المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:53 م
ليس كل قارئٍ للقرآن ناجيًا،
ولا كل متصدّقٍ مأجورًا،
ولا كل مقاتلٍ شهيدًا.
هذه حقيقة صادمة،
لكنها من صميم الدين،
كشفتها السنّة النبوية بوضوح لا يقبل التأويل،
لتكسر أوهام التدين الشكلي،
وتضع الإخلاص في موضعه الحقيقي:
في القلب لا في الصورة،
في النيّة لا في الفعل وحده.
قال رسول الله ﷺ فيما رواه مسلم:
«إن أولَ الناسِ يُقضى يومَ القيامةِ عليه رجلٌ استُشهِد، فأُتيَ به فعرّفه نعمتَه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استُشهِدت. قال: كذبتَ، ولكنك قاتلتَ ليُقال جريء، فقد قيل. ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار.
ورجلٌ تعلّم العلم وعلّمه وقرأ القرآن، فأُتيَ به فعرّفه نعمتَه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلّمتُ العلم وعلّمتُه وقرأتُ فيك القرآن. قال: كذبتَ، ولكنك تعلّمتَ ليُقال عالم، وقرأتَ القرآن ليُقال قارئ، فقد قيل. ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار.
ورجلٌ وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال، فأُتيَ به فعرّفه نعمتَه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تحبّ أن يُنفق فيها إلا أنفقتُ فيها لك. قال: كذبتَ، ولكنك فعلتَ ليُقال جواد، فقد قيل. ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار.»
هذا الحديث لا يتحدث عن عصاةٍ أو فاسقين، بل عن:
قارئ قرآن
عالمٍ ومعلّم
متصدّقٍ كريم
مقاتلٍ في ساحة القتال
أعمال هي في ظاهرها قمم الطاعة،
لكنها تحولت إلى وبالٍ على أصحابها؛
لأن النيّة لم تكن لله.
وهنا تنكشف القاعدة الأخطر في الدين:
ليس المهم ماذا تفعل، بل لمن تفعل.
قد تقرأ القرآن،
لكن قلبك ينتظر ثناء الناس.
قد تتصدّق،
لكن عينك على لقب “كريم”.
قد تجتهد في عملك،
لكن همّك رضا البشر لا رضا الله.
الفعل واحد،
لكن المصير مختلف تمامًا.
فالعمل إذا لم يُرَد به وجه الله،
فهو عند الله عدم،
بل قد يكون حُجّةً على صاحبه يوم القيامة.
نعيش زمنًا انتشر فيه نوعٌ خفيّ من الشرك،
لا يُخرج من الملّة،
لكنه يُحبط العمل: شرك الرياء.
تعمل ليُقال: ملتزم
تعطي ليُقال: كريم
تجتهد ليُقال: مثالي
تطيع لتتجنب اللوم لا لتنال رضا الله
وهنا يتحوّل الدين إلى:
صورة
أداء وظيفي
وسيلة تبرير
سدّ أعذار اجتماعية
لا عبادة.
يسأل كثيرون:
لماذا الراتب لا يكفي؟
لماذا التعب بلا ثمرة؟
لماذا كثرة العمل وقلة الرضا؟
والجواب موجع لكنه صادق:
لأن الأعمال لم تُقدَّم لله،
فلا يبارك الله فيها.
البركة لا تُشترى بكثرة الساعات،
ولا بالاجتهاد المجرّد،
بل بصدق القصد.
عملٌ قليلٌ بنيّة صادقة،
خيرٌ من جبل أعمال بنيّة فاسدة.
هذا الحديث لم يُروَ ليُحبط الناس،
بل لينقذهم.
لم يُذكر لإسقاط العاملين،
بل لإيقاظ القلوب قبل فوات الأوان.
الله لا يريد صورتك،
ولا خطابك،
ولا منشورك،
ولا تصفيق الناس لك.
الله يريد قلبك.
اسأل نفسك بصدق:
لو لم يرني أحد… هل سأفعل هذا العمل؟
لو لم يُشكرني أحد… هل سأستمر؟
لو لم يُكافئني بشر… هل أرضى بأن يكون الله هو الشاهد؟
هذه الأسئلة ليست اتهامًا،
بل ميزان نجاة.
ليس المهم أن تُعرَف في الأرض،
بل أن تُقبَل في السماء.
ليس المهم أن يُقال عنك: قارئ، أو كريم، أو شجاع،
بل أن يقول الله: هذا عبدي، عمل لي.
فطوبى لمن أصلح نيّته ولو قلّ عمله،
وويلٌ لمن أفسد قصده ولو ملأ أعين الناس طاعة.
اللهم ارزقنا الإخلاص،
ونجّنا من الرياء،
ولا تجعل أعمالنا شاهدةً علينا يوم نلقاك.