المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 26 يناير 2026 10:58 ص
في كثير من بيئات العمل اليوم، لا تُقاس القيمة الحقيقية للموظف بقدرته على الإنجاز، ولا بصدق النصيحة، ولا بجودة التفكير… بل تُقاس أحيانًا بمدى “قابليته للانحناء”. أن يسمع لمديره سمعًا أعمى، ويُطيع ولو كان المطلوب غير مقنع، ويبتلع اعتراضه حتى لو كان يرى الخلل واضحًا… فقط لكي “يمشي الحال”، ولكي لا يغضب المدير، ولكي لا يدفع ثمن كلمة حق.
هنا تبدأ المشكلة الأخطر: حين تصبح السلامة أهم من الضمير، ويصبح “الهدوء الإداري” أهم من الحقيقة.
نعم… المؤسسة تحتاج نظامًا، والإدارة تحتاج انضباطًا، والقرار النهائي يجب أن يُحترم. لكن الالتزام الإداري ليس معناه إلغاء العقل، ولا خنق النزاهة، ولا تحويل الموظف إلى “مرآة” تعكس رغبة المدير فقط.
هناك فرق بين:
موظف منضبط يحترم التسلسل الإداري،
وموظف مُلغى لا رأي له، ولا موقف، ولا شجاعة في قول ما يراه حقًا.
الالتزام الإداري يضبط الفوضى… أما الطاعة العمياء فتُنتج فوضى من نوع أخطر: فوضى داخل القرار نفسه.
لأن الموظف المطيع:
لا يضع المدير في مواجهة الحقيقة،
لا يُحرجه أمام أخطائه،
لا يفرض عليه مراجعة قراراته،
لا يطلب تفسيرًا منطقيًا،
لا يدفعه للتطوير… بل يريحه نفسيًا.
بينما الموظف القوي الأمين:
يختلف إن رأى خطأ،
يُجادل إن شعر أن القرار يضر العمل،
ينصح بصدق حتى لو خسر رضى المدير،
يتمسك بالجودة والمعايير والحق.
ولذلك تجد بعض أصحاب الأعمال — للأسف — لا يرغبون بمن هو قويّ وأمين؛ ليس لأنه سيئ… بل لأنه صعب على ثقافة التحكم، ويُربك بيئة قائمة على “نفّذ ثم اصمت”.
وهنا تُرتكب أكبر خيانة للمؤسسة: أن تُقصى الكفاءات الصادقة، ويُقدَّم بديلها “اللطيف المطيع” حتى لو كان ضعيفًا في الإنتاج، هشًا في القرار، خفيفًا في الضمير.
المؤسسة التي تضع الطاعة قبل الكفاءة ستكسب “هدوءًا مؤقتًا” لكنها ستخسر على المدى الطويل:
ستخسر الجودة؛ لأن لا أحد يجرؤ أن يقول: هذا خطأ.
ستخسر الابتكار؛ لأن التفكير يصبح تهديدًا.
ستخسر الثقة؛ لأن الصراحة تُعاقب.
وستصبح قراراتها دائرة مغلقة: مدير يقرر، وجميع من حوله يصفقون… ثم يدفع الجميع ثمن القرار.
الأسوأ أن هذا المناخ يقتل الموظف نفسه: يعلّمه أن الصمت حكمة دائمًا، وأن قول الحق مخاطرة لا تستحق، وأن “تأمين الوظيفة” أهم من حفظ الأمانة.
القرآن لم يترك مسألة اختيار الرجل المناسب للعمل للهوى ولا للمزاج ولا للانطباع السريع. بل ثبّت قاعدة واضحة في قصة موسى عليه السلام مع الفتاتين، عندما قالت إحداهما لأبيها:
﴿ يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾
هذه ليست جملة عابرة في قصة… إنها منهج توظيف، قاعدة بميزانين لا ثالث لهما:
القوّة: كفاءة، قدرة، تحمل، إنجاز، مسؤولية.
الأمانة: ضمير، صدق، نزاهة، حفظ الحقوق، عدم التلاعب.
لاحظ: لم تقل “المطيع” لم تقل “الهادئ” لم تقل “الذي لا يجادل” بل قالت: القوي الأمين.
ثم إن القصة نفسها تشرح لماذا قالت ذلك: رأت قوته في الفعل، ورأت أمانته في الخلق. قوة تحمي العمل من الضعف، وأمانة تحمي العمل من الخيانة.
في بيئة سليمة، الموظف الأمين حين ينصح يُحترم. وفي بيئة مريضة، الموظف الأمين حين ينصح يُتهم:
“لماذا تعارض؟”
“لماذا تصعّب الأمور؟”
“لا تكن سلبيًا”
“نفّذ فقط”
تُسمّى النصيحة “جدالًا”، ويُسمّى الرفض “تمردًا”، ويُسمّى الضمير “مشاكل”. ثم يُرفَع المطيع الضعيف لأنه “مريح”، وتُحارب الكفاءة لأنها “تزعج”.
وهكذا تتكرّس قاعدة معكوسة:
الأفضل في التوظيف ليس القوي الأمين… بل الهادئ المطيع.
وهذا قلبٌ للموازين… ومآله واضح.
نحتاج ثقافة تقول:
نعم للانضباط… لكن لا لإلغاء العقل.
نعم لاحترام الإدارة… لكن لا لإسكات الضمير.
نعم للتسلسل… لكن لا لشرعنة الخطأ.
نعم للهدوء… لكن ليس على حساب الحق والجودة.
ونحتاج مديرًا يفهم أن الموظف الذي يصدقك اليوم قد ينقذك غدًا، وأن من يجاملك في كل قرار… قد يقودك إلى فشل كبير وأنت تظن أنك على صواب.
حين لا يحب المدير إلا من يطيعه دون تفكير، فهو لا يبني فريقًا… بل يبني جدارًا حول نفسه. وحين تُقصى الأمانة لصالح السلامة، تتحول المؤسسة إلى مكان ينتصر فيه الصمت على الحق.
والقرآن يضع أمامنا معيارًا شريفًا… بسيطًا… لكنه ثقيل على النفوس الضعيفة:
خير من تستأجر: القوي الأمين. لا “الأكثر طاعة”، ولا “الأكثر مجاملة”، ولا “الأقل صدقًا”.
فإن أردنا نهضة حقيقية في العمل، فلا بد أن نعيد الاعتبار لمن يحمل القوة والأمانة… وأن نفهم أن الطاعة العمياء ليست فضيلة… بل قد تكون بداية الانهيار.