المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
ما أسهل أن تُعلَّق الشهادات على الجدران،
وما أصعب أن تتحول تلك الشهادات إلى مواقف عند الشدائد،
وما أندر أن ترى أثر العلم حين يحتاجه الناس فعلًا.
لقد كَثُرَ حملة شهادات الدكتوراه في مجتمعاتنا حتى كاد اللقب يفقد هيبته،
لا لأن الدرجة العلمية فقدت قيمتها،
بل لأن كثيرًا ممن حملوها لم يحملوا مسؤوليتها.
فالشهادة العليا ليست زينة لغوية تُسبق بها الأسماء،
ولا منزلة اجتماعية يُتفاخر بها،
ولا وسيلة للزهو والتعالي.
إنها تكليف قبل أن تكون تشريفًا.
إكمال الدراسة بعد الجامعة لم يكن يومًا غايةً في ذاته،
بل وسيلة ذات مقاصد واضحة:
بناء عقلٍ بحثي قادر على التحليل لا التلقين
إنتاج معرفة جديدة لا إعادة تدوير قديمة
خدمة المجتمع والإنسانية
إعداد أجيال قادرة على البناء لا التبعية
الدكتوراه لم تُخلق لتكون ديكورًا علميًا،
ولا وسامًا اجتماعيًا،
ولا بطاقة عبور إلى طبقة متعالية على الناس.
حين تتحول أعلى الشهادات إلى لقبٍ بلا أثر،
ويغيب حضورها عند الحاجة،
يصدق الوصف القاسي:
كالحمار يحمل أسفارًا
يحملها… نعم،
لكنه لا يفهمها،
ولا يُحسن استخدامها،
ولا ينتفع بها،
ولا يُنقذ بها أحدًا.
ترى “الدكتور” يزهو إذا نُودي بلقبه،
ويرتفع صوته في المجالس،
ويختفي حين تحتاج الأمة رأيًا،
أو تحليلًا،
أو مشروعًا حقيقيًا.
الأدهى من ذلك أن بعضهم يتعامل مع الشهادة
وكأنها بطاقة عبور إلى طبقة أعلى من البشر:
يُنظّر ولا يُحاسَب
ينتقد ولا يعمل
يتصدّر ولا يُقدّم
وينسى أن الدرجة العلمية ليست امتيازًا…
بل تكليفًا ثقيلًا:
أن يُعلِّم
أن يُدرِّب
أن يُوجِّه
أن يُسهم في حل مشكلات المجتمع
أن يُنشئ أجيالًا أفضل منه لا أضعف
من أكثر الأمثلة كشفًا للخلل ما نراه في علوم الحاسب.
كم عندنا من حملة الدكتوراه في:
نظم التشغيل
هندسة البرمجيات
الذكاء الاصطناعي
الشبكات
الأنظمة الموزعة
لغات البرمجة
أمن المعلومات
أعداد ضخمة،
وألقاب ثقيلة،
وسنوات طويلة من الدراسة.
لكن السؤال الجوهري:
ماذا خرج من كل هذا؟
هل خرج لنا نظام تشغيل عربي جاد مستخدم فعليًا؟
هل خرجت لغة برمجة عالمية لها موضع حقيقي بين لغات العالم،
صنعتها عقولنا،
ووقفت خلفها جامعاتنا،
وتبنّاها باحثونا؟
الجواب المؤلم:
لم نرَ شيئًا يُذكر.
وإن وُجدت محاولات،
فهي خجولة، متقطعة،
تنتهي سريعًا،
لا لأنها فاشلة بالضرورة،
بل لأنها لم تُدعَم،
ولم يُؤمَن بها كمشروع طويل النفس.
المشكلة ليست في نقص العقول،
بل في أزمة رسالة ونيّة.
كثير من المشاريع – إن بدأت –
كانت تنتظر مقابلًا دنيويًا عاجلًا:
منصبًا
ترقية
لقبًا أعلى
اعترافًا اجتماعيًا مسبقًا
فإن لم يتحقق ذلك،
مات المشروع،
وسُحبت الجهود،
وعاد كلٌّ إلى صومعة لقبه الأكاديمي.
العلم الذي يغيّر الواقع لا يبدأ بسؤال:
ماذا سأحصل؟
بل بسؤال:
ماذا أستطيع أن أبنيه؟
أعظم التقنيات في العالم لم تبدأ بألقاب،
ولا بقرارات رسمية،
بل بمشاريع آمن بها أصحابها،
وصبروا عليها،
حتى أثمرت.
أما عندنا،
فكثيرون بلغوا القمة الأكاديمية،
ثم توقفوا،
وكأن الشهادة كانت خط النهاية لا بدايته.
عند الأزمات:
التعليمية
الاقتصادية
التقنية
الفكرية
نبحث عن حملة الدكتوراه،
فنجدهم:
صامتين
منشغلين بذواتهم
بعيدين عن همّ الناس
وهنا تتجلى المأساة:
أمة يكثر فيها المتعلمون،
ويقل فيها العلماء.
العلم ليس لقبًا يُنادى به،
ولا شهادة تُرفع،
ولا طبقة اجتماعية.
العلم هو:
موقف عند الشدة
صوت عند الصمت
عمل حين يكثر الكلام
فطوبى لمن حمل علمه فأنقذ به،
وويلٌ لمن حمل أعلى الشهادات،
ثم عاش ومات،
ولم يشعر أحد أن علمه مرّ من هنا.
يا لها من أمة…
كثُر فيها الحاصلون على الشهادات،
وقلّ فيها من يستحقها فعلًا.