة “ظروفًا”

حتى تنقلب الفطرة، ويصبح الخطأ مألوفًا، ويصبح الحق ثقيلًا.


6) لماذا الطفل أنجح منا في التعلم؟

لأن الطفل:

  • لا يبرر

  • لا ينافق نفسه

  • لا يجادل الحقيقة

  • لا يقدّس شهوته

  • لا يؤجل قراره

أما نحن:

  • نعرف… ولا نعمل

  • نرى… ونتغافل

  • نتألم… ونعتاد الألم


7) كيف نعود إلى الفطرة؟ بلا تزييف

العودة ليست شعارات ولا نوايا طيبة فقط.

1) سمِّ الخطأ باسمه

لا تقل: “عادة سيئة”. قل: “معصية”، “إهمال”، “خيانة أمانة”.

2) توقف عن تجربة المجرب

ما أثبت فشله مرة… سيفشل ألف مرة. لا تنتظر نتيجة مختلفة من الطريق نفسه.

3) اقطع الطريق لا النتيجة

غيّر البيئة، الصحبة، الروتين، المثيرات. النية وحدها لا تكفي.

4) تذكّر الحساب

كل ما تفعله ليس حرًّا بلا ثمن. هناك سؤال، ووقوف، ومحاسبة.


8) ما الذي يرفع شأننا حقًا؟

ليس الذكاء. ولا التجارب الكثيرة. ولا كثرة الكلام.

الذي يرفع شأن الإنسان هو:

  • أن يتعلّم من الخطأ ثم يتوقف

  • أن يحترم فطرته

  • أن لا يخدع نفسه

  • أن يكون صادقًا مع الله ومع ذاته


خاتمة قاسية… لكنها صادقة

الطفل يتعلّم من الألم مرة واحدة. أما بعض الكبار، فيعيشون عمرًا كاملًا يكررون الألم… ثم يسمونه “نصيبًا”.

الفطرة ما زالت فيك. لكنها لن تصرخ إلى الأبد.

إما أن تسمعها اليوم، أو تسكت غدًا… وتبقى تكرر ما يؤذيك حتى تلقى الله.

Responsive Counter
General Counter
82437
Daily Counter
489